الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أكتوبر 13، 2026

الأدب الرقمي 2026: من القراءة إلى المشاركة وصناعة الاحتمالات: عبده حقي

 


تبدو الإصدارات الرقمية الجديدة التي ظهرت خلال الأيام الأخيرة وكأنها تقول بوضوح إن الأدب لم يعد يكتفي بتغيير وسيلة نشره، بل بدأ يغيّر بنيته العميقة وطريقة وجوده أمام القارئ. ما يجري اليوم يتجاوز الانتقال البسيط من الورق إلى الشاشة، لأننا أصبحنا أمام نصوص تتحرك وتتفرع وتستجيب للاختيار، وأمام قصائد تُبنى بالصوت والصورة والحركة، وروايات شبكية تُكتب على مراحل في تفاعل مباشر مع جمهورها، وتجارب سردية يصبح فيها القارئ جزءًا من صناعة المسار لا مجرد متلقٍّ له. وبين العالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة وشرق آسيا، تتشكل ملامح مشهد أدبي جديد تتجاور فيه الكتابة مع البرمجة، ويتداخل فيه الخيال مع الواجهة الرقمية، بينما يضيف الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة من الأسئلة حول المؤلف والأصالة وحدود المشاركة بين الإنسان والآلة. لذلك أرى أن ما نشهده ليس مجرد تحديث تقني للكتاب، بل بداية تحوّل أوسع في معنى النص نفسه، وفي طبيعة القراءة، وفي العلاقة التي ظلت لقرون تربط الكاتب بقارئه.

أول ما يلفتني في هذه الحصيلة هو أن مفهوم «الإصدار الجديد» لم يعد واضحًا كما كان في عصر المطبعة. في الماضي كان صدور كتاب يعني لحظة محددة: عنوان جديد، دار نشر، طبعة أولى، تاريخ توزيع، وربما حفل توقيع. أما في المجال الرقمي، فقد يصدر العمل على هيئة فصل متجدد في رواية شبكية، أو قصيدة تُفتح داخل المتصفح، أو سرد تفاعلي يتغير وفق اختيارات القارئ، أو رواية بصرية تجمع بين النص والصورة والموسيقى، أو تجربة تتيح للقارئ أن يكتب بعض الكلمات داخل الحكاية فتتبدل بناءً عليها النتائج. لذلك أجد أن الحديث عن الأدب الرقمي يفرض علينا منذ البداية التخلي عن بعض المقاييس القديمة، لأننا أمام نصوص لا تنتمي دائمًا إلى منطق الكتاب المكتمل، بل إلى منطق العمل المفتوح والمتغير.

على المستوى العربي، ألاحظ أن الحضور الأبرز خلال هذه الفترة لا يتمثل بالضرورة في موجة كبيرة من الروايات الرقمية الجديدة بقدر ما يظهر في عودة قوية للنقاش النظري والنقدي حول الشعر الرقمي والرقامة الأدبية والأشكال التفاعلية. وهذا في حد ذاته ليس تفصيلًا صغيرًا، لأن الثقافة العربية ظلت لسنوات تتعامل مع الأدب الرقمي بوصفه منطقة هامشية، أقرب إلى التجريب التقني منها إلى الإنتاج الأدبي الجاد. غير أن الاهتمام المتزايد بالشعر الرقمي وبالسرد التفاعلي وبالعلاقة بين النص والصورة والصوت يوحي بأن هذه النظرة بدأت تتغير. لم يعد السؤال عندي هو: هل هذا أدب أم لا؟ بل أصبح: ما الشروط الجمالية التي تجعل من هذه التجربة أدبًا رقميًا حقيقيًا بدل أن تكون مجرد نص ورقي انتقل إلى شاشة؟

وهنا أجد أن الفرق جوهري. فأن نأخذ قصيدة مكتوبة على الورق ونضعها على موقع إلكتروني لا يجعل منها قصيدة رقمية بالمعنى الدقيق. القصيدة الرقمية الحقيقية تستفيد من خصائص الوسيط ذاته، أي أنها تجعل الحركة أو الصوت أو التفاعل أو الصورة أو تغير الكلمات جزءًا من التجربة الشعرية. النص هنا لا يكون ثابتًا تمامًا، بل يصبح حدثًا بصريًا وزمنيًا. وقد يقرأ القارئ السطر ثم يختفي أمامه، أو تتغير كلمة حين يلمسها، أو تتحرك العبارة على الشاشة، أو تظهر أصوات ومؤثرات تضيف إلى المعنى طبقة أخرى. وفي رأيي، فإن هذا النوع من التجريب هو الذي ينبغي أن يحظى باهتمام نقدي عربي أكبر، لأنه لا يكتفي باستعمال التكنولوجيا للنشر بل يعيد التفكير في ماهية الأدب نفسه.

وفي أوروبا، يبدو النقاش أكثر تقدمًا من زاوية أخرى، خصوصًا مع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى الدراسات الأدبية. أتابع اليوم كتبًا ودراسات جديدة لا تناقش فقط إمكان أن تساعد الخوارزمية الكاتب في التصحيح أو الترجمة، بل تطرح أسئلة أكثر حساسية: هل تستطيع الآلة أن تنتج نصًا له قيمة جمالية؟ هل الإبداع مرتبط بالوعي والتجربة البشرية أم يمكن تقليد نتائجه إحصائيًا؟ ماذا تعني الأصالة إذا كان النص مولدًا جزئيًا بوساطة نموذج لغوي؟ ومن هو المؤلف إذا كتب الإنسان الفكرة الأساسية، واقترحت الآلة شخصيات، ثم أعادت صياغة الحوار، بينما تولت أداة أخرى صناعة الصورة والغلاف والموسيقى؟

هذه الأسئلة لم تعد في نظري ترفًا فلسفيًا. سوق النشر نفسه بدأ يواجهها، والجوائز الأدبية ستضطر عاجلًا أو آجلًا إلى مواجهتها، ودور النشر تحتاج إلى قواعد واضحة، والقراء يريدون معرفة ما إذا كانوا يقرأون نصًا كتبه إنسان بالكامل أم نصًا هجينًا شاركت فيه الآلة. وما يثيرني هنا أن بعض الكتاب باتوا يعلنون صراحة أن أعمالهم «من دون ذكاء اصطناعي»، وكأن هذه العبارة أصبحت شهادة أصالة جديدة، بينما يعلن آخرون استخدامهم أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبار ذلك جزءًا مشروعًا من العملية الإبداعية. إننا، بهذا المعنى، أمام انقسام ثقافي جديد قد لا يكون أقل أهمية من الانقسام القديم بين أنصار الكتاب الورقي وأنصار الكتاب الإلكتروني.

أما في الولايات المتحدة والفضاء الأنغلوسكسوني، فإن أكثر ما يستوقفني هو كثافة السرد التفاعلي القصير. هنا تبدو منصات الإنترنت كأنها مختبر مفتوح للأدب، حيث يستطيع الكاتب أن ينشر عملًا لا يحتاج إلى مطبعة ولا دار نشر، ويجعل القارئ يدخل مباشرة في الحكاية. ظهرت خلال الأيام الماضية تجارب تجعل القارئ مؤرخًا يقرر أي شهادة يعتمد وأي رواية يستبعد، وتجارب تمنحه فرصة كتابة بعض المقاطع بنفسه، وأخرى تجبره على الاختيار بين مسارات متناقضة. هذا الأدب لا يُقرأ بالطريقة نفسها التي نقرأ بها رواية تقليدية، لأن القارئ يكتشف في كل لحظة أن قراره قد يغيّر ما سيأتي بعده.

هذه النقطة مهمة جدًا بالنسبة إليّ، لأنها تغير مفهوم السلطة داخل العمل الأدبي. في الرواية التقليدية، الكاتب يقرر ما سيحدث، والقارئ يملك حرية التأويل فقط. أما في السرد التفاعلي، فقد يصبح للقارئ قدر من السلطة على مسار الحدث نفسه. يستطيع أن يختار أن تدخل الشخصية هذا الباب بدل الآخر، أو أن تثق بشخصية بدل أخرى، أو أن تجمع معلومات معينة وتتجاهل سواها. وهكذا يتحول الأدب من بنية خطية إلى شبكة احتمالات، ويصبح الكاتب أقرب إلى مصمم عوالم منه إلى راوٍ يتحكم في كل شيء.

ولا أعتقد أن هذا التحول يلغي الأدب التقليدي، لكنه يوسع حدوده. الرواية الخطية ستبقى، والقصيدة الورقية ستبقى، لأن التاريخ الثقافي يعلمنا أن الوسائط الجديدة لا تلغي السابقة بسهولة، وإنما تتعايش معها وتعيد توزيع الأدوار. السينما لم تقتل المسرح، والتلفزيون لم يقتل السينما، والإنترنت لم يقتل الكتاب. لكن كل وسيلة جديدة تجبر السابقة على إعادة تعريف قوتها الخاصة. وربما تصبح قيمة الكتاب الورقي مستقبلًا أكثر ارتباطًا ببطء القراءة وعمقها وهدوئها، بينما يتجه الأدب الرقمي إلى استثمار الحركة والمشاركة والتعدد والتفرع.

وفي شرق آسيا، تأخذ الصورة أبعادًا أكبر بكثير، خصوصًا في الصين، حيث لم تعد الرواية الشبكية مجرد تجربة شبابية على الهامش، بل تحولت إلى صناعة ثقافية ضخمة يشارك فيها ملايين الكتاب والقراء. هذه الظاهرة تثير اهتمامي لأنها تقلب نموذج النشر التقليدي رأسًا على عقب. الكاتب هناك قد لا ينتظر سنوات حتى ينتهي من روايته، بل يبدأ بنشرها فصلًا بعد فصل، ويتلقى تعليقات القراء باستمرار، ويعرف أي شخصية أثارت الاهتمام وأي مسار لم ينجح، وربما يتأثر لاحقًا بهذه الاستجابات في تطوير الحكاية.

وهنا تظهر علاقة جديدة بين الكاتب والجمهور. ففي الأدب التقليدي، يصل الكتاب إلى القارئ بعد أن يكون قد اكتمل، أما في الرواية الشبكية فيصبح القارئ حاضرًا أثناء عملية البناء نفسها. وهذا يفتح بابًا واسعًا للجدل. فمن جهة، يمكن القول إن الكاتب يصبح أكثر معرفة بجمهوره وأكثر قدرة على التفاعل معه، ومن جهة أخرى قد يتحول ضغط الجمهور إلى نوع من الرقابة السوقية التي تدفع المؤلف إلى إرضاء المتابعين بدل اتباع منطقه الفني الخاص. والسؤال هنا ليس بسيطًا: هل يكتب الكاتب ما يريد، أم يكتب ما تشير إليه التعليقات ونسب القراءة ومعدلات الاشتراك؟

في الصين وكوريا الجنوبية واليابان، أرى أيضًا أن أهم تحول يتمثل في انتقال الأدب الرقمي من كونه نصًا إلى كونه مادة أولية لصناعة كاملة. رواية شبكية ناجحة قد تتحول إلى قصة مصورة، ثم إلى مسلسل تلفزيوني، ثم إلى لعبة، ثم إلى منتجات تجارية، وربما إلى فيلم. وهذا يغير معنى النجاح الأدبي نفسه. فالكتاب لم يعد النهاية، بل البداية. القصة الناجحة تصبح «ملكية سردية» قابلة لإعادة الإنتاج في وسائط متعددة، والكاتب قد يجد أن نصه يعيش حيوات مختلفة بعيدًا عن شكله الأول.

وفي اليابان، تقدم الرواية البصرية نموذجًا واضحًا لهذه الحدود المتداخلة بين الأدب واللعبة. النص موجود، والحوار موجود، والشخصيات والحبكة موجودة، لكن إلى جانبها صور وموسيقى وخيارات ونهايات مختلفة. البعض قد يرفض اعتبار ذلك أدبًا، لكنني أجد أن هذا الرفض يعتمد في الغالب على تعريف ضيق للأدب بوصفه كلمات مطبوعة في كتاب. فإذا كانت الرواية البصرية تستعمل أدوات السرد والشخصية والمنظور والأسلوب والحوار، فلماذا نفقد صفتها الأدبية لمجرد أنها تضيف إليها الصورة والموسيقى والاختيار؟

كل هذه الأمثلة تقودني إلى فكرة أراها أساسية لفهم المرحلة الحالية: نحن ننتقل من «النص الرقمي» إلى «النص القابل للتنفيذ». وهذه العبارة تبدو لي أكثر دقة من مفهوم الكتاب الإلكتروني. فالكتاب الإلكتروني التقليدي يظل نصًا تقرؤه على شاشة، بينما النص الجديد يمكن أن يستجيب، ويتغير، ويتذكر الاختيارات، ويفتح احتمالات مختلفة، وربما يكتب أجزاء جديدة بحسب الطريقة التي تتعامل بها معه.

إنه تحول من القراءة باعتبارها عبورًا داخل نص ثابت إلى القراءة باعتبارها مشاركة في نظام سردي.

وهذا بدوره يغير مهمة الكاتب. الكاتب الرقمي لا يفكر فقط في الجملة الجميلة والشخصية المقنعة والحوار المتوازن، بل قد يفكر أيضًا في بنية الاختيارات، وترتيب المسارات، وإيقاع التفاعل، وتصميم الواجهة، وربما في كيفية عمل البرمجية التي تحمل النص. إنه يقترب من المبرمج والمصمم من دون أن يتخلى بالضرورة عن هويته الأدبية. وقد نرى في المستقبل فرقًا كاملة تنتج العمل الأدبي: كاتب، مبرمج، فنان بصري، مصمم صوت، ومحرر للذكاء الاصطناعي.

وهنا بالضبط يدخل الذكاء الاصطناعي باعتباره القوة الأكثر إرباكًا في المشهد. أنا لا أنظر إليه باعتباره خطرًا حتميًا على الأدب ولا خلاصًا سحريًا، بل أراه أداة شديدة القوة ستدفعنا إلى إعادة طرح أسئلة قديمة بصيغ جديدة. من يملك النص؟ من يضمن أصالته؟ هل يحق للكاتب استعمال نموذج مدرب على ملايين النصوص الأدبية من دون موافقة أصحابها؟ كيف نميز بين المساعدة التقنية والتأليف الفعلي؟ وما الذي سيحدث عندما يصبح بإمكان القارئ أن يطلب من الرواية نفسها نهاية مختلفة في اللحظة التي يقرأها فيها؟

هذه الإمكانية الأخيرة تبدو لي من أكثر السيناريوهات إثارة. تخيل رواية لا تملك نهاية واحدة ولا عشر نهايات مبرمجة مسبقًا، بل تستطيع أن تولد نهاية جديدة لكل قارئ بحسب اختياراته وأسئلته وطريقة قراءته. ماذا سيبقى حينها من مفهوم «النص نفسه»؟ وهل سنظل نتحدث عن رواية واحدة أم عن آلاف النسخ المتغيرة منها؟

ربما يبدو هذا السيناريو مستقبليًا، لكنه لم يعد بعيدًا كما نتصور. الأدوات موجودة، والنماذج التوليدية موجودة، والبنية التقنية تسمح بذلك. المسألة الآن ليست هل سيحدث، بل متى سيصبح مستقرًا بما يكفي كي يتحول إلى جنس أدبي واسع الانتشار.

ومع ذلك، أعتقد أن الأدب الرقمي يحتاج إلى مقاومة إغراء التكنولوجيا لذاتها. فوجود روابط وحركة وصوت وصورة لا يصنع عملًا أدبيًا جيدًا تلقائيًا، تمامًا كما أن استعمال مؤثرات سينمائية كثيرة لا يصنع فيلمًا عظيمًا. الجوهر سيظل، في رأيي، متعلقًا بما يقدمه العمل من معنى وتجربة وأسئلة وشحنة إنسانية. التقنية يجب أن تخدم النص، لا أن تحل محله.

وإذا كان عليّ أن ألخص المشهد الحالي، فسأقول إن الأدب بدأ يغير جلده من دون أن يتخلى عن روحه. الكلمة باقية، والسرد باق، والشعر باق، لكن الحوامل تتغير والعلاقات تتغير. الصفحة تتحول إلى واجهة، والهامش إلى رابط، والفصل إلى مسار، والقارئ إلى مشارك، والمؤلف إلى مصمم احتمالات، والخوارزمية إلى شريك محتمل ومثير للجدل.

ولهذا لا أرى أن السؤال الصحيح هو: هل سيقضي الأدب الرقمي على الكتاب الورقي؟ هذا سؤال تبسيطي عفا عليه الزمن. السؤال الذي يستحق أن يشغلنا هو: ما الذي سيصبح عليه الأدب حين لا يعود النص ثابتًا أمام الجميع، وحين يصبح قادرًا على التفاعل مع قارئه، وتذكره، وتغيير نفسه وفقه؟

ربما ندخل اليوم مرحلة لن يكون فيها الكتاب مجرد شيء نقرأه، بل شيئًا يقرأنا أيضًا.

وهنا يبدأ، في رأيي، التحدي الحقيقي للأدب في العقود المقبلة.


0 التعليقات: