أجد في تتويج الأستاذ المغربي مسعود عريبة بالجائزة القارية الأولى للاتحاد الإفريقي للمدرسين لسنة 2026 أكثر من مجرد خبر تربوي عابر أو مناسبة للاحتفاء الفردي بمدرس مغربي استطاع أن يصعد إلى منصة قارية. ما حدث في إسواتيني يوم السابع من أكتوبر 2026 يختصر، في تقديري، قصة أعمق بكثير: قصة مدرس آمن بأن الفصل الدراسي لا ينبغي أن يكون مكانًا باردًا لنقل القواعد، وأن الرياضيات ليست جدارًا من الأرقام والمعادلات، وأن الطفل لا يتعلم دائمًا بما يُملى عليه، بل بما يعيشه ويجربه ويكتشفه بنفسه.
لقد تُوج الأستاذ مسعود عريبة، المنحدر من إقليم تارودانت، ضمن جوائز الاتحاد الإفريقي القارية للمدرسين، بعد أن قدم تجربة تربوية تقوم على مشروع «Math Kids – الرياضيات للصغار»، وهو مشروع نجح في نقل الرياضيات من عالم التجريد إلى فضاء المسرح واللعب والتفاعل. هذا التحول البسيط في ظاهره هو، في الواقع، جوهر كل إصلاح تربوي حقيقي؛ لأن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط ماذا ندرس لأطفالنا، بل بأي لغة تربوية نقدم لهم المعرفة؟ وهل ما زالت طرق التلقين القديمة قادرة على مخاطبة طفل يعيش وسط الصورة والشاشة والسرعة والتفاعل الرقمي؟
ما يعجبني في تجربة هذا الأستاذ المغربي هو أنها لم تنطلق من خطاب نظري كبير، ولا من مختبر باهظ التكلفة، ولا من مؤسسة دولية ضخمة، بل من القسم نفسه، من الاحتكاك المباشر بالأطفال، ومن ملاحظة الخوف الذي يسيطر على كثير منهم بمجرد سماع كلمة «رياضيات». لقد اختار عريبة أن يواجه هذا الخوف لا بالمزيد من التمارين الجافة، بل بتحويل الدرس إلى مشهد، والرقم إلى شخصية، والحساب إلى حركة، والقواعد إلى قصة يمكن أن يشارك فيها الطفل بجسده وصوته وخياله.
بهذه المقاربة، لم يعد المتعلم مجرد متلق ينتظر الإجابة الصحيحة من المدرس، بل تحول إلى عنصر مشارك في بناء المعنى. وهذا، في اعتقادي، هو الفرق الحقيقي بين مدرسة تنتج الحفظ ومدرسة تصنع الفهم. فالمتعلم الذي يمثل فكرة رياضية على الخشبة، أو يشارك في قصة مرتبطة بالحساب أو القياس أو الأشكال الهندسية، لا يحفظ القاعدة فقط، بل يعيشها. وحين يعيش الطفل المعرفة، تصبح أكثر رسوخًا في ذاكرته وأقرب إلى وجدانه.
فوز مسعود عريبة على المستوى الإفريقي يعيد أمامي طرح سؤال مكانة المدرس المغربي في منظومة التعليم. نحن كثيرًا ما نتحدث عن البرامج والمناهج والإصلاحات والميزانيات، لكننا ننسى أن كل إصلاح يمر في النهاية عبر شخص واحد يقف داخل القسم. يمكن أن تكتب أجمل المناهج، وأن توضع أرقى الاستراتيجيات، لكن كل ذلك يظل حبرًا على ورق إذا لم نجد مدرسًا قادرًا على تحويله إلى تجربة إنسانية حية.
لهذا أرى أن القيمة الرمزية لهذا التتويج كبيرة جدًا. إنها تقول إن المدرس ليس موظفًا يؤدي ساعات عمل ثم يغادر، بل يمكن أن يكون باحثًا ومبتكرًا ومصممًا للتجارب التعليمية ومخرجًا لمشهد تربوي كامل. وهي صورة نحتاج اليوم إلى ترسيخها بقوة، خصوصًا في زمن تتعرض فيه مهنة التعليم لضغوط كثيرة، من ضعف الاعتراف الاجتماعي أحيانًا إلى ثقل البرامج، ومن الاكتظاظ إلى التحولات التكنولوجية المتسارعة التي تفرض على المدرس أن يراجع أدواته باستمرار.
ومن هنا فإنني لا أرى الجائزة فقط اعترافًا بمسعود عريبة، بل اعترافًا بإمكانات المدرسة المغربية العمومية حين تترك مساحة للمبادرة. فكم من أستاذ في قرية أو مدينة صغيرة يبتكر كل يوم طريقة جديدة في الشرح ولا يسمع به أحد؟ وكم من مدرسة تتوفر داخلها تجارب يمكن أن تتحول إلى نماذج وطنية لو وجدت من يوثقها ويدعمها ويعممها؟
التعليم المغربي يحتاج، في رأيي، إلى ثقافة مؤسساتية لاكتشاف الممارسات الناجحة داخل الأقسام. نحن في حاجة إلى منصات وطنية تجمع تجارب المدرسين المبتكرين، وإلى جوائز منتظمة، وإلى مختبرات بيداغوجية، وإلى فرص تجعل المدرس يشعر أن الإبداع جزء من وظيفته وليس مجرد جهد شخصي إضافي قد لا يلتفت إليه أحد. فما الفائدة من تجربة ناجحة إذا ظلت حبيسة قسم واحد أو مؤسسة واحدة؟
اللافت أيضًا أن تتويج الأستاذ المغربي جاء في سياق إفريقي يتغير بسرعة. فالقارة تواجه تحديات تعليمية ضخمة: تفاوت في الولوج إلى التعليم، نقص في الموارد، تحولات ديمغرافية كبيرة، تفاوت رقمي، وحاجة متزايدة إلى مدرسين قادرين على التكيف مع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة. وفي قلب هذه التحديات يصبح الإبداع التربوي ضرورة لا ترفًا.
إفريقيا لا تحتاج فقط إلى استيراد نماذج التعليم من الخارج، بل تحتاج أيضًا إلى الثقة في ابتكارات مدرسيها. تجربة «Math Kids» مهمة من هذه الزاوية لأنها تقول إن الحلول قد تولد من داخل الفصل الإفريقي نفسه، ومن داخل البيئة المحلية، ومن خلال فهم حقيقي لحاجات الطفل.
وبالنسبة إلي، هناك دلالة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن هذا التتويج يثبت أن الابتكار لا يرتبط دائمًا بالتكنولوجيا المتقدمة. نحن نعيش اليوم افتتانًا كبيرًا بالذكاء الاصطناعي واللوحات الرقمية والتطبيقات التعليمية، وهي أدوات مهمة بلا شك، لكن التجربة المغربية تذكرنا بأن المسرح، والحركة، واللعب، والقصص، يمكن أن تكون أدوات بالغة القوة أيضًا. المهم ليس الأداة في حد ذاتها، بل قدرتها على إشعال فضول الطفل.
المدرس الذكي ليس من يستخدم أحدث جهاز فقط، بل من يعرف كيف يخلق الدهشة داخل القسم، وكيف يجعل المتعلم ينتظر الحصة بدل أن يخاف منها. لذلك أرى أن جوهر تجربة مسعود عريبة لا يكمن في المسرح وحده، بل في فلسفة أعمق: إعادة الإنسان إلى مركز العملية التعليمية.
وهذا بالضبط ما نحتاجه في عصر الذكاء الاصطناعي. قد تستطيع الخوارزمية أن تحل مسألة رياضية في أجزاء من الثانية، وقد يستطيع تطبيق رقمي أن يقدم آلاف التمارين، لكن السؤال يبقى: من سيجعل الطفل يحب السؤال؟ ومن سيمنحه الثقة؟ ومن سيكتشف خوفه أو تردده؟ من سيحول الخطأ إلى فرصة؟ هنا يظل المدرس حاضرًا بوصفه إنسانًا قبل كل شيء.
إن تكريم مدرس مغربي على مستوى الاتحاد الإفريقي ينبغي ألا يمر في نظري كخبر احتفالي ليوم أو يومين. الأهم هو ما بعد الجائزة. هل ستدرس التجربة داخل مراكز تكوين المدرسين؟ هل ستتاح لها فرصة الانتشار؟ هل ستتحول إلى ورشات أو دليل بيداغوجي؟ وهل ستشجع الوزارة والمديريات والأكاديميات الجهوية مدرسين آخرين على تقديم مبادرات مشابهة؟
الجوائز لا تكون ذات معنى حقيقي إلا حين تنتقل من الاحتفاء بالأشخاص إلى بناء ثقافة. وإذا بقي الإنجاز معزولًا عن باقي المنظومة، فإننا نخسر جزءًا كبيرًا من قيمته.
أعتقد أيضًا أن هذا الفوز يبعث برسالة إيجابية إلى آلاف المدرسين المغاربة الذين يشعر بعضهم بأن مجهودهم اليومي لا يُرى. إن تجربة واحدة تستطيع أن تقول لهم إن الفكرة الصغيرة قد تعبر الحدود، وإن المبادرة داخل قسم متواضع قد تتحول إلى نموذج قاري، وإن العمل التربوي الجاد قادر على أن يصنع أثرًا خارج أسوار المدرسة.
من تارودانت إلى إسواتيني، قطع مشروع «Math Kids» مسافة جغرافية طويلة، لكنه قطع أيضًا مسافة رمزية أهم: من فكرة داخل القسم إلى اعتراف إفريقي. وهذه الرحلة في حد ذاتها تستحق التأمل.
لقد تعودنا أحيانًا أن نربط صورة المدرسة بالأزمات فقط، وأن نتحدث عن الاكتظاظ والمناهج والمشاكل والنقص. هذه القضايا حقيقية ولا يجوز تجاهلها، لكن من الإنصاف أيضًا أن نبحث عن قصص النجاح، لا لكي نخفي الأعطاب، بل لكي نعرف أن الإصلاح ممكن وأن داخل المدرسة نفسها طاقات قادرة على إنتاج الحلول.
أنا لا أرى في مسعود عريبة مجرد مدرس فاز بجائزة، بل أرى في قصته صورة للمدرس الذي يرفض الاستسلام لرتابة المقرر، والذي يعيد تشكيل الدرس لكي يناسب الطفل، لا أن يجبر الطفل على التكيف مع درس جامد.
إنه نوع من المدرسين تحتاج إليه المدرسة الحديثة: المدرس الذي يسأل، يجرب، يخطئ، يعدل، يبتكر ويشارك تجربته.
وبقدر ما أشعر بالاعتزاز بهذا التتويج المغربي، فإنني أرى أنه يحمل أيضًا مسؤولية. فالاعتراف الإفريقي ينبغي أن يدفعنا داخل المغرب إلى إعادة التفكير في كيفية دعم المدرس المبتكر وتقديره، ليس فقط بالميداليات، بل بشروط العمل والتكوين المستمر والحرية البيداغوجية والتحفيز.
في النهاية، يمكن لجائزة أن تلمع يومًا، لكن الفكرة الجيدة قد تغير أجيالًا. وما حققه الأستاذ مسعود عريبة يثبت أن الابتكار لا يحتاج دائمًا إلى ضجيج كبير؛ قد يبدأ من طفل لا يحب الرياضيات، ومن مدرس يقرر أن يغير طريقة شرحها، ومن خشبة صغيرة داخل مدرسة مغربية، ثم يصل بعد سنوات إلى منصة إفريقية تقول له: لقد صنعت فرقًا.
وهذه، بالنسبة إلي، أجمل جائزة يمكن أن يحصل عليها مدرس.







0 التعليقات:
إرسال تعليق