وقفت أمام واجهة هذه المكتبة في أستانا كما لو أنني أقف أمام نافذة أخرى تطل على كازاخستان، نافذة لا تمر منها الرياح الباردة ولا أصوات الشوارع، وإنما تعبر منها الحكايات والوجوه والذاكرة. كانت الكتب مصطفة خلف الزجاج في هدوء، بينما انعكست على الواجهة أشجار المدينة وعماراتها وضوء النهار، فاختلطت الصفحات بالعالم الخارجي، وأحسست للحظة أن الكتاب هنا ليس جسما ورقيا موضوعا للبيع، بل جزء من المشهد الحضري، مثل الشجرة والعمارة والطريق والنصب التذكاري.
استوقفتني أولا تلك
الأغلفة التي تحمل وجوه كتاب وشخصيات من الذاكرة الكازاخية. بعض الوجوه صارمة، وبعضها
غارق في تأمل بعيد، وكأن أصحابها ما زالوا يراقبون تحولات بلادهم من وراء الورق. وبعد
زيارتي لمتحف الكاتب الكازاخي ساكن سيفولين، صرت أنظر إلى الكتاب الكازاخي بعين مختلفة؛
لم يعد بالنسبة إلي مجرد نص مكتوب بل أصبح شاهدا على زمن طويل من البحث عن الذات واللغة
والوطن. ففي هذه البلاد التي عبرتها الإمبراطوريات والقبائل والحقبة السوفياتية ثم
الاستقلال، تبدو الكتابة وكأنها طريقة لمقاومة النسيان.
على أحد الرفوف يظهر
كتاب يحمل في عنوانه كلمة «التاريخ»، وإلى جانبه كتب أدبية وسيرية، وفي الأسفل عناوين
تتصل بالخيل والسهوب والـ«يورت»، ذلك البيت التقليدي الدائري الذي رافق حياة الرحّل
في آسيا الوسطى. بدت لي هذه العناوين وكأنها أجزاء من قاموس كازاخستان الكبير: الحصان،
الخيمة، السهوب، الذاكرة، المدينة، الإنسان. وليس من قبيل المصادفة أن يحضر الحصان
بقوة في ثقافة هذه البلاد؛ فهو لم يكن مجرد وسيلة سفر، بل كان شريكا في المغامرة التاريخية
للإنسان الكازاخي، كما كانت السهوب فضاء مفتوحا صاغ خياله وإيقاع حياته.
وبين هذه الكتب المحلية
ظهر فجأة وجه آخر من عالم بعيد: كتاب لروبرت كيوساكي، صاحب مؤلفات المال والاستثمار،
موضوع إلى جانب الكتب الكازاخية. ابتسمت لهذا التجاور الغريب والجميل في الوقت نفسه.
ها هو تاريخ السهوب يقف إلى جوار ثقافة الاقتصاد الحديثة، وكتب التراث بجانب كتب النجاح
المالي، وكأن رف المكتبة يلخص الانتقال الذي تعيشه كازاخستان نفسها: بلد يحتفظ بجذوره
العميقة، لكنه يفتح أبوابه في الوقت ذاته على اقتصاد السوق وعلى ثقافات العالم.
وفي رف آخر يبرز كتاب
عن أمريكا، وفي جواره مؤلفات تتنوع موضوعاتها وصورها. شعرت أن هذه المكتبة الصغيرة
لا تعرض هوية منغلقة على ذاتها، وإنما تقدم قارئا كازاخيا يعيش في تقاطع طرق ثقافية
متعددة. إنه يقرأ ماضيه، لكنه يريد أيضا أن يعرف العالم. يقرأ بلغته، لكنه ينظر إلى
ثقافات أخرى. وربما تكمن إحدى أسرار المجتمعات الحديثة في هذه القدرة على أن تحافظ
على ذاكرتها دون أن تحولها إلى جدار.
كان الزجاج الذي يفصلني
عن الكتب يزيد المشهد شاعرية. انعكاس الأشجار فوق الأغلفة جعل بعض الوجوه تبدو وكأنها
تطل من غابة، وانعكاس بنايات أستانا الحديثة فوق كتب التاريخ جعل الماضي والحاضر يتراكبان
في صورة واحدة. خلف الزجاج كانت كازاخستان المكتوبة، وأمامه كانت كازاخستان التي تمشي
في الشوارع وتبني الأبراج وتستقبل الغرباء.
وأنا المغربي القادم
من بلاد بعيدة، وجدت نفسي أبحث بين تلك العناوين عما يجمع بيننا. تذكرت مكتبات فاس
القديمة، وباعة الكتب، ورفوف المؤلفات العربية التي تحمل وجوه كتاب رحلوا منذ عقود
وما زالوا يعيشون بيننا. أدركت أن المسافات بين الشعوب قد تكون آلاف الكيلومترات، لكن
المسافة بين كتاب وكتاب لا تتجاوز بضعة سنتيمترات على الرف. الأدب يلغي الجغرافيا بطريقة
هادئة؛ يجعل كاتبا مغربيا يقف في أستانا أمام كتاب كازاخي لا يعرف لغته، ومع ذلك يشعر
أن بينهما حديثا ممكنا.
ربما لم أستطع قراءة
معظم العناوين المكتوبة بالكازاخية، لكنني قرأت أشياء أخرى لا تحتاج إلى ترجمة: صورة
الحصان، ملامح الكاتب، الخيمة التقليدية، لوحة السهوب، وجوه الرجال والنساء، وشغف شعب
يريد أن يكتب حكايته بنفسه. فالكتب لا تُقرأ دائما من الكلمات وحدها؛ أحيانا يكفي أن
نقف أمامها لكي نسمع شيئا من صمتها.
غادرت واجهة المكتبة
وأنا أفكر أن أجمل طريقة لاكتشاف بلد ليست فقط زيارة متاحفه ونصبه وأسواقه، بل الوقوف
أيضا أمام رفوف كتبه. ففي المتاحف نرى ما اختار التاريخ أن يحتفظ به، وفي الشوارع نرى
ما يصنعه الحاضر، أما في المكتبات فنرى ما يحلم به الإنسان وما يخشاه وما يريد أن يتركه
لمن سيأتي بعده.
وهكذا بدت لي هذه الواجهة
الصغيرة في أستانا أكبر من مجرد محل لبيع الكتب. بدت مثل خريطة روحية مصغرة لكازاخستان:
سهوب وخيول وكتّاب وذاكرة وتاريخ، وإلى جانبها عالم حديث يطرق الباب. وبين كل تلك الأغلفة
كان ثمة سؤال صامت يرافقني: ماذا يبقى من الأمم عندما تنتهي الرحلات وتتغير المدن؟
ربما يبقى الكتاب.
ويبقى قارئ غريب، مثلي،
يقف يوما أمام واجهة بعيدة، فيشعر أن تلك الكتب التي لا يستطيع قراءة لغتها قد قالت
له، مع ذلك، الكثير.








0 التعليقات:
إرسال تعليق