الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أكتوبر 12، 2026

التحالف الرباعي يعيد رسم الخريطة السياسية في المغرب: عبده حقي


لا أنظر إلى إعلان الأغلبية الحكومية الجديدة في المغرب باعتباره مجرد عملية حسابية لجمع المقاعد وتوزيع الحقائب، بل أراه لحظة سياسية تستحق التوقف عندها لأنها تعيد ترتيب مواقع الأحزاب بعد انتخابات 23 شتنبر 2026، وتفتح مرحلة مختلفة في العلاقة بين الحكومة والمعارضة. فحين أعلنت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة، عن توافق حزب الأصالة والمعاصرة مع أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية على تشكيل أغلبية حكومية رباعية، كان واضحًا بالنسبة إلي أن المغرب لا يتجه فقط إلى حكومة جديدة، بل إلى إعادة رسم جزء مهم من خريطته الحزبية والسياسية.

الوقائع الرقمية تمنح هذا التحالف أساسًا برلمانيًا واضحًا. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات 23 شتنبر بحصوله على 97 مقعدًا، بينما حصل الاستقلال على 65 مقعدًا، والاتحاد الاشتراكي على 26، والتقدم والاشتراكية على 19، ليصل مجموع الأغلبية إلى 207 مقاعد من أصل 395. وهي أغلبية تتجاوز عتبة 198 مقعدًا اللازمة للأغلبية المطلقة، وإن كانت لا تملك فائضًا ضخمًا يسمح لها بالتعامل باسترخاء مع كل الاستحقاقات البرلمانية.

ما يلفتني أولًا هو أن حزب الأصالة والمعاصرة استطاع أن يحول فوزه الانتخابي إلى مركز قيادة سياسية. فالانتقال من 87 مقعدًا في انتخابات 2021 إلى 97 مقعدًا في انتخابات 2026، ثم الوصول إلى رئاسة الحكومة، يضع الحزب لأول مرة أمام اختبار لا يتعلق بالقدرة على المعارضة أو المشاركة في ائتلاف يقوده غيره، بل بالقدرة على قيادة الجهاز الحكومي وتحمل المسؤولية الأولى أمام الرأي العام. وهذا فرق جوهري. فمن السهل نسبيًا أن ينتقد الحزب السياسات الحكومية أو أن يشارك فيها من موقع ثانوي، لكن قيادة الحكومة تجعل كل أزمة اجتماعية وكل إخفاق اقتصادي وكل تأخر في الإصلاح مرتبطًا مباشرة بصورة الحزب الأول ورئيسة الحكومة.

وأرى أن المستفيد الثاني سياسيًا هو حزب الاستقلال. فالحزب جاء ثالثًا في الانتخابات بـ65 مقعدًا، بعد الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، لكنه وجد نفسه داخل أغلبية جديدة تمنحه وزنًا أكبر مما قد توحي به مرتبته وحدها. وجوده في تحالف من أربعة أحزاب فقط، وامتلاكه ما يقارب ثلث مقاعد الأغلبية، يجعله شريكًا يصعب تجاوزه في صياغة البرنامج الحكومي وفي توزيع المسؤوليات. كما أن خبرته التاريخية في العمل الحكومي وفي إدارة التوازنات المؤسساتية يمكن أن تجعل دوره يتجاوز مجرد عدد الحقائب التي سيحصل عليها.

أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فأرى أن مشاركته تحمل دلالة خاصة. الحزب حصل على 26 مقعدًا، أي أقل مما كان يتوفر عليه في الولاية السابقة، لكنه يعود مع ذلك إلى قلب السلطة التنفيذية بعد سنوات طويلة من التموقع خارج الحكومات المتعاقبة. هذه العودة تمنحه فرصة لاستعادة شيء من حضوره السياسي والمؤسساتي، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام سؤال صعب: هل يستطيع تحويل مشاركته الحكومية إلى مشروع سياسي واجتماعي واضح يبرر للناخبين سبب وجوده داخل الأغلبية، أم سيذوب في منطق التدبير اليومي وتوزيع الحقائب؟

السؤال نفسه يطرح نفسه بدرجة أكبر بالنسبة إلى حزب التقدم والاشتراكية. الحزب حصل على 19 مقعدًا وقرر بعد تداول داخلي الانضمام إلى الحكومة الجديدة، معلنًا أن المفاوضات جرت في أجواء من التقارب والثقة حول التوجهات الأساسية. بالنسبة إلي، عودة التقدم والاشتراكية إلى الحكومة يمكن أن تمنحه مساحة أكبر للدفاع عن أجندته الاجتماعية، خصوصًا في ملفات الصحة والحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية والعدالة المجالية، لكنها تعرضه أيضًا لاختبار المصداقية. فالحزب الذي ينتقد من المعارضة يمتلك حرية كبيرة في التشخيص، أما الحزب المشارك في الحكومة فعليه أن يترجم خطابه إلى قرارات وميزانيات وسياسات قابلة للقياس.

لكن الوجه الآخر لهذا التحالف هو انتقال قوى أخرى إلى المعارضة، وفي مقدمتها التجمع الوطني للأحرار. وهنا أرى أن الحدث السياسي الأبرز، إلى جانب صعود الأصالة والمعاصرة، هو خروج الحزب الذي قاد الحكومة السابقة إلى المعارضة بعدما تراجع من 102 مقعد في انتخابات 2021 إلى 66 مقعدًا في انتخابات 2026. والرقم في حد ذاته بالغ الدلالة: خسارة 36 مقعدًا تعني أن الناخبين أعادوا ترتيب موقع الحزب بصورة واضحة.

غير أن خروج التجمع الوطني للأحرار لا يعني اختفاءه من المشهد. على العكس، يمتلك الحزب 66 نائبًا، وهي كتلة برلمانية كبيرة تسمح له بلعب دور معارض مؤثر إذا اختار ممارسة معارضة سياسية حقيقية تقوم على الملفات والأرقام والمحاسبة. وربما تكون المعارضة بالنسبة إليه فرصة لإعادة تقييم تجربته الحكومية السابقة وتجديد خطابه وكوادره، بدل التعامل معها باعتبارها مجرد خسارة للسلطة التنفيذية.

إلى جانب الأحرار يوجد حزب العدالة والتنمية الذي يمثل، في تقديري، أحد أبرز التحولات التي أفرزتها الانتخابات. فقد انتقل من 13 مقعدًا في 2021 إلى 54 مقعدًا في 2026، أي أنه استعاد جزءًا مهمًا من حضوره البرلماني بعد الهزيمة القاسية التي تعرض لها قبل خمس سنوات. وهنا قد نجد أمامنا معارضة أكثر صخبًا وتنافسية، لأن العدالة والتنمية يمتلك خبرة طويلة في المعارضة وفي استعمال البرلمان والمنابر الإعلامية لبناء خطاب سياسي واضح تجاه الحكومة.

كما توجد الحركة الشعبية بـ29 مقعدًا والاتحاد الدستوري بـ17 مقعدًا، إضافة إلى فيدرالية اليسار الديمقراطي وقوى أصغر. هذه الخريطة تعني أن المعارضة ليست كتلة واحدة أيديولوجيًا ولا سياسيًا. فهي تضم الليبرالي والمحافظ واليساري والوسطي، وبالتالي سيكون من الصعب تصور جبهة معارضة موحدة في كل الملفات. لكن هذا التعدد قد يكون مفيدًا للحياة البرلمانية إذا أدى إلى تعدد زوايا الرقابة بدل الاكتفاء بمعارضة خطابية واحدة.

بالنسبة إلي، إحدى أهم دلالات الأغلبية الجديدة تتمثل في إعادة استحضار ما يشبه منطق «الكتلة» التاريخية، ولو في سياق مختلف تمامًا. الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية أحزاب جمعتها في مراحل سابقة تجربة الكتلة الديمقراطية، وهي اليوم تلتقي داخل حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة. وهذا التحالف يختصر مسافة سياسية كانت تبدو قبل سنوات بعيدة جدًا، خصوصًا بين الأصالة والمعاصرة وبعض مكونات اليسار. هنا يظهر بوضوح كيف تغيرت السياسة المغربية: الحدود القديمة بين الأحزاب أصبحت أكثر مرونة، والتحالفات باتت تُبنى بدرجة أكبر حول الحساب البرلماني والبرنامج الممكن أكثر مما تُبنى على الاصطفافات التاريخية الصلبة.

لكنني لا أعتقد أن عبارة «الانسجام السياسي» التي وردت في بلاغ الأغلبية يمكن أن تُقبل كحقيقة نهائية منذ اليوم الأول. الأحزاب الأربعة قالت إنها تسعى إلى تشكيل أغلبية متقاربة فكريًا وسياسيًا وقادرة على بناء حكومة قوية ومنسجمة. وهذا طموح مشروع، غير أن الانسجام الحقيقي لا يُختبر في البيانات الصحافية بل في لحظات الخلاف: ماذا سيحدث عند مناقشة إصلاح التقاعد؟ كيف ستتعامل الأحزاب مع ارتفاع الأسعار؟ ما حدود تدخل الدولة في الاقتصاد؟ ما موقع القطاع الخاص؟ ماذا عن إصلاح التعليم والصحة؟ وماذا عن الحوار الاجتماعي والضرائب والدعم؟

هذه هي الاختبارات التي ستكشف إن كان التحالف الرباعي مجرد صيغة برلمانية ناجحة أم تحالفًا سياسيًا قادرًا بالفعل على إنتاج سياسات منسجمة.

كما أن رقم 207 مقاعد يدفعني إلى ملاحظة أخرى. الأغلبية مريحة حسابيًا لأنها تتجاوز 198 مقعدًا، لكنها ليست كاسحة. الفرق تسعة مقاعد فقط عن عتبة الأغلبية المطلقة. وهذا يعني أن الانضباط البرلماني والحضور في الجلسات والتنسيق بين الفرق الأربعة ستكون عناصر أساسية في تمرير مشاريع القوانين، خصوصًا في الملفات التي قد تثير تحفظات داخل بعض الأحزاب. ومن هذه الزاوية ربما يكون العدد المحدود نسبيًا لمكونات الحكومة نقطة قوة لأنه يقلل صعوبة التنسيق مقارنة بتحالفات واسعة تضم خمسة أو ستة أحزاب، لكنه في الوقت نفسه يجعل أي توتر بين مكونات الأغلبية أكثر حساسية.

وأنا أرى أن الربح السياسي الحقيقي لن يُقاس بعدد الوزارات التي سيحصل عليها كل حزب. الأصالة والمعاصرة لن يكون رابحًا لمجرد أنه يقود الحكومة، والاستقلال لن يكون رابحًا بسبب عدد الحقائب، والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية لن يستعيدا ثقلهما فقط بمجرد العودة إلى الجهاز التنفيذي. الفوز الحقيقي سيُقاس بعد خمس سنوات بقدرة هذه الأحزاب على إقناع المواطنين بأن مشاركتها غيرت شيئًا في حياتهم اليومية.

فالانتخابات نفسها حملت إنذارًا لا ينبغي تجاهله. نسبة المشاركة المعلنة دارت حول 38 في المائة، وهو رقم يعكس استمرار مساحة واسعة من العزوف عن التصويت. ولذلك فإن التحدي الأكبر أمام الحكومة الجديدة لا يوجد فقط داخل البرلمان، بل خارجه: كيف تستعيد الثقة؟ كيف تقنع المواطن الذي لم يصوت بأن السياسة ما تزال قادرة على تحسين حياته؟ وكيف تجعل البرنامج الحكومي نصًا يشعر الناس بأثره في المدرسة والمستشفى والسوق والإدارة وفرص العمل؟

أما المعارضة، فإنها تمتلك بدورها فرصة تاريخية. التجمع الوطني للأحرار يستطيع أن يثبت أنه قادر على ممارسة المعارضة بعد تجربة قيادة الحكومة، والعدالة والتنمية يستطيع أن يختبر مدى استدامة عودته الانتخابية، والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والقوى اليسارية تستطيع أن تحول البرلمان إلى مساحة حقيقية للمساءلة بدل الاكتفاء بالبيانات.

لهذا لا أرى في إعلان التحالف الرباعي مجرد انتصار لأربعة أحزاب وهزيمة للبقية. أراه بداية دورة جديدة من توزيع المسؤوليات. من دخل الحكومة أصبح مسؤولًا عن النتائج، ومن خرج إلى المعارضة أصبح مسؤولًا عن الرقابة وتقديم البدائل.

الأصالة والمعاصرة ربح القيادة، لكنه ورث معها عبء المحاسبة. الاستقلال عزز موقعه كشريك أساسي. الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية حصلا على فرصة للعودة إلى قلب القرار التنفيذي. وفي المقابل انتقل التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة بعد تراجع انتخابي واضح، بينما عاد العدالة والتنمية بقوة عددية تجعله أحد الأقطاب المهمة خارج الحكومة.

لكنني سأعتبر السؤال الأهم مؤجلًا إلى ما بعد توزيع الحقائب وتقديم البرنامج الحكومي: هل ستنتج هذه الأغلبية فعلًا سياسة مختلفة، أم أن الذي تغير هو أسماء الأحزاب الموجودة حول طاولة الحكومة فقط؟

في السياسة، التحالفات تصنع الحكومات، لكن النتائج وحدها هي التي تصنع الثقة.


0 التعليقات: