ثمة شيء يثير استغرابي كلما اقتربت الانتخابات الإسرائيلية: ذلك الصمت العربي شبه الكامل عن ملايين الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية ويذهبون إلى صناديق الاقتراع، ويشاركون، بهذا القدر أو ذاك، في صناعة الخريطة السياسية للدولة التي يعيشون داخلها. نتابع بنيامين نتنياهو، نحصي مقاعد الليكود، نراقب صعود هذا الجنرال أو سقوط ذلك الوزير، ونناقش احتمالات تشكيل الائتلاف الحكومي المقبل كما لو أن إسرائيل مجتمع سياسي مغلق يتكون حصرا من أحزاب يهودية تتصارع فيما بينها، بينما هناك كتلة عربية وازنة، مختلفة الاتجاهات، متناقضة الحسابات، تتحرك داخل المشهد ولا تكاد تحظى عربيا إلا بنظرات سريعة، أو بأحكام جاهزة، أو بنبرة استنكار لا تريد أن تفهم بقدر ما تريد أن تدين.
وحين تظهر صورة أو تدوينة تقول إن بعض عرب إسرائيل يؤيدون نتنياهو بينما يدعم آخرون خصومه، تبدأ الدهشة. كأن العربي هناك مطلوب منه أن يكون نسخة واحدة، وأن يتصرف وفق تعليمات سياسية مكتوبة خارج واقعه، وأن يلغي مشاكله اليومية وهواجسه الفردية واختياراته الاجتماعية والاقتصادية حتى يرضي صورة ذهنية صنعتها عنه غرف الأخبار والشعارات السياسية. وأنا هنا لا أدافع عن نتنياهو ولا أبرر سياساته ولا أجمّل خطاب اليمين الإسرائيلي، وإنما أدافع عن حقنا في أن نفهم الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. فالسياسة تبدأ عندما نتوقف عن صناعة الأساطير عن الشعوب، ونقبل بأن المجتمعات معقدة ومتناقضة، وأن الناخب، أي ناخب، لا يدخل إلى الصندوق حاملا كتابا أيديولوجيا واحدا، بل يحمل معه خوفه وغضبه ومصلحته ومهنته وعائلته وذاكرته وإحساسه بالأمن وبالمستقبل.
عرب إسرائيل ليسوا حزبا واحدا. ليسوا قبيلة انتخابية. ليسوا صوتا سياسيا مكتوبا سلفا. بينهم قومي ويساري وإسلامي وليبرالي ومحافظ ومن لا يهتم بالسياسة أصلا. بينهم من يصوت للقوائم العربية، ومن يختار حزبا يهوديا، ومن يقاطع الانتخابات، ومن ينظر إلى التصويت باعتباره أداة لتحسين حياته اليومية قبل أن يكون تعبيرا عن موقف تاريخي من الصراع. وهذه الحقيقة البسيطة تبدو عند البعض وكأنها فضيحة، لأنها تهدم الصورة المريحة التي تريد من الفلسطيني داخل إسرائيل أن يبقى دائما رمزا أكثر منه إنسانا، وأن يكون عنوانا سياسيا قبل أن يكون أبا يبحث عن مدرسة أفضل لابنه، أو موظفا يريد فرصة عمل، أو مواطنا يخشى الجريمة التي تضرب بلدته، أو شابا يبحث عن سكن، أو امرأة تريد خدمات صحية ونقلا وبنية تحتية أكثر عدلا.
وهنا تحديدا يبدأ السؤال الذي لا يريد كثيرون طرحه: إذا كان بعض العرب يصوتون لليكود أو لغيره من الأحزاب الإسرائيلية الكبرى، فهل تكمن المشكلة في هؤلاء الناخبين وحدهم، أم في عجز القوى التي يفترض أنها تمثلهم عن الاحتفاظ بثقتهم؟ من السهل أن نقول إن هذا الناخب أخطأ، لكن الأصعب والأكثر فائدة هو أن نسأل لماذا لم يجد في ممثليه التقليديين ما يكفي لإقناعه. السياسة لا تُقاس بصفاء الشعارات بل بقدرتها على إقناع البشر. وإذا خرج ناخب من صفك، فلا يكفي أن تشتمه؛ يجب أن تعرف لماذا خرج.
قد يكون التصويت لنتنياهو، بالنسبة إلى بعض العرب، اختيارا يبدو من الخارج مستفزا أو متناقضا، لكنه في الداخل قد يستند إلى حسابات تتعلق بالأمن الشخصي أو الميزانيات أو الضرائب أو العمل أو علاقة محلية بمرشح أو حزب أو حتى بخيبة من أداء قيادات عربية. وقد يكون هذا الحساب خاطئا في تقديرنا، لكنه يظل حسابا سياسيا، وليس لغزا بيولوجيا أو خيانة جينية. كما أن التصويت لمنافس نتنياهو لا يجعل صاحبه تلقائيا مناضلا فلسطينيا، لأن الأحزاب الإسرائيلية المعارضة لليكود ليست جميعها حركات تحرر وطني، ولا هي بالضرورة تحمل مشروعا جذريا مختلفا تجاه الفلسطينيين. هناك درجات من الاختلاف، وهناك فروق حقيقية في ملفات عديدة، لكن تحويل المشهد إلى معادلة أخلاقية ساذجة من نوع «مع نتنياهو = ضد الفلسطينيين» و«ضد نتنياهو = مع الفلسطينيين» لا يشرح الواقع.
المفارقة الأكثر قسوة أن الأحزاب الإسرائيلية، بما فيها اليمين، تعرف قيمة الصوت العربي أكثر مما يعرفه أحيانا بعض المعلقين العرب. هي لا تنظر إليه بوصفه زينة انتخابية، بل بوصفه رقما يمكن أن يغير معادلة الحكم. ولذلك رأينا محاولات متكررة لمخاطبة الناخب العربي مباشرة، والتحدث عن مكافحة الجريمة، وعن الاستثمارات، وعن الخدمات، وعن التنمية، وعن دمج المجتمع العربي في الاقتصاد. لن أتعامل بسذاجة مع هذه الوعود، ولن أفترض أن كل خطاب انتخابي صادق، ولكنني أسأل: لماذا يذهب السياسي الإسرائيلي إلى المواطن العربي طالبا صوته، بينما نكتفي نحن من الخارج بمحاكمته إذا أعطاه لمن لا يعجبنا؟
لقد أصبح الصوت العربي داخل إسرائيل، في بعض المحطات، واحدا من أعقد مفاتيح تشكيل الحكومات. وهذا وحده يكفي كي نفهم لماذا تتغير لهجة السياسيين تجاه المواطنين العرب بين موسم وآخر. في لحظة يحتاجون إليهم فيتحدثون عن الشراكة، وفي لحظة أخرى يخاطبون جمهورهم القومي بلغة الخوف منهم. هنا تظهر واحدة من أبشع تناقضات السياسة الإسرائيلية: العربي قد يكون في خطاب انتخابي «مواطنا ينبغي كسبه»، وفي خطاب تعبوي آخر «خطرا ينبغي التحذير منه». إنه المواطن نفسه، لكن قيمته تتغير بتغير الحاجة إلى صوته.
وهذا التناقض لا ينبغي أن يمر بلا مساءلة. فلا معنى لديمقراطية تطرق باب المواطن وقت الانتخابات ثم تنظر إليه بعين الريبة بعد إعلان النتائج. ولا معنى لمواطنة تستخدم فيها الأصوات كوقود للحكم بينما يبقى أصحابها في كثير من المجالات يشعرون بأنهم مواطنون من درجة أقل أو أنهم مطالبون دائما بإثبات شرعيتهم وانتمائهم وحقهم في المشاركة.
لكن المساءلة يجب ألا تتوقف عند الدولة والأحزاب اليهودية، بل ينبغي أن تصل أيضا إلى القيادات السياسية العربية داخل إسرائيل. فهناك أسئلة مؤلمة لا يمكن الهروب منها: لماذا تتذبذب نسب المشاركة العربية في الانتخابات؟ لماذا يفقد بعض الناخبين الحماسة للقوائم التي تقول إنها تمثلهم؟ لماذا تظهر خلافات وانقسامات داخلية تضعف الوزن البرلماني العربي؟ لماذا يقتنع بعض المواطنين بأن الحصول على شارع معبد أو شرطة أكثر فاعلية أو مدرسة أفضل يمر عبر حزب حاكم لا عبر ممثل عربي؟ هذه الأسئلة ليست إدانة بقدر ما هي امتحان للجدوى السياسية. فالناخب لا يعيش بالشعارات وحدها، ولا يمكن أن تطلب منه أن يمنحك صوته إلى الأبد لمجرد أنك تحمل هويته.
وهنا لا بد من قول شيء قد يزعج البعض: الهوية لا تمنح شيكا انتخابيا على بياض. أن تكون عربيا أو فلسطينيا لا يعني أن تكون ملزما بالتصويت لقائمة عربية معينة، مثلما أن الانتماء الوطني في أي بلد لا يلزم المواطن باختيار الحزب الذي يرفع أكثر الشعارات الوطنية. الديمقراطية، في جوهرها، هي حق الإنسان في الاختيار، حتى عندما لا يعجبنا اختياره. وحين نبدأ بوصف الناخب بالخائن فقط لأنه اختار بطريقة مختلفة، نكون قد غادرنا الديمقراطية ودخلنا إلى منطق الوصاية.
غير أن حرية الاختيار لا تعني غياب المسؤولية. فالناخب، عربيا كان أو يهوديا، مسؤول أخلاقيا وسياسيا عن نتائج صوته. من يصوت لحزب يدعم سياسات متشددة يجب أن يعرف أنه يساهم في منح تلك السياسات شرعية انتخابية. ومن يصوت لحزب يعده بالمساواة ثم يتراجع عنها يجب أن يحاسبه. ومن يختار المقاطعة يجب أن يعرف أن المقعد الذي لم يساعد على إنتاجه قد يذهب في النهاية لمن يناقض كل ما يؤمن به. هذه ليست وصاية، وإنما أبسط قواعد العمل السياسي: لكل صوت أثر، ولكل امتناع أثر أيضا.
أنا لا أفهم كيف يستطيع الإعلام العربي أن يقضي ساعات في تحليل شخصية نتنياهو، وتحالفاته، ومحاكماته، وصراعاته، ثم يمر بسرعة على المجتمع العربي داخل إسرائيل وكأنه مجرد هامش. إن مستقبل الحكومات الإسرائيلية لا يتحدد فقط في مكاتب الأحزاب الكبرى، بل في نسب المشاركة، وفي توجهات الناخبين العرب، وفي قدرتهم على توحيد صفوفهم أو تشتيتها، وفي استعداد أحزاب إسرائيلية لتشكيل ائتلافات تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على تمثيل عربي.
وهنا تكمن القوة التي ينبغي الحديث عنها. لا أرى المواطن العربي داخل إسرائيل مجرد ضحية دائمة. أراه أيضا فاعلا سياسيا، حتى عندما تكون قدرته محدودة وحتى عندما يواجه تمييزا أو تناقضات بنيوية. قوة هذا المواطن لا تأتي من عدد السكان فقط، بل من قدرته على تحويل الرقم الديمغرافي إلى وزن انتخابي، والوزن الانتخابي إلى شروط، والشروط إلى سياسات وميزانيات وحقوق.
إن أسوأ شيء يمكن أن يحدث لأي أقلية سياسية هو أن تتعامل مع صوتها كأنه واجب رمزي وليس أداة تفاوض. حين يصبح التصويت مجرد إعلان هوية، يفقد جزءا من قوته. أما حين يتحول إلى عقد سياسي واضح ــ أعطيك صوتي مقابل برامج قابلة للقياس، وأحاسبك بعد ذلك ــ تبدأ المواطنة بالتحول من شعار إلى نفوذ.
من هنا لا تهمني كثيرا صدمة بعض المتابعين من أن عربيا ما قد يصوت لنتنياهو. ما يهمني هو لماذا فعل ذلك، وماذا وُعد به، وهل حصل عليه، وهل سيكرر خياره، وكيف ستستجيب القوى السياسية الأخرى لهذا التحول. لأن هذه الأسئلة هي التي تكشف حركة المجتمع، أما الاكتفاء بالصراخ والاتهام فلا ينتج سوى مزيد من الجهل.
كما لا ينبغي أن نخدع أنفسنا بالحديث عن «الصوت العربي» بصيغة المفرد. هناك أصوات عربية كثيرة. صوت يريد اندماجا أوسع في الدولة، وصوت يريد مواجهة سياساتها، وصوت يحاول الجمع بين الهوية الفلسطينية والمشاركة المدنية، وصوت يائس من الجميع. وهذه التعددية ليست ضعفا في حد ذاتها. الضعف يبدأ عندما تتحول التعددية إلى تشرذم بلا استراتيجية، أو إلى صراع زعامات، أو إلى عزوف واسع يجعل الآخرين يقررون نيابة عنك.
ولذلك أقول إن المعركة الحقيقية ليست بين عربي يصوت لنتنياهو وآخر يصوت لخصمه، وإنما بين مجتمع يعرف كيف يحول صوته إلى قوة ومجتمع يترك الآخرين يستخدمونه فقط في موسم الانتخابات. الخطر ليس أن تختلف الخيارات، بل أن تصبح الأصوات بلا ثمن سياسي، وأن يعتاد الناخب منحها لمن يطلبها من دون أن يطالبه بحصيلة ملموسة.
وفي الجانب الآخر، فإن على إسرائيل نفسها أن تحسم تناقضها التاريخي تجاه مواطنيها العرب. لا يمكن أن تطلب منهم الاندماج السياسي ثم تشكك في شرعية تأثيرهم عندما يصبحون قادرين على ترجيح الأغلبية. لا يمكن أن تعتبر أصواتهم شرعية عندما تفيد حزبا ما وغير شرعية عندما تساعد خصمه. صندوق الاقتراع إما أن يكون واحدا للجميع أو يتحول إلى مسرحية.
وهذا تحديدا ما يجعلني أرى الانتخابات الإسرائيلية من زاوية مختلفة. ليست مجرد سباق على رئاسة الحكومة. إنها أيضا اختبار لفكرة المواطنة نفسها، ولمدى قبول المجتمع الإسرائيلي بأن المواطن العربي ليس ضيفا مؤقتا ولا رقما فائضا، وإنما طرف يمتلك صوتا يمكن أن يسقط حكومة أو يساعد على قيام أخرى.
أما عربيا، فعلينا أن نخرج من عقلية التعامل مع فلسطينيي الداخل باعتبارهم صورة ثابتة في الذاكرة. هؤلاء يعيشون واقعا يتغير كل يوم، وهم في قلب دولة متطورة اقتصاديا وتكنولوجيا لكنها تعيش تناقضات هوية وصراعا وطنيا لم ينته. وأي تحليل لا يرى هذه التعقيدات سيتحول إلى خطاب عاطفي جميل لكنه عاجز عن تفسير ما يحدث.
حين أرى عربيا يختار الليكود لا أصفق له، وحين أرى آخر يختار حزبا معارضا لا أمنحه وسام الوطنية تلقائيا. أسأل كلاهما: ماذا تريد من صوتك؟ ماذا ربحت به؟ ماذا خسر مجتمعك؟ وهل تستطيع أن تحاسب من انتخبته؟ هذه هي السياسة. أما توزيع شهادات الوطنية على أبواب صناديق الاقتراع فهو أسهل الأعمال وأقلها فائدة.
وسيبقى السؤال الأكثر حساسية: هل يستطيع المواطنون العرب في إسرائيل الانتقال من موقع «الكتلة التي يحتاجها الآخرون» إلى موقع القوة التي تضع شروطها بنفسها؟ إذا تحقق ذلك، فلن يعود السؤال: من يدعم نتنياهو ومن يدعم خصومه؟ بل سيصبح: من يستطيع أن يقدم للمواطن العربي ضمانات حقيقية في المساواة والأمن والتنمية والتمثيل، ومن سيدفع ثمن تجاهله؟
عندها فقط سيتغير ميزان اللعبة. لأن السياسة لا تحترم من يصرخ أكثر، وإنما من يعرف قيمة موقعه في المعادلة. والصوت العربي داخل إسرائيل، مهما اختلفنا حول توجهاته، قادر على أن يكون رقما مزعجا لكل من أراد احتكاره أو تهميشه أو استدعاءه فقط عندما تضيق الحسابات.
ولذلك، حين أقرأ العبارة القائلة إن بعض عرب إسرائيل يدعمون نتنياهو وبعضهم يدعم خصومه، لا أرى فيها فضيحة. أرى فيها عنوانا لمجتمع حي ومتناقض يبحث عن طريقه داخل واحدة من أعقد البيئات السياسية في العالم. الفضيحة الحقيقية ليست في الاختلاف، بل في أن نستمر نحن في تجاهل هذا المجتمع حتى موسم الانتخابات، ثم نستغرب حين يصوت بطريقة لم نكن نتوقعها.
الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق