الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أكتوبر 13، 2026

أدوات الذكاء الاصطناعي تدخل زمن الوكلاء… سباق جديد يتجاوز روبوتات المحادثة: عبده حقي


شهدت الأيام القليلة الماضية موجة جديدة من الإعلانات والتحديثات في عالم الذكاء الاصطناعي تؤكد أن سنة 2026 تدخل منعطفًا مختلفًا جذريًا عما عرفناه خلال السنوات السابقة. لم تعد الشركات تتنافس فقط في إنتاج نموذج يجيب عن الأسئلة بشكل أفضل أو يكتب نصوصًا أكثر إقناعًا، وإنما أصبح السباق يتمحور حول صناعة أنظمة تستطيع تنفيذ العمل نفسه: البحث، والبرمجة، والتعامل مع الملفات، وتحليل البيانات، وبناء واجهات تفاعلية، واستعمال الأدوات، والتحرك بين التطبيقات، والاحتفاظ بسياق المهمة فترة طويلة.

ChatGPT يتحول من محادثة إلى مساحة لإنجاز العمل

أحد أبرز التحولات الأخيرة ظهر داخل ChatGPT مع وصول جيل GPT-6 وتوسع ما يعرف بالواجهة الذكية أو Intelligent UI. الفكرة تقوم على أن الإجابة لم تعد مضطرة إلى البقاء نصًا جامدًا، إذ يستطيع النظام إنتاج عناصر مرئية وتفاعلية تتكيف مع طبيعة السؤال، من المقارنات والجداول إلى الأدوات الصغيرة التي يمكن تشغيلها داخل المحادثة نفسها.

هذا التطور يغير تدريجيًا معنى استخدام ChatGPT. فبدل أن يكون مجرد محطة للحصول على نص أو معلومة ثم الانتقال إلى برنامج آخر من أجل التنفيذ، تسعى المنصة إلى جعل مكان السؤال هو نفسه مكان إنجاز جزء متزايد من المهمة.

وأضيفت في الفترة نفسها إمكانية رفع الملفات الصوتية من أجل تفريغ المقابلات والاجتماعات والمحاضرات وتلخيصها وطرح الأسئلة حولها. وهي وظيفة ذات قيمة واضحة للصحفيين والباحثين والكتاب والطلبة وصناع المحتوى، لأنها تجمع عدة مراحل كانت تتطلب سابقًا أكثر من برنامج داخل أداة واحدة.

وفي بيئة Codex الخاصة بالبرمجة ظهرت كذلك ميزة تتنبأ بالتعليمات التالية التي قد يحتاجها المبرمج اعتمادًا على سياق عمله. وهذا مثال صغير لكنه دال على انتقال أدوات الذكاء الاصطناعي من انتظار الأمر إلى محاولة استباق احتياجات المستخدم.

Claude Haiku 5.5 ومعركة «الذكاء الرخيص»

Anthropic اختارت زاوية أخرى من المنافسة بإطلاق Claude Haiku 5.5، وهو نموذج صغير ركزت فيه الشركة على السرعة وخفض التكلفة. الهدف هنا ليس بالضرورة منافسة أكبر النماذج في كل مهمة، وإنما توفير ذكاء اصطناعي قادر على تنفيذ كميات ضخمة من العمليات اليومية بسرعة وكلفة أقل.

تطبيقات مثل تلخيص الوثائق وتصنيف المحتوى والإجابة عن العملاء والاستعلام من قواعد البيانات لا تحتاج في كل مرة إلى أقوى نموذج متاح. ومن هنا تتشكل سوق أخرى قد تكون ضخمة جدًا: سوق النماذج الصغيرة التي تستطيع الشركات تشغيلها آلاف أو ملايين المرات يوميًا دون ميزانيات هائلة.

وفي الاتجاه نفسه، تعمل Claude على التوسع في إنشاء لوحات البيانات والعناصر البصرية والرسوم المتحركة، بما يجعل الأداة أقرب إلى بيئة للإنتاج والتحليل لا مجرد مساعد لغوي.

Gemini يتحول إلى وكيل داخل بيئة العمل

جوجل كشفت بدورها عن Gemini agent الموجه إلى المؤسسات وبيئات العمل. الفكرة الأساسية تقوم على وجود وكيل يستطيع تلقي هدف عام ثم تقسيمه إلى خطوات، واختيار الأدوات المناسبة، والوصول إلى بيانات المؤسسة، واستخدام الخدمات المختلفة، ثم إعادة نتيجة جاهزة إلى المكان الذي يعمل فيه الموظف.

هذه الفلسفة مهمة لأنها تقلص مسؤولية المستخدم عن إدارة التفاصيل التقنية. بدل أن يقول للذكاء الاصطناعي أي نموذج يجب أن يستعمل وأي أداة ينبغي فتحها وأي تطبيق يجب الانتقال إليه، يفترض أن يتولى الوكيل نفسه التخطيط للعمل.

وتمتلك جوجل هنا ورقة قوية بسبب امتلاكها منظومة ضخمة من الخدمات المرتبطة بالعمل والمراسلات والوثائق والتخزين والاجتماعات والحوسبة السحابية. ولذلك فإن نجاح Gemini مستقبلاً قد يعتمد بقدر كبير على قدرته على الربط بين هذه الخدمات وتحويلها إلى سلسلة عمل موحدة.

Muse Wonder يعيد Meta إلى قلب المنافسة

من أكثر الإعلانات الجديدة لفتًا للانتباه إطلاق Meta لسلسلة Muse Wonder وMuse Wonder Full، وهي نماذج تريد الشركة من خلالها تثبيت حضورها داخل الفئة الأعلى من الذكاء الاصطناعي.

التركيز الأساسي في هذه النماذج يقع على الوكلاء القادرين على تنفيذ مهام طويلة، سواء في البرمجة أو العمل المهني أو الاستخدام الشخصي. وتبرز هنا فكرتان مهمتان: الذاكرة النشطة والتركيز النشط.

فالوكيل المفيد حقًا لا يكفي أن يكون قادرًا على كتابة فقرة ممتازة أو الإجابة عن سؤال صعب، وإنما عليه أن يتذكر ما قام به في الخطوات السابقة، وأن يستمر في متابعة الهدف حتى عندما تصادفه أخطاء أو معلومات ناقصة أو يحتاج إلى إعادة توجيه.

هذا التحول يوضح أن معركة الذكاء الاصطناعي القادمة ستكون إلى حد كبير معركة «الاستمرارية». أي شركة تستطيع بناء نظام يواصل تنفيذ المهمة ساعة بعد ساعة أو مرحلة بعد مرحلة بأقل تدخل بشري ستملك ميزة تنافسية كبيرة.

Microsoft Copilot يقترب من الإمساك بمفاتيح الحاسوب

مايكروسوفت تسلك طريقًا شديد الأهمية بدورها، وهو منح Copilot قدرة أكبر على التعامل مباشرة مع نظام التشغيل والملفات. الاتجاه الجديد يعتمد على دمج الذكاء الاصطناعي المحلي الذي يعمل داخل الجهاز مع النماذج الموجودة في السحابة.

في العروض الجديدة، أصبح من الممكن تصور Copilot وهو يعثر على مجموعة من الملفات، ويعيد تسميتها، ويضغطها، ويجهز رسالة تحتوي عليها دون أن يضطر المستخدم إلى تنفيذ كل خطوة يدويًا.

إذا نضجت هذه التكنولوجيا، فقد تغير الطريقة التي نتعامل بها مع الحاسوب نفسه. نحن معتادون منذ عقود على فتح المجلدات والنقر على القوائم وتشغيل التطبيقات، بينما يمكن أن تظهر واجهة مختلفة جذريًا تقوم على جملة بسيطة مثل: «ابحث عن ملفات الضرائب لهذا العام، نظمها في مجلد، اضغطها وأعد رسالة لإرسالها إلى المحاسب».

في هذه الحالة يصبح الذكاء الاصطناعي وسيطًا حقيقيًا بين الإنسان ونظام التشغيل.

Mistral Large 4 ومحاولة أوروبية لمواجهة الاحتكار

من أوروبا جاء إطلاق Mistral Large 4، في محاولة جديدة من شركة Mistral الفرنسية لتعزيز وجودها أمام الهيمنة الأمريكية والصعود الصيني.

النموذج موجه إلى مجالات تشمل البرمجة والتحليل المالي والأمن السيبراني والمهام التقنية المتخصصة. لكن أهميته لا تنفصل عن سؤال السيادة الرقمية الأوروبية، إذ تسعى Mistral إلى إبقاء إمكانية تشغيل نماذج قوية خارج المنصات الأمريكية المغلقة.

وتزداد أهمية النماذج القابلة للتشغيل داخل البنية الخاصة بالمؤسسات في القطاعات التي تتعامل مع بيانات حساسة، لأن البنك أو الإدارة أو المؤسسة الصناعية قد لا ترغب في إرسال وثائقها ومعلوماتها باستمرار إلى خوادم شركة خارجية.

Mellum2.1: الذكاء الاصطناعي للبرمجة يعود إلى الجهاز المحلي

JetBrains دخلت بدورها هذه الموجة بإصدار Mellum2.1، وهو نموذج صغير نسبيًا مخصص لوكلاء البرمجة.

الفكرة المثيرة هنا أنه لا يقتصر على اقتراح بضعة أسطر من الشيفرة، وإنما يستطيع التجول داخل مشروع برمجي، وفهم الملفات، وإجراء تعديلات ثم فحص النتائج.

والأهم أن النموذج صمم بحيث يمكن تشغيله على عتاد المستخدم، وهو ما يعكس عودة قوية لفكرة الذكاء الاصطناعي المحلي. بعد سنوات من الاعتماد شبه الكامل على الخدمات السحابية، بدأت النماذج الأصغر والأكثر كفاءة تجعل وجود مساعد ذكي داخل الحاسوب نفسه احتمالًا عمليًا بصورة متزايدة.

Perplexity يوسع معنى البحث إلى ما وراء الكلمات

Perplexity تحركت في طبقة أكثر عمقًا من التكنولوجيا بإطلاق نماذج جديدة للبحث والاسترجاع متعدد الوسائط.

المقصود هنا هو تمكين أنظمة البحث من فهم النص والصورة وصفحة الويب في فضاء دلالي مشترك. في البحث التقليدي كان السؤال مرتبطًا أساسًا بالكلمات، لكن محركات الذكاء الاصطناعي المقبلة يمكنها التعامل مع صورة أو فقرة أو صفحة كاملة باعتبارها تمثيلات لمعنى واحد يمكن البحث داخله.

هذه التكنولوجيا قد تبدو بعيدة عن الاستخدام اليومي، لكنها تدخل في قلب بناء محركات البحث والمساعدين القادرين على الوصول إلى المعلومات داخل مليارات الصفحات والوثائق والصور.

الاتجاه الكبير: الذكاء الاصطناعي ينتقل من «الإجابة» إلى «الفعل»

عندما أنظر إلى هذه التحديثات مجتمعة، أجد أن التطور الحقيقي لا يوجد في اسم نموذج معين أو رقم إصدار جديد بقدر ما يوجد في التحول الذي يجمعها كلها. الجميع تقريبًا يتحرك في الاتجاه نفسه.

ChatGPT يريد أن يحول المحادثة إلى واجهة تشغيل. Claude يريد أن يكون أسرع وأرخص وأكثر قدرة على بناء أدوات العمل. Gemini يحاول أن يصبح وكيلاً يتحرك داخل المؤسسة. Meta تراهن على الذاكرة والتركيز طويل المدى. Microsoft تريد تقريب Copilot من الملفات ونظام التشغيل. JetBrains تبني وكيلاً برمجيًا يمكن تشغيله محليًا. Perplexity تعيد التفكير في بنية البحث، بينما تريد Mistral إبقاء أوروبا طرفًا مستقلًا داخل المعركة.

وهذا يعني أن مرحلة «روبوت الدردشة» بصورتها التي عرفناها منذ سنوات بدأت تفقد مركزيتها. المسألة اليوم ليست أن أفتح نافذة وأسأل سؤالًا ثم أحصل على جواب، بل أن أطلب نتيجة كاملة مثل: حلل هذه الوثائق، وابحث عن المعلومات الناقصة، وقارنها، وأنشئ جدولًا، واكتب التقرير، ثم جهز الرسالة التي سأرسلها.

هنا يبدأ مفهوم الوكيل الذكي.

والتحول الأكبر الذي أتوقع أن يطبع المرحلة المقبلة هو أن الذكاء الاصطناعي سيصبح أقل ظهورًا في صورة «شخصية نتحدث إليها»، وأكثر حضورًا باعتباره طبقة خفية تدير التطبيقات والبيانات والبحث والملفات والخدمات نيابة عنا.

لهذا فإن السؤال الحاسم في سباق الشركات لن يبقى: من يملك أذكى نموذج؟ وإنما سيتحول إلى سؤال أكثر عملية وربما أكثر خطورة أيضًا: من يستطيع أن يمنح نموذجه أكبر قدرة على الفعل في العالم الرقمي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الدقة والأمان والخصوصية وسيطرة الإنسان؟

هذه الحصيلة تغطي أبرز التطورات بين 6 و12 أكتوبر 2026، مع إعطاء الأولوية للإعلانات الرسمية والتقارير الإخبارية الحديثة. OpenAI Help Center


0 التعليقات: