واحد وستون مغربيًا. نعم، واحد وستون مواطنًا مغربيًا أعلنت السلطات الجزائرية توقيفهم، بعد اتهامهم، وفق الرواية الرسمية، بالتحضير لأعمال تخريب داخل الجزائر. ووفق المعطيات التي جرى تداولها، فإن هؤلاء المغاربة دخلوا الأراضي الجزائرية بطريقة غير قانونية انطلاقًا من تونس، وكانوا يعتزمون تنفيذ أعمال تمس الأمن والنظام العام.
إنها، بكل المقاييس، معلومة صادمة وخطيرة، وقد أعلنت عنها السلطات الجزائرية يوم 11 أكتوبر 2026، من خلال المديرية العامة للأمن الوطني. والحديث عن واحد وستين شخصًا يُشتبه في إعدادهم لأعمال تخريب ليس أمرًا عابرًا، بل اتهام بالغ الخطورة يفرض التوقف عنده بكثير من الحذر والتدقيق.
قبل مناقشة هذه القضية، لا أريد أن أتهم
السلطات الجزائرية بالكذب أو بالتآمر، ولا أن أحكم مسبقًا بأن الأمر مجرد دعاية
سياسية، لكن من حقنا أن نطرح الأسئلة. فالاتهامات من هذا الحجم تحتاج إلى أدلة
تتناسب مع خطورتها.
قد يكون من النادر جدًا في تاريخ العلاقات
المغربية الجزائرية المعاصرة أن نواجه اتهامات بهذه الخطورة. وربما يتعين الرجوع
إلى فترات التوتر الشديد في بداية تسعينيات القرن الماضي لاستحضار أجواء مشابهة من
تبادل الاتهامات بين البلدين. وإلى حدود اللحظة التي أُعد فيها هذا الحديث، لم تكن
السلطات المغربية، بحسب ما توفر لدي من معلومات، قد أصدرت ردًا رسميًا على
الاتهامات الجزائرية.
فما الأساس الذي تستند إليه هذه الاتهامات؟
بحسب الرواية الجزائرية، تم توقيف 61 مواطنًا
مغربيًا قيل إنهم وصلوا أولًا بالطائرة إلى تونس، ثم دخلوا الجزائر بصورة سرية عبر
مناطق جبلية وغابوية بالطارف، قبل أن يتنقلوا داخل الأراضي الجزائرية. وتقول
السلطات إنهم كانوا يعدون لأعمال تهدد الأمن والنظام العام، وإن الشرطة حجزت لديهم
جوازات سفر مغربية ومبالغ مالية باليورو والدرهم المغربي، ثم أُحيل المشتبه فيهم
على الجهة القضائية المختصة.
هذه هي، في جوهرها، العناصر التي تم تقديمها
للرأي العام.
غير أن اتهام هذا العدد الكبير من المواطنين
الأجانب بإعداد أعمال تخريب يفرض، في أي دولة مؤسسات، تقديم أدلة مادية واضحة.
وهنا تبدأ الأسئلة.
أول ما يثير استغرابي هو طبيعة الجهة التي
أعلنت عن تفكيك هذه الشبكة. فإذا كانت القضية فعلًا تتعلق بأعمال تخريب تمس الأمن
القومي وبتحرك محتمل مرتبط بجهة أجنبية، فإننا نكون أمام قضية تندرج عادة ضمن
اختصاص أجهزة الأمن الداخلي والاستخبارات ومكافحة التجسس، لا أمام جريمة اعتيادية
تتولاها الشرطة وحدها.
إذا كان هؤلاء الأشخاص، كما يوحي الخطاب
المتداول، عناصر تعمل لحساب قوة أجنبية أو جهة خارجية وتستهدف الأمن الوطني
الجزائري، فإن المسألة تقترب من ملف تجسس أو اختراق أمني من مستوى عالٍ. ومن هنا
يصبح مشروعًا التساؤل عن غياب التفاصيل المتعلقة بدور أجهزة الاستخبارات والأمن
الداخلي في القضية.
الملاحظة الثانية، وهي الأكثر أهمية، تتعلق
بالأدلة المادية.
عندما نتحدث عن التخريب، نتوقع عادة العثور
على معدات أو أسلحة أو متفجرات أو وسائل اتصال خاصة أو أدوات تقنية أو أجهزة يمكن
استخدامها في هجمات إلكترونية أو أي وسائل أخرى مرتبطة بخطة تخريبية. لكن ما عُرض،
وفق المعطيات المتاحة، كان أساسًا جوازات سفر وأموالًا، مع الإشارة كذلك إلى هواتف.
لا يمكن لجواز سفر أن يكون، في حد ذاته، أداة
تخريب. الجواز يثبت الهوية والجنسية، لكنه لا يثبت وجود مشروع إجرامي أو تخريبي.
كما أن حيازة الدرهم المغربي أو اليورو ليست دليلًا على الاستعداد لتنفيذ أعمال
تستهدف أمن دولة.
كذلك لم يُكشف، بحسب الرواية المعروضة، عن
تسجيلات أو اتصالات تجرّم المشتبه فيهم بشكل واضح، ولا عن مخططات لاستهداف منشآت
بعينها، ولا عن عمليات استطلاع سابقة، ولا عن اعترافات أو وثائق أو صور تظهر
نشاطًا تخريبيًا ملموسًا.
وعندما يجري الحديث عن «شبكة إجرامية دولية»
تستعد لتنفيذ أعمال تخريب، يحق لنا أن نسأل: من يقف خلف هذه الشبكة؟ ومن يمولها؟
ولصالح من تعمل؟
هل الجهة المفترضة هي الدولة المغربية؟ أم
أجهزة أمنية؟ أم مجموعات خاصة؟ أم شبكات للاتجار بالمخدرات أو الجريمة المنظمة؟
وما مصدر الأموال؟ وما الأدلة التي تثبت وجود علاقة بين هؤلاء الأشخاص وأي جهة
مغربية رسمية أو غير رسمية؟
هناك فرق واضح بين الادعاء والدليل. الدليل
قد يكون سلاحًا أو متفجرات أو مخططات أو تسجيلات أو اتصالات أو شهادات أو صورًا
توثق أعمالًا مشبوهة، أما مجرد وصف مجموعة بأنها «شبكة تخريبية» فلا يكفي وحده
لإثبات الاتهام.
قيل إن هذه الشبكة كانت «عالية التنظيم».
حسنًا، أين مظاهر هذا التنظيم؟ أين المخابئ؟ أين السيارات المستخدمة في العمليات؟
أين الأسلحة؟ أين وسائل الاتصال المشفرة؟ هل استُخدمت منصات سرية أو تطبيقات مشفرة
أو وسائل على شبكة الإنترنت المظلمة؟ وأين خطة العمل؟
لو كانت لدى السلطات الجزائرية معلومات
تفصيلية وموثوقة، لكان من الممكن، على الأقل، الإعلان عن طبيعة الأهداف التي كان
يُفترض استهدافها: هل هي مؤسسات عمومية؟ منشآت عسكرية؟ بنى تحتية؟ هل كان التخطيط
يتعلق بهجمات إرهابية؟ أم بحملة تضليل لإثارة اضطرابات داخلية؟ أم بشيء آخر؟
هذه التفاصيل جوهرية لأنها تمنح الاتهام معنى
ملموسًا.
ثم نصل إلى الرقم نفسه: 61 شخصًا.
لا أقول إن الرقم وحده دليل على وجود تلاعب،
لكنه يطرح أسئلة لوجستية وأمنية مهمة. كيف استطاع واحد وستون شخصًا دخول الجزائر
عبر الحدود الجزائرية التونسية، ثم قطع مسافات طويلة داخل بلد يُعرف بكثافة الحضور
الأمني والعسكري، من دون أن يثيروا الانتباه في مرحلة مبكرة؟
الحدود يفترض أنها مراقبة، وتوجد قوات
ودوريات وحواجز أمنية ونقاط تفتيش وكاميرات مراقبة. فكيف تحركت مجموعة بهذا الحجم
بسهولة؟
لو تعلق الأمر بثلاثة أو أربعة أشخاص لكان من
الممكن فهم الأمر باعتباره عملية تسلل سرية محدودة. لكننا نتحدث عن واحد وستين
شخصًا، أي عن مجموعة كبيرة يصعب إخفاؤها أو تحريكها من دون وسائل نقل وإقامة
واتصالات وشبكة دعم.
والسؤال الآخر هو: لماذا الوجهة التي قيل
إنهم كانوا يقصدونها؟ ولماذا لم تكن هناك أهداف في المناطق الشرقية القريبة من
نقطة الدخول؟ ما المنطق العملياتي الذي دفع مجموعة بهذا الحجم إلى عبور مسافات
طويلة داخل الجزائر قبل تنفيذ أي نشاط تخريبي؟
إن صحة الرواية الرسمية كما قُدمت تعني أيضًا
وجود ثغرة أمنية خطيرة، لأن نجاح 61 أجنبيًا في عبور الحدود والتنقل داخل البلاد
بهذه الطريقة سيطرح أسئلة مباشرة على أجهزة الأمن والجمارك والدرك والاستخبارات
والجيش.
والقضية تصبح أكثر تعقيدًا إذا نظرنا إليها
من زاوية سياسية وقانونية.
إرسال دولة لعشرات الأشخاص إلى دولة أخرى
لتنفيذ أعمال تخريب سيكون، إن ثبت، عملًا بالغ الخطورة يمكن أن يُفهم باعتباره
اعتداءً على سيادة الدولة المستهدفة. لكن البيان، وفق ما عُرض، لا يتهم الدولة
المغربية مباشرة بأنها أرسلت هؤلاء الأشخاص، بل يتحدث عن شبكة إجرامية منظمة كانت
تخطط لأعمال تخريب.
وهنا يظهر تناقض آخر في المصطلحات.
الجريمة المنظمة عادة ترتبط بالربح: تهريب
المخدرات، الاتجار بالبشر، تهريب الأسلحة، تبييض الأموال وغيرها من الأنشطة غير
المشروعة. أما التخريب السياسي والأمني الهادف إلى زعزعة استقرار دولة فهو نشاط ذو
طبيعة سياسية أو أيديولوجية أو استخباراتية، وقد يندرج، بحسب طبيعته، ضمن الإرهاب
أو أعمال العدوان أو التجسس. فمن هي إذن الجهة صاحبة
المصلحة في التخريب؟
إذا كان الهدف هو زعزعة الجزائر سياسيًا
وأمنيًا، فلا بد من تحديد الجهة المستفيدة أو المحرضة أو الممولة. وإذا كانت هناك
جماعة إرهابية مغربية تستهدف الجزائر تحديدًا، فأين المعلومات الدولية المتعلقة
بها؟ وأين سجل نشاطها السابق؟
هذه الأسئلة لا تقدم إجابات جاهزة، لكنها
ضرورية قبل قبول رواية بهذا الحجم.
هناك في المقابل فرضية أخرى أراها بحاجة إلى
البحث والتحقق: أن يكون بعض هؤلاء المغاربة، أو جميعهم، مهاجرين غير نظاميين
حاولوا الوصول إلى أوروبا عبر الأراضي الجزائرية.
من المعروف أن مسارات الهجرة السرية في منطقة
المغرب العربي تتغير باستمرار، وأن بعض المهاجرين يعبرون من بلد إلى آخر بحثًا عن
الطريق الأقل مراقبة للوصول إلى السواحل الأوروبية. وقد توجد شبكات تهريب تستغل
هذه المسارات مقابل مبالغ مالية كبيرة.
ومن ثم، قد يكون من الضروري التحقيق في
احتمال أن تكون المجموعة مرتبطة بالهجرة السرية بدل التخريب.
هذه مجرد فرضية، ولا أقدمها كحقيقة مثبتة.
لكنها، في ظل غياب الأدلة المادية المعلنة على وجود مشروع تخريبي، تبدو مسارًا
يستحق التحقيق.
شبكات الهجرة السرية في غرب المتوسط تحولت
إلى نشاط إجرامي مربح للغاية. وهي تمتلك، في بعض الحالات، وسائل لوجستية متطورة،
بما في ذلك قوارب سريعة ومحركات قوية وشبكات وسطاء تنظم نقل المهاجرين مقابل آلاف
اليوروهات للفرد الواحد.
وإذا ثبت أن هؤلاء الأشخاص كانوا يحاولون
الوصول إلى أوروبا عبر الجزائر، فإن طبيعة الملف ستتغير جذريًا: سنكون أمام قضية
هجرة غير نظامية وشبكات تهريب بشر، لا أمام عملية تخريب دولية. لكن لماذا يمكن، في المقابل، تضخيم القضية سياسيًا؟
هنا أصل إلى أكثر أجزاء التحليل حساسية. فقد
تُستخدم صورة «العدو الخارجي» في الأزمات الداخلية لصرف انتباه الرأي العام عن
الضغوط الاجتماعية والاقتصادية. وهذه آلية سياسية معروفة في دول كثيرة.
فالحديث عن مؤامرة تستهدف الأمن الوطني قادر
دائمًا على خلق الخوف وحشد المواطنين خلف السلطة، خصوصًا في فترات ارتفاع الأسعار
أو تراجع القدرة الشرائية أو زيادة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.
لهذا أعتقد أن تقديم الأدلة ضرورة لا غنى
عنها حتى لا تتحول القضية إلى وقود إضافي للصراع الإعلامي والسياسي بين المغرب
والجزائر.
لا يمكن الحديث عن التخريب من دون وسيلة
للتخريب، ولا عن خطة من دون أهداف محددة، ولا عن شبكة منظمة من دون بنية اتصال
وتمويل وتحرك تكشف الحد الأدنى من معالم التنظيم.
في الوضع الراهن، أجد أن الرواية، كما قُدمت
للرأي العام، تثير أسئلة أكثر مما تقدم أجوبة.
ولا ينبغي، في الوقت نفسه، أن يتحول هذا
الملف إلى مناسبة لنشر الكراهية بين الشعبين المغربي والجزائري. فكما توجد خطابات
عدائية ضد المغرب في الجزائر، توجد أيضًا خطابات معادية للجزائر في المغرب، والخطر
الحقيقي هو أن تتحول المجتمعات إلى أدوات في صراع سياسي مفتوح لا نهاية له.
الشعبان معنيان قبل كل شيء بقضاياهما
اليومية: مستوى العيش، التعليم، الصحة، الشغل، الحقوق الاجتماعية والاقتصادية،
والحريات العامة والفردية. وكلما هيمنت لغة المؤامرة والعدو الخارجي، تراجعت هذه
القضايا إلى الخلف.
حتى الآن، وبناء على المعطيات المعروضة
وحدها، تظل هناك فجوة كبيرة بين وصف «شبكة تخريب دولية» وبين العناصر المادية التي
ظهرت للرأي العام.
ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس المزيد من الخوف
والكراهية والتضليل، بل الحقيقة والهدوء والمسؤولية. فالمغرب والجزائر دفعا طويلًا
ثمن الانقسام السياسي وإغلاق الحدود والتوتر المتبادل، ولا يحتاج الشعبان إلى ملف
جديد يوسع هوة العداء بينهما قبل أن تتضح الوقائع كاملة.







0 التعليقات:
إرسال تعليق