الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أكتوبر 20، 2026

بلجيكا تسهّل استقطاب الكفاءات المغربية : عبده حقي


في سباق عالمي متصاعد على العقول والمهارات، تتحرك الدول الأوروبية لسدّ فجوات سوق العمل لديها بالاستعانة بكفاءات من خارج الاتحاد. وفي هذا السياق جاء الإعلان عن توجّه بلجيكا إلى تسهيل استقطاب الكفاءات المغربية، مع تحديد 90 يومًا كحد أقصى لدراسة الطلبات. قد يبدو الرقم تفصيلًا إداريًا، لكنه في عالم الهجرة والتوظيف يعني الفرق بين فرصة تتحقق وأخرى تضيع.

من يقدّم طلب إقامة أو عمل في بلد أجنبي يعيش فترة انتظار مرهقة. المرشح يحتاج إلى معرفة موعد قرار الإدارة ليرتّب وضعه المهني والعائلي: هل يترك عمله الحالي؟ هل ينقل أسرته؟ هل يؤجّل التزاماته؟ وأرباب العمل البلجيكيون بدورهم لا يستطيعون انتظار أشهر طويلة لتوظيف مهندس أو ممرض أو تقني تحتاجه شركتهم الآن.

وللتذكير، فإن بلجيكا تعمل أصلًا بقاعدة قانونية تحدد 90 يومًا لاتخاذ القرار وإبلاغه لصاحب الطلب في بعض ملفات الإقامة، غير أن الإدارة لا تتمكن دائمًا من احترام هذا الأجل، كما أقرّت بذلك مراسلات رسمية لأمين المظالم الأوروبي بشأن الطلبة الأجانب الباحثين عن عمل بعد دراستهم. من هنا تأتي أهمية أي التزام يجعل الأجل سقفًا فعليًا يُحترم، لا مجرد نص نظري.

تعاني بلجيكا، مثل جاراتها في أوروبا الغربية، من شيخوخة سكانية وضغط على قطاعات حيوية. وتتكرر الشكوى من نقص اليد العاملة المؤهلة في الصحة والتمريض، والهندسة والمعلوماتية، والصناعة والتقنيات الحديثة، والبناء والطاقة، والنقل واللوجستيك. وتعجز الجامعات ومراكز التكوين المحلية عن تخريج أعداد كافية لتغطية هذه الحاجة، ما يدفع الحكومات والشركات إلى البحث عن الكفاءات خارج الحدود.

وفي هذا المشهد يبدو المغرب شريكًا طبيعيًا لأسباب كثيرة، أولها وجود جالية مغربية كبيرة ومستقرة في بلجيكا منذ عقود، مندمجة في النسيج الاقتصادي والاجتماعي. وثانيها أن الكفاءات المغربية تتميز بتعدد اللغات، إذ يتقن كثير من المتخرجين العربية والفرنسية والإنجليزية، وتُعدّ الفرنسية مفتاحًا مهمًا للعمل في بروكسل ووالونيا. وثالثها أن جامعات المغرب ومعاهده العليا تخرّج سنويًا آلاف المهندسين والتقنيين والأطر، ورابعها القرب الجغرافي والثقافي الذي يسهّل الاندماج.

إذا طُبّقت التسهيلات كما أُعلن عنها، فمن المرجح أن تنعكس على فئات عدة.

*المهنيون المؤهلون.* المهندس أو الطبيب أو الممرض أو المطوّر المعلوماتي الذي يتلقى عرض عمل من شركة بلجيكية يصبح أمامه مسار أوضح وأقصر زمنًا. فمعرفة أن القرار سيصدر خلال ثلاثة أشهر على الأكثر تمنح المرشح ورب العمل قدرة على التخطيط.

الطلبة والخريجون. الطالب المغربي في جامعة بلجيكية يتساءل غالبًا عما بعد التخرج: هل يستطيع البقاء والعمل؟ وقد يمنح تسريع معالجة الملفات هذه الفئة طمأنينة أكبر. وتتيح القواعد الأوروبية عمومًا للخريجين الأجانب تصريح إقامة لتسعة أشهر على الأقل للبحث عن عمل أو إنشاء مشروع، وكل تأخير في معالجة هذا التصريح قد يأكل من مدته الثمينة. لذلك فإن احترام الآجال له أثر مباشر على فرص الخريج.

أصحاب المشاريع. قد ينتفع رواد الأعمال والمستثمرون الصغار من مسطرة أسرع تتيح لهم تأسيس نشاطهم والتنقل بين البلدين.

وتجدر الإشارة إلى أن القاعدة العامة تفرض على غير الأوروبيين الراغبين في إقامة تتجاوز 90 يومًا الحصول على تأشيرة إقامة طويلة من النوع D، ثم التسجيل لدى البلدية بعد الوصول. وهذه الخطوات تبقى قائمة، والمأمول أن تصبح أكثر سلاسة ووضوحًا.

الفائدة ليست من طرف واحد. فبلجيكا تكسب يدًا عاملة مؤهلة تسدّ العجز في قطاعات حساسة، وتنافس بها دولًا أخرى مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا التي تتسابق على الكفاءات نفسها. وتكسب أيضًا اقتصادًا أكثر ديناميكية، لأن المهنيين الوافدين يدفعون الضرائب ويستهلكون ويؤسسون مشاريع ويشغّلون غيرهم. وتكسب كذلك جسورًا اقتصادية وثقافية مع المغرب، تعود بالنفع على التبادل التجاري والاستثمار.

ثم إن الوضوح الإداري عامل جذب بحد ذاته. فالكفاءة العالية تختار الوجهة التي توفّر الاستقرار وسرعة القرار، لا الوجهة التي تتركها معلّقة شهورًا. ومن يحسم ملفاته أسرع يربح السباق.

يفتح هذا الموضوع نقاشًا مغربيًا قديمًا متجددًا حول هجرة الأدمغة. فمن جهة، ينظر كثيرون إلى الفرص الخارجية بوصفها متنفسًا مشروعًا لشباب يبحث عن أجور أفضل وظروف مهنية أرحب. وتمثل تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج رافدًا مهمًا للاقتصاد الوطني، كما أن الخبرات المكتسبة في أوروبا قد تعود بالنفع على الوطن عبر مشاريع واستثمارات ونقل للمعرفة.

ومن جهة أخرى، يحذّر آخرون من أن نزيف الأطر، خصوصًا في الصحة والهندسة، قد يضعف القطاعات المحلية التي استثمرت الدولة كثيرًا في تكوين كوادرها. ويرون أن على المغرب مواكبة هذا التحول بسياسات تحفّظ الكفاءات داخل البلاد، من تحسين ظروف العمل والأجور، وتشجيع البحث العلمي، وتسهيل عودة الخبرات وربطها بالمشاريع الوطنية.

والمقاربة الأكثر واقعية هي ما يُعرف بـ«تداول الكفاءات»، أي أن تصبح الحركة ذهابًا وإيابًا لا اتجاهًا واحدًا، بحيث يستفيد البلدان من الخبرة والتجربة

رغم الحماس، تبقى أسئلة عملية تحتاج إلى أجوبة.

أولًا: كيف سيُطبَّق السقف؟ الإعلان عن أجل أقصى شيء، وضمان الالتزام به في الواقع شيء آخر. وقد سبق أن رُصدت تأخيرات في معالجة بعض الملفات رغم وجود أجل قانوني، لذلك سيكون العبرة بالتنفيذ وبحجم الموارد البشرية المخصصة للإدارة.

ثانيًا: ما الفئات المعنية بالضبط؟ هل يشمل الإجراء كل المهن أم قطاعات محددة؟ وهل يخص حاملي شهادات معينة أو مستوى أجور معينًا؟ هذه التفاصيل هي التي تحدد من يستفيد فعلًا.

ثالثًا: الاعتراف بالشهادات. يواجه كثير من المهنيين عائق معادلة الدبلومات، خاصة في المهن المنظّمة كالطب والتمريض والهندسة. وقد يضيع تسريع الإقامة أثره إن بقيت مسطرة الاعتراف بالشهادة طويلة، وهو أمر يُعالج لدى جهات مختصة في المجموعتين الفلامانية والفرنكوفونية.

رابعًا: الظروف المادية والاندماج. تتطلب الإقامة في بلجيكا قدرة مالية وتأمينًا صحيًا وسكنًا، وتشهد المدن الكبرى أزمة سكن وغلاء متزايدًا. كما أن تعلّم الهولندية يظل ميزة كبيرة للعمل في فلاندرز، بينما تكفي الفرنسية غالبًا في بروكسل ووالونيا.

خامسًا: تجارب سابقة مع الصرامة الإدارية. يعرف المغاربة، شأنهم شأن غيرهم، أن الإجراءات الحدودية والإدارية قد تكون صارمة أحيانًا، وأن الوثائق والضمانات المالية تُدقَّق بشدة. لذلك من الحكمة أن يحرص المتقدمون على استكمال ملفاتهم والتأكد من مطابقتها للشروط.

للمهتمين بهذه الفرصة، يمكن اتباع بضع خطوات. ابدأوا بالتحقق من المصادر الرسمية، أي موقع مكتب الأجانب البلجيكي والسفارة أو القنصلية، وتجنبوا السماسرة ومروّجي الوعود السريعة. ثم جهّزوا وثائقكم مبكرًا، من شهادات مصادق عليها وسجل عدلي وتأمين صحي وإثبات للموارد المالية. وابحثوا عن عرض عمل أو قبول جامعي لأنهما غالبًا نقطة الانطلاق لأي مسطرة. وحسّنوا لغاتكم، فالفرنسية أو الهولندية بحسب المنطقة تفتح أبوابًا واسعة. وأخيرًا اطلعوا على مسطرة معادلة الشهادة قبل السفر إن كانت مهنتكم منظّمة.

يعكس الإعلان البلجيكي، كما ورد في عنوانه، إدراكًا متزايدًا بأن سوق العمل الأوروبي لن يستغني عن الكفاءات القادمة من الخارج، وأن المنافسة عليها تُحسم بالسرعة والوضوح بقدر ما تُحسم بالرواتب. أما بالنسبة للمغاربة، فهو فرصة تستحق الاهتمام لكنها تستدعي الحذر والتحضير، لأن العبرة في النهاية بالتطبيق الفعلي وبالتفاصيل التي ستُنشر لاحقًا.

وسواء رأيناه بوابة أمل أو تحديًا لسياسات الاحتفاظ بالكفاءات داخل الوطن، يبقى الأكيد أن الهجرة المؤهلة أصبحت ملفًا استراتيجيًا بين ضفتي المتوسط، وأن الشراكات العادلة التي يربح فيها الطرفان هي الأقدر على الصمود.

0 التعليقات: