الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أكتوبر 18، 2026

هل بدأت معركة ما بعد ماكرون من الرصيف؟ بقلم عبده حقي


لم تكن صور باريس يوم السبت 17 أكتوبر 2026 مجرد مشاهد إضافية في الأرشيف الطويل للاحتجاج الفرنسي. مئات الآلاف خرجوا إلى الشوارع في مختلف أنحاء البلاد، وارتفعت أعمدة الدخان في بعض أحياء العاصمة، وتحوّلت أجزاء من مسيرات بدأت بمطالب اجتماعية وتعليمية إلى مواجهات وحرائق ونهب وصدامات مع قوات الأمن. وبينما أعلنت وزارة الداخلية مشاركة نحو 550 ألف شخص في 110 مسيرات، بينهم 110 آلاف في باريس، رفع المنظمون والنقابات الرقم إلى نحو 800 ألف. ورغم الاختلاف التقليدي بين أرقام السلطات والمنظمين، فإن القاسم المشترك بين التقديرين واضح: فرنسا واجهت في ذلك اليوم تعبئة اجتماعية كبيرة لا يمكن اختزالها في حادث أمني عابر.

بالنسبة إلي، لا تكمن أهمية ما حدث في عدد المتظاهرين وحده، وإنما في نوع الغضب الذي اجتمع في الشارع. خرج محتجون ضد ارتفاع تكاليف المعيشة، ورفع آخرون مطالب مرتبطة بالأجور والتقاعد والخدمات العامة، بينما جاءت التعبئة بعد أسابيع من احتجاجات طلابية وتلاميذية بسبب أوضاع المدارس ونقص الموارد التعليمية. ثم التحقت مجموعات مرتبطة بإرث حركة «السترات الصفراء»، فأصبح المشهد أقرب إلى تقاطع عدة أزمات اجتماعية فوق الرصيف نفسه. وهذا تحديدًا هو العنصر الذي يجعل 17 أكتوبر حدثًا سياسيًا ينبغي التوقف عنده: الاحتجاج لم يعد محصورًا في فئة مهنية واحدة تستطيع الحكومة التفاوض معها حول مطلب محدد، بل ظهر باعتباره وعاءً تتجمع داخله أشكال مختلفة من الشعور بعدم الرضا.

فرنسا تعرف الاحتجاج أكثر مما تعرفه معظم الديمقراطيات الأوروبية. الشارع فيها جزء من تاريخ السياسة نفسها، والإضراب والمسيرة والنقابة ليست عناصر هامشية في الحياة العامة. لذلك سيكون من الخطأ اعتبار كل احتجاج واسع مقدمة لانهيار سياسي أو مؤسساتي. لكن الخطأ المقابل هو التعامل مع نصف مليون أو أكثر من المتظاهرين باعتبارهم مجرد حدث معتاد في التقويم النقابي الفرنسي. السياق هو الذي يمنح الأرقام معناها، والسياق اليوم مختلف: Emmanuel Macron يوجد في الشهور الأخيرة من ولايته الثانية، والانتخابات الرئاسية مقررة رسميًا في 18 أبريل 2027 للدورة الأولى و2 مايو للدورة الثانية. أي أن فرنسا دخلت عمليًا المنطقة السياسية التي يبدأ فيها السؤال عن «ما بعد ماكرون» في الهيمنة على المجال العام.

وهذا السؤال يتجاوز أسماء المرشحين. إنه سؤال عن النموذج الذي حكم فرنسا خلال العقد الماكروني تقريبًا. عندما وصل ماكرون إلى الإليزيه سنة 2017، قدم نفسه باعتباره قطيعة مع الثنائية التقليدية بين اليمين واليسار، وحاول بناء مركز سياسي جديد يجمع الإصلاح الاقتصادي والانفتاح الأوروبي والحداثة الاجتماعية. لكن مسار السنوات التالية كشف صعوبة المحافظة على هذا التوازن، خصوصًا في بلد يتميز بحساسية اجتماعية شديدة تجاه إصلاحات سوق العمل والتقاعد والضرائب والخدمات العامة. وقد جاءت أزمة «السترات الصفراء» منذ 2018 لتكشف مبكرًا وجود فجوة بين جزء من المجتمع وبين الطريقة التي كانت بها السلطة التنفيذية تقود عملية الإصلاح.

ثم جاءت أزمات متتالية: جائحة كورونا، التضخم، أزمة الطاقة، حرب أوكرانيا وانعكاساتها الأوروبية، ثم معارك إصلاح نظام التقاعد، وبعدها حالة متصاعدة من الانقسام البرلماني وعدم الاستقرار الحكومي. وفي سبتمبر 2025 خرج مئات الآلاف أصلًا في تحركات نقابية ضد إجراءات التقشف والتخفيضات المرتقبة في الميزانية. بمعنى أن احتجاجات أكتوبر 2026 لم تنشأ في أرض سياسية فارغة، بل تبدو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من النزاعات الاجتماعية حول سؤال أساسي: من يتحمل كلفة الإصلاح الاقتصادي الفرنسي؟

وهنا تصبح عبارة «غلاء المعيشة» أكبر من مجرد ارتفاع في أسعار السلة الغذائية أو فاتورة الوقود. في السياسة، الإحساس بغلاء الحياة يعني أيضًا شعور المواطن بأن دخله يفقد قدرته على حمايته، وأن الخدمات التي يحصل عليها مقابل الضرائب لا تتحسن بالسرعة نفسها، وأن المدرسة والمستشفى والنقل والسكن تصبح مصادر توتر يومي. وقد بدأت تعبئة أكتوبر أساسًا على خلفية احتجاجات شبابية على أوضاع المؤسسات التعليمية قبل أن تتسع دائرة المطالب. الصحافة الفرنسية نفسها تحدثت عن اتساع الفجوة بين ماكرون وجزء من الشباب الفرنسي مع اقتراب نهاية ولايته.

وإذا كانت السلطة تستطيع الرد على الأرقام الاقتصادية بأرقام اقتصادية مضادة، فإن التعامل مع الإحساس بفقدان العدالة أصعب بكثير. يمكن للحكومة أن تقول إن معدلًا معينًا تحسن، أو إن الإنفاق الاجتماعي ما زال مرتفعًا، أو إن الإصلاحات ضرورية لضمان استدامة المالية العامة، وهي حجج موجودة بالفعل في النقاش الفرنسي. لكن المواطن الذي يشعر بأن قدرته الشرائية تتآكل لا يعيش الاقتصاد داخل الجداول، بل في متجر الحي وفاتورة الكهرباء وإيجار المنزل وكلفة النقل. ومن هنا تتولد واحدة من أكثر المعضلات تعقيدًا في الديمقراطيات الحديثة: قد تكون للإصلاحات مبررات اقتصادية، لكنها تفقد مشروعيتها الاجتماعية إذا اقتنع قطاع واسع من السكان بأن توزيع تكلفتها غير متوازن.

لا يمكن كذلك فصل احتجاجات أكتوبر عن قضية الخدمات العامة. المدرسة كانت إحدى الشرارات المباشرة لهذه التعبئة، وهو أمر ذو دلالة رمزية قوية في فرنسا. فالمدرسة الجمهورية ليست مجرد مؤسسة للتعليم، بل أحد الأعمدة التاريخية للدولة الفرنسية الحديثة. وعندما يشعر التلميذ والمدرس والأسرة بأن هذا العمود يتآكل، يتحول الخلل التقني إلى قضية سياسية. وهذا يفسر لماذا استطاعت احتجاجات شبابية بدأت بمطالب تعليمية أن تجد بسرعة جسورًا نحو نقابات ومحتجين على تكاليف المعيشة ومجموعات من «السترات الصفراء».

لكن الصورة لا تكتمل إذا تم تمجيد كل ما جرى تحت اسم الاحتجاج. فقد شهد يوم 17 أكتوبر أعمال عنف خطيرة في باريس ومدن أخرى، مع حرائق ونهب واستهداف لمبان عامة ومحال تجارية واعتقالات واسعة. وأكدت التقارير في الوقت نفسه أن أعدادًا كبيرة من المشاركين تظاهرت سلميا، وأن مجموعات شاركت في أعمال التخريب على هامش المسيرات. هذه التفرقة ضرورية؛ لأن الخلط بين المحتج السلمي والمخرب يختزل المطالب الاجتماعية في قضية أمنية، كما أن الخلط في الاتجاه الآخر، أي تبرير العنف باعتباره امتدادًا طبيعيًا للغضب الاجتماعي، يهدر حق المجتمع في الاحتجاج السلمي ويضعف شرعيته.

إيمانويل ماكرون أدان أعمال التخريب، وقال إن الذين هاجموا المقار والمتاجر ونهبوا الممتلكات سيلاحقون ويعاقبون، فيما شدد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو على شرعية التظاهر السلمي ورفض الحرق والنهب والاعتداءات. ومن منظور الدولة، يبدو هذا الخطاب مفهومًا: حماية الممتلكات والمؤسسات جزء من مسؤوليتها الأساسية. ومن منظور المتظاهرين والنقابات، يبقى التحدي المقابل هو ألا تتحول صور السيارات المحترقة والواجهات المحطمة إلى الصورة الوحيدة التي تلخص مئات الآلاف ممن خرجوا بمطالب اجتماعية.

المشكلة السياسية الأكثر عمقًا أن صور العنف تساعد أحيانًا جميع الأطراف على الهرب من الأسئلة الأصعب. السلطة تستطيع أن تحول النقاش من الأسعار والمدرسة والأجور إلى الأمن والنظام العام، والمعارضة تستطيع أن تركز على قمع الشرطة أو غضب الشارع وتتجنب تقديم بدائل مالية واقتصادية دقيقة. وفي المنتصف يبقى المواطن الفرنسي أمام السؤال الأصعب: ما السياسة الواقعية القادرة على حماية القدرة الشرائية والخدمات العامة من دون دفع المالية العامة إلى أزمة أعمق؟

هذه النقطة ستكون مركزية في مرحلة ما بعد ماكرون. فرنسا لا تدخل فقط انتخابات لا يستطيع فيها الرئيس الحالي الترشح لولاية ثالثة متتالية؛ بل تدخل اختبارًا لميراث سياسي كامل. الرئيس المقبل سيجد أمامه دولة ذات التزامات اجتماعية ضخمة، وطبقات وسطى قلقة، وشبابًا أكثر توترًا بشأن مستقبله، وأطرافًا سياسية متباعدة، ومجالًا عامًا أصبح فيه الغضب أسرع انتشارًا بفضل وسائل التواصل الاجتماعي. ولن تكفي لذلك الشعارات الانتخابية التقليدية حول اليمين واليسار. النقاش الحقيقي سيدور على الأرجح حول علاقة الدولة بالمواطن وحجم الإنفاق وكيفية توزيع الضرائب ومستقبل التقاعد والتعليم والصحة والأمن والهجرة ومكانة فرنسا داخل أوروبا.

والمثير أن الجميع تقريبًا سيدخل سباق 2027 محاولًا تفسير الغضب بطريقته الخاصة. اليسار سيجد فيه مادة لتأكيد نقده للسياسات الاجتماعية والاقتصادية، واليمين التقليدي سيطرح أسئلة السلطة والأمن والقدرة التنافسية، بينما سيحاول اليمين القومي ربط التوترات بمشروعه الأوسع حول السيادة والهجرة وهوية الدولة. أما القوى الوسطية القريبة من التجربة الماكرونية فستواجه تحديًا مزدوجًا: الدفاع عما تعتبره إصلاحات ضرورية، وفي الوقت نفسه إثبات قدرتها على تجديد خطاب أصبح بالنسبة إلى جزء من الرأي العام مرتبطًا بمرحلة قاربت نهايتها.

ولا يمكن معرفة من سيحصد الغضب انتخابيًا بمجرد النظر إلى الشارع. التاريخ الفرنسي نفسه يعلمنا أن الاحتجاجات الاجتماعية لا تتحول آليًا إلى أصوات لجهة سياسية واحدة. المتظاهرون ليسوا كتلة متجانسة، والذين يرفضون سياسة معينة قد يختلفون تمامًا حول البديل. ومن الخطأ أيضًا قراءة حشود أكتوبر كما لو كانت استطلاعًا للرأي. الانتخابات تخضع لمنطق مختلف، وتتحكم فيها البرامج والمرشحون والمشاركة والتحالفات والحملة السياسية وتطور الظروف خلال الأشهر المقبلة.

لكن ما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن الرئاسيات الفرنسية المقبلة لن تجري فوق أرض هادئة. فقبل نحو ستة أشهر فقط من الجولة الأولى، نجح الغضب الاجتماعي في جمع مئات الآلاف في الشوارع، وأظهر قدرة مطالب التعليم والقدرة الشرائية والخدمات العامة على الالتقاء. وهذا وحده كافٍ لجعل الملف الاجتماعي واحدًا من العناوين الثقيلة للحملة الرئاسية المقبلة.

هناك كذلك بعد جيلي لا ينبغي تجاهله. عندما يدخل الشباب إلى الشارع بسبب المدرسة أو الجامعة أو صعوبة بناء مستقبل اقتصادي، فإن الأمر لا يتعلق فقط بموازنة سنة واحدة. هؤلاء يمثلون الجيل الذي سيحكم على مرحلة ماكرون من زاوية مختلفة عن الأجيال التي عاشت صعوده في 2017. جزء من الشباب الذي كان يومها في المدرسة أصبح الآن ناخبًا، وبعض الذين رأوا فيه تعبيرًا عن التجديد السياسي أصبحوا أكثر نقدًا للتجربة. وهذا التحول يضغط على جميع القوى السياسية الفرنسية، لأن أزمة الثقة لدى الأجيال الشابة ليست مجرد مشكلة انتخابية، بل مشكلة تتعلق بعلاقة المواطن نفسه بالمؤسسات.

ومن زاوية أوروبية، ما يحدث في فرنسا يحمل أيضًا معنى أوسع. الاحتجاج على تكلفة الحياة والخدمات العامة ليس مسألة فرنسية خالصة. أوروبا كلها تواجه منذ سنوات أسئلة صعبة حول الطاقة والتضخم والدفاع والتحول البيئي والتنافس الاقتصادي وتمويل دولة الرفاه. وفرنسا، بحكم وزنها الاقتصادي والسياسي، تصبح في أحيان كثيرة مختبرًا مكبرًا لهذه التوترات. نجاحها في صياغة تسوية اجتماعية جديدة قد يقدم نموذجًا مهمًا، وفشلها قد يعمق الاستقطاب بين القوى السياسية والاجتماعية.

لهذا أرى أن مشاهد 17 أكتوبر ينبغي قراءتها أبعد من اللهب والحجارة وخراطيم المياه. وراء الدخان توجد معركة اجتماعية حول توزيع الثروة، ومعركة سياسية حول الثقة، ومعركة أجيال حول المستقبل، ومعركة انتخابية حول شكل الجمهورية بعد انتهاء عهد ماكرون. لا يعني ذلك أن فرنسا تتجه حتمًا إلى انفجار أو إلى خيار سياسي محدد؛ مثل هذه الاستنتاجات تتجاوز ما تسمح به الوقائع. لكنه يعني أن البلاد تدخل انتخابات 2027 وهي تحمل في شوارعها أسئلة لم تجد بعد أجوبة مستقرة.

لقد وصل ماكرون إلى الإليزيه قبل نحو عقد بوعد تجاوز الانقسامات القديمة وصناعة سياسة جديدة. واليوم، قبل نهاية ولايته الثانية، يبدو المشهد أكثر تشظيًا: يمين ويسار ووسط وقوى احتجاجية وشباب غاضب ونقابات وحركات اجتماعية تتقاطع أحيانًا وتتصادم أحيانًا أخرى. وربما يكون الإرث السياسي الأكثر أهمية لهذه المرحلة هو أن فرنسا ستضطر بعده إلى إعادة تعريف العقد الذي يربط الإصلاح الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية.

لن تحسم الحرائق مستقبل فرنسا، كما لن تحسمه مسيرة واحدة مهما بلغ عدد المشاركين فيها. الذي سيحسمه هو قدرة المجتمع والمؤسسات والقوى السياسية على تحويل الغضب إلى خيارات وبرامج قابلة للنقاش والمحاسبة. فالشارع يستطيع أن يدق أبواب السياسة بعنف، لكنه لا يكتب وحده الصفحة التالية. وبعد 17 أكتوبر 2026، أصبح واضحًا على الأقل أن الصفحة التي ستبدأ في ربيع 2027 لن تُكتب بمعزل عن أصوات مئات الآلاف الذين عادوا إلى الشارع مطالبين بأن تُسمع أصواتهم.


0 التعليقات: