كلما تابعت ما تنشره صحافة المغرب العربي خلال أسبوع واحد فقط، يترسخ لدي شعور بأننا نعيش واحدة من أغرب المفارقات السياسية في منطقتنا: خمسة بلدان متجاورة، تجمع بينها الجغرافيا والتاريخ واللغة والمصالح والأخطار نفسها تقريبًا، لكنها تتحرك كما لو أن بينها قارات كاملة. الجزائر تنظر إلى إفريقيا والساحل، تونس تحاول النجاة اقتصاديًا وإدارة جوارها الليبي، ليبيا تبحث بصعوبة عن دولة داخل تعدد السلطات، موريتانيا تبني لنفسها موقعًا هادئًا بين المغرب العربي والساحل والأطلسي، بينما يواصل المغرب توسيع حضوره الإفريقي والدولي. الجميع يتحرك، الجميع يوقّع الاتفاقيات، الجميع يتحدث عن التكامل الإقليمي، لكن بمجرد أن نصل إلى السؤال الحقيقي: أين المغرب العربي؟ يصمت الجميع تقريبًا.
ما تكشفه الصحافة المغاربية هذا الأسبوع ليس منطقة راكدة، بل منطقة شديدة الحركة وشديدة العجز في الوقت نفسه. العواصم تتبادل الوفود، وزراء الداخلية والخارجية يعقدون الاجتماعات، الطائرات تستعيد بعض خطوطها، المؤسسات الدولية تتحدث عن استثمارات، والحكومات تعلن عن مشاريع وشراكات، لكننا لا نرى مشروعًا سياسيًا مغاربيًا قادرًا على جمع كل هذه الحركات داخل رؤية مشتركة. ولذلك أجد نفسي أمام مغرب عربي يتحرك بجسده بينما رأسه السياسي مشلول.
في الجزائر يظل الحضور الإفريقي والدبلوماسي في قلب الخطاب الرسمي والإعلامي. الدولة الجزائرية تريد تثبيت نفسها فاعلًا مركزيًا في إفريقيا والساحل، وتحاول أن تجعل من ملف إصلاح مجلس الأمن ومن القضايا الأمنية والطاقة والدبلوماسية أدوات لتعزيز حضورها القاري. وهذا في حد ذاته طموح مشروع لأي دولة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بالنسبة إليّ هو: كيف يمكن لدولة أن تطمح إلى بناء تأثير إفريقي واسع بينما تعجز عن بناء حد أدنى من الثقة السياسية مع أكبر جار مغاربي لها؟
لا أرى أي تناقض في أن تسعى الجزائر إلى إفريقيا، بل التناقض أن يجري تقديم العمق الإفريقي وكأنه يستطيع تعويض العمق المغاربي. الجغرافيا لا تعمل بهذه الطريقة. يمكن للجزائر أن تتوسع جنوبًا، ويمكن للمغرب أن يتوسع غربًا نحو الأطلسي وإفريقيا، ويمكن لتونس أن تنفتح على أوروبا وليبيا، لكن أي قوة حقيقية لشمال إفريقيا ستظل منقوصة ما دام أكبر بلدين فيها يعيشان في حالة قطيعة سياسية.
ومن أكثر الملفات التي أثارت الانتباه هذا الأسبوع الإعلان الجزائري عن توقيف واحد وستين مواطنًا مغربيًا على خلفية اتهامات مرتبطة بشبكة إجرامية وأعمال تخريبية مزعومة. بالنسبة إليّ، القضية لا تكمن فقط في الخبر الأمني، بل في اللغة السياسية والإعلامية التي تحيط بمثل هذه القضايا. عندما تتحول العلاقة بين بلدين كبيرين إلى فضاء دائم للاتهام والشك، يصبح أي حادث أمني قابلًا للتحول إلى مادة دعائية، ويصبح المواطن العادي مجرد رقم داخل حرب السرديات.
لا أقبل أن تتحول الاتهامات الأمنية إلى حقائق نهائية لمجرد صدورها في بلاغ رسمي، كما لا أقبل في الاتجاه المعاكس أن يجري نفي كل شيء فقط لأن المتهمين يحملون جنسية معينة. المعيار بالنسبة إليّ بسيط: هناك قضاء وأدلة ومساطر وإثباتات. أما الاتهام السياسي المفتوح، فإنه لا يزيد المنطقة إلا تسممًا.
الأخطر أن الخطاب المتوتر بين الجزائر والمغرب تجاوز منذ مدة خلاف الحكومتين وأصبح يتسلل إلى الإعلام والثقافة والرياضة وحتى القضايا الاجتماعية. وهذا بالضبط ما يجعلني أخشى أن تتحول القطيعة من قرار سياسي قابل للمراجعة إلى ثقافة عداء طويلة الأمد. عندما يكبر جيل كامل وهو يسمع يوميًا أن الجار مصدر خطر ومؤامرة، تصبح المصالحة بعد سنوات أصعب بكثير من إعادة فتح سفارة أو حدود.
وفي تونس أجد الصورة مختلفة ولكنها ليست أقل تعقيدًا. الصحافة التونسية مشغولة أساسًا بالاقتصاد، بالاستثمار، بالنمو، بالتمويل، بالبطالة، وبقدرة الدولة على مقاومة الضغوط الاجتماعية والمالية. تونس تبدو لي وكأنها تخوض معركة يومية للحفاظ على التوازن بين متطلبات الدولة ومحدودية الموارد. ولذلك تصبح كل فرصة استثمار وكل شراكة دولية وكل مشروع تمويل مادة أساسية في النقاش العام.
غير أن تونس لا تستطيع النظر إلى اقتصادها بمعزل عن ليبيا. فالجغرافيا هنا أكثر قوة من كل النظريات الاقتصادية. الحدود التونسية الليبية ليست مجرد خط على الخريطة؛ إنها سوق وحركة أسر وتجارة وعمل وأمن وهجرة. ولذلك أفهم تمامًا لماذا يحتل التنسيق الأمني مع ليبيا موقعًا متقدمًا في الأجندة التونسية.
لكن ما يلفت انتباهي هو أن تونس تحاول دائمًا الحفاظ على صورة الوسيط الهادئ. فهي لا تريد أن تصبح جزءًا من الصراعات الليبية، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهلها. وتريد أن تحافظ على علاقات جيدة مع الجزائر دون أن تغلق أبوابها أمام المغرب، وأن تبقى قريبة من أوروبا دون أن تفقد هويتها المغاربية والإفريقية. هذه السياسة قد تبدو حذرة أكثر من اللازم أحيانًا، لكنها تعكس واقع بلد يعرف أن أي انحراف كبير في محيطه يمكن أن ينعكس مباشرة على استقراره الداخلي.
أما ليبيا فتقدم هذا الأسبوع مشهدًا شديد الدلالة. هذا البلد الذي أمضى سنوات طويلة عنوانًا للأزمة بدأ يحاول استعادة دوره بوصفه مكانًا للاجتماعات الإقليمية والدبلوماسية. عندما تستضيف طرابلس لقاءات إفريقية أو تستقبل مسؤولين من دول الجوار، فإن الأمر يحمل رسالة رمزية مهمة: ليبيا تريد العودة إلى الخريطة السياسية، لا أن تبقى مجرد ملف على طاولات الآخرين.
لكنني أرى أن المشكلة الليبية لا تزال أعمق من أي مؤتمر أو زيارة. البلد لم يحسم سؤال الدولة بعد. تعدد السلطات والانقسام المؤسسي والرهانات الأمنية والتدخلات الخارجية كلها تجعل الاستقرار هشًا. ومع ذلك تبقى ليبيا إحدى المفاتيح الكبرى لأي مشروع مغاربي. فهي تقع في قلب شمال إفريقيا، تملك موارد طاقية ضخمة، وترتبط جغرافيًا بتونس والجزائر ومصر والساحل، وتحمل تاريخًا اقتصاديًا واجتماعيًا عميقًا مع باقي بلدان المنطقة.
ولهذا أجد أن استقرار ليبيا ليس شأنًا ليبيًا داخليًا فقط. أي انهيار أمني فيها سيصل إلى تونس والجزائر والساحل والبحر المتوسط، وأي استقرار حقيقي فيها سيخلق فرصًا اقتصادية هائلة لكل الجوار.
موريتانيا، في المقابل، تقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا. ففي الوقت الذي تزداد فيه حدة الاستقطاب في أجزاء من المنطقة، تحاول نواكشوط أن تتقدم بخطوات محسوبة. التغيير الحكومي والنقاش حول الأداء العام والأسئلة المرتبطة بالمأموريات السياسية كلها قضايا داخلية مهمة، لكنني أرى أن أهم ما يميز موريتانيا مغاربيًا هو قدرتها حتى الآن على الاحتفاظ بمسافة معقولة عن الاستقطاب المغربي الجزائري.
وهذه ليست مسألة صغيرة. موريتانيا تعرف أن مصالحها لا تسمح لها بتحويل نفسها إلى امتداد لأي محور. حدودها مع الجزائر، علاقاتها العميقة مع المغرب، موقعها على الساحل والأطلسي، وصلاتها بغرب إفريقيا، كلها تفرض عليها سياسة أكثر توازنًا. ولذلك أرى أن نواكشوط قد تكون مستقبلًا واحدة من العواصم القليلة القادرة على لعب دور هادئ في تخفيف التوتر المغاربي، إذا توفرت الإرادة لدى الأطراف الكبرى.
وعندما أجمع هذه الصور كلها، ألاحظ بوضوح تشكل محور تعاون متزايد بين الجزائر وتونس وليبيا. هناك تنسيق أمني، وزيارات، واجتماعات، ومصالح حدودية وطاقة ونقل وتعاون إفريقي. لا أرى في ذلك مشكلة في حد ذاته. بالعكس، كل تعاون بين بلدان المنطقة يجب أن يكون موضع ترحيب. لكنني أرفض أن يتحول أي تعاون ثلاثي إلى تصور بديل عن المغرب العربي الكامل.
من حق الجزائر وتونس وليبيا أن تبني ما تشاء من آليات التنسيق، كما من حق المغرب وموريتانيا أن يطورا شراكاتهما الخاصة. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الدوائر الصغيرة إلى أحلاف سياسية مغلقة، وحينها يصبح التعاون أداة لتكريس الانقسام بدل تجاوزه.
اتحاد المغرب العربي، بالنسبة إليّ، ليس اسمًا عاطفيًا ولا ذكرى من ثمانينيات القرن الماضي. إنه ضرورة اقتصادية واستراتيجية. هذه المنطقة تضم أكثر من مئة مليون نسمة، وتملك النفط والغاز والفوسفاط والثروة السمكية والزراعة والموانئ والموقع الأطلسي والمتوسطي والعمق الإفريقي. ولو جرى ربط هذه الموارد بسوق حقيقية وبنية تحتية مشتركة، لكنا أمام قوة إقليمية تستطيع التفاوض مع أوروبا والصين والولايات المتحدة وإفريقيا من موقع مختلف تمامًا.
لكننا اخترنا الطريق المعاكس. أغلقنا الحدود، قلصنا التجارة البينية، جمّدنا المؤسسات المشتركة، وسمحنا للخلافات السياسية بأن تتحول إلى حواجز اقتصادية. والأكثر عبثية أن دول المغرب العربي تستورد أحيانًا من قارات بعيدة منتجات يمكن أن تجدها لدى جيرانها على بعد بضع مئات من الكيلومترات.
هذه ليست فقط مشكلة دبلوماسية، بل خسارة مالية مباشرة. كل شاحنة تضطر إلى الدوران عبر طرق أطول بسبب الحدود المغلقة هي فاتورة إضافية. كل مشروع استثماري لا يجد سوقًا مغاربية واسعة هو فرصة ضائعة. كل طالب أو باحث أو رجل أعمال يجد التنقل بين بعض الدول المغاربية أكثر تعقيدًا من السفر إلى أوروبا هو شاهد على فشل السياسة.
وتظل العقدة المغربية الجزائرية في قلب كل هذا. لا أعتقد أن بإمكان أي تحليل جدي لمستقبل المنطقة أن يتجاوز هذه الحقيقة. المغرب والجزائر يملكان الوزن البشري والاقتصادي والعسكري والسياسي الأكبر في المغرب العربي، وإذا استمرت علاقتهما في هذا المستوى من القطيعة فإن كل حديث عن تكامل مغاربي سيظل مجرد خطابات مناسبات.
أنا لا أطلب من البلدين أن يحلا كل خلافاتهما في يوم واحد، فهذا غير واقعي. لكنني أرى أن هناك فرقًا هائلًا بين استمرار الخلاف وبين تحويله إلى قطيعة كاملة. يمكن لدول متخاصمة أن تحافظ على سفارات وقنوات أمنية وتجارية وحدود مفتوحة. العالم مليء بأمثلة دول تختلف بشدة لكنها لا توقف مصالح شعوبها.
ما يحدث عندنا هو أننا جعلنا المواطن يدفع ثمن خلاف السياسيين. العائلات المشتتة تدفع الثمن، التجارة تدفع الثمن، المناطق الحدودية تدفع الثمن، السياحة تدفع الثمن، والاقتصاد المغاربي كله يدفع الثمن.
والأخطر أن المنطقة تواجه تهديدات لا تعترف أصلًا بهذه الحدود. الإرهاب في الساحل لا يسأل عن الخلاف المغربي الجزائري. شبكات المخدرات لا تحترم البيانات الدبلوماسية. الهجرة غير النظامية لا تتوقف أمام القطيعة السياسية. التصحر والجفاف ونقص المياه والحرائق والتغير المناخي كلها أزمات عابرة للدول.
وهنا تظهر المفارقة الساخرة: دولنا تعترف ضمنيًا بأنها تحتاج إلى التعاون في الأمن والمناخ والطاقة والهجرة، لكنها ترفض الاعتراف بأن المنطق نفسه ينطبق على السياسة والاقتصاد.
حتى الأمطار والعواصف وحرائق الصيف تذكرنا بأننا منطقة جغرافية واحدة. السحب لا تحتاج إلى تأشيرة للعبور من الجزائر إلى تونس أو من المغرب نحو الشرق. موجات الحرارة لا تتوقف أمام الحدود. الصحراء تتمدد عبر الجميع. لكننا، نحن البشر، اخترعنا حدودًا سياسية ثم حوّلناها إلى جدران ذهنية.
لهذا أخرج من رادار هذا الأسبوع بخلاصة صادمة: المشكلة في المغرب العربي ليست نقص الإمكانات، بل فائض السياسة السيئة.
لدينا الجغرافيا المناسبة، الموارد المناسبة، السوق المناسبة، الروابط البشرية المناسبة، وحتى التهديدات المشتركة التي يفترض أن تدفعنا إلى التعاون. ومع ذلك لا يزال القرار السياسي عاجزًا عن إنتاج مشروع مغاربي حقيقي.
الجزائر تتقدم نحو إفريقيا، المغرب يبني امتداده الأطلسي، تونس تبحث عن متنفس اقتصادي، ليبيا تحاول استعادة الدولة، وموريتانيا تعزز موقعها بين الساحل والأطلسي. كل دولة قد تنجح جزئيًا في مشروعها الوطني، لكن المنطقة ستبقى أضعف من مجموع أجزائها ما دام كل بلد يسير منفردًا.
وما أخشاه أكثر هو أن يصبح هذا الوضع طبيعيًا في نظر الأجيال القادمة، وأن يعتقد شاب مغربي أو جزائري أو تونسي بعد عشرين سنة أن الحدود المغلقة والقطيعة السياسية هي الحالة الطبيعية للعلاقات المغاربية.
إنها ليست طبيعية.
الطبيعي أن تتحرك التجارة بين وجدة وتلمسان، وأن يسافر الطالب بين الرباط والجزائر وتونس وطرابلس ونواكشوط بسهولة، وأن تنشأ شبكات جامعية وثقافية وإعلامية مشتركة، وأن تتكامل الموانئ والطرق والسكك الحديدية والأسواق.
أما أن نبقى خمس جزر متجاورة، فهذا ليس قدرًا جغرافيًا بل خيار سياسي.
ولهذا أعتقد أن الرادار الأسبوعي لصحافة المغرب العربي لا يرصد فقط الأخبار، بل يرصد أيضًا حجم الفرصة الضائعة. وفي كل أسبوع جديد تتراكم خسائر جديدة ويبتعد حلم الاتحاد خطوة إضافية، بينما تتقدم مناطق أخرى في العالم نحو تكتلات اقتصادية أوسع وأكثر قوة.
المغرب العربي لم يمت. لكن إبقاءه في غرفة الانتظار كل هذه العقود قد يكون أحد أكبر الإخفاقات السياسية التي ورثتها أجيالنا.
وإذا لم يتغير شيء، فقد يأتي يوم لا نسأل فيه لماذا تعطل الاتحاد المغاربي، بل لماذا سمحنا أصلًا بضياع فرصة تاريخية كان يمكن أن تجعل شمال إفريقيا واحدة من أقوى مناطق المتوسط وإفريقيا.
بقلم الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق