الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أكتوبر 02، 2026

متحف ساكن سيفولين في أستانا... بيتٌ خشبي يحرس ذاكرة الأدب الكازاخي بقلم عبده حقي


وسط المشهد العمراني الحديث للعاصمة الكازاخية أستانا، حيث الأبراج الزجاجية والعمارات ذات التصاميم المستقبلية، يفاجئ الزائر بيت خشبي قديم يبدو كأنه قاوم الزمن حتى يروي قصة مختلفة عن المدينة. هنا يوجد متحف ساكن سيفولين، أحد أهم الفضاءات الثقافية التي تحفظ ذاكرة الأدب الكازاخي الحديث وتعرّف الزائر بواحد من أبرز كتاب وشعراء كازاخستان في القرن العشرين.

ساكن سيفولين، واسمه الكامل ساكن «سادفاكاس» سيفولين، ولد سنة 1894، ولم يكن مجرد شاعر أو روائي، بل كان أيضًا شخصية سياسية وثقافية ارتبط اسمها بمرحلة شديدة التعقيد من تاريخ كازاخستان. أسهم في تطوير الأدب باللغة الكازاخية وفي تشجيع جيل من الكتاب، قبل أن تطاله حملات القمع الستالينية؛ فأُعدم سنة 1938، ثم أعيد إليه الاعتبار رسميًا بعد وفاته سنة 1958. «

يكتسب المتحف أهميته منذ اللحظة التي يقترب فيها الزائر من المبنى. فالبيت الخشبي التاريخي، بزخارف نوافذه وأبوابه وطرازه المعماري القديم، يشكل نقيضًا بصريًا واضحًا لأستانا الحديثة. وتوضح المصادر التاريخية أن سيفولين لم يكن يسكن في هذا المبنى كما قد يتبادر إلى الذهن، بل كان يعمل فيه في فترة من حياته، بينما كان منزله في مكان آخر من مدينة أكمولا القديمة، وهي أستانا الحالية.

في الداخل يبدأ اللقاء الحقيقي مع الكاتب. لا نكون أمام صور معلقة على الجدران فحسب، بل أمام محاولة لإعادة تركيب حياته اليومية والثقافية. تضم مقتنيات المتحف مخطوطات ووثائق وصورًا نادرة وكتبًا ومتعلقات شخصية؛ ومن بينها آلة كتابة من طراز Underwood، وساعة جيب ذهبية، وعصاه وملابسه، فضلًا عن صور أسرته ووثائق مختلفة. كما تعرض آلة الخياطة التي كانت تستعملها زوجته غولبهارام سيفولينا. وتشير المصادر الرسمية في أستانا إلى أن مجموعة المتحف تجاوزت ستة آلاف قطعة.

ويبدو مكتب الكاتب من أكثر أركان المتحف إثارة بالنسبة إلى محبي الأدب. المكتب الخشبي وآلة الكتابة والكتب والأثاث القديم تجعل الزائر يتخيل الساعات الطويلة التي كان الكاتب يقضيها بين الأوراق والكلمات. هنا تتحول الكتابة من فكرة مجردة إلى أثر مادي؛ فالآلة التي كانت تنتج الحروف، والكتب التي أحاطت بصاحبها، والمخطوطات التي تحمل أثر يده، كلها تجعل الكاتب حاضرًا رغم مرور عشرات السنين على رحيله.

لكن قيمة متحف ساكن سيفولين تتجاوز الاحتفاء بشخص واحد. إنه مدخل لفهم مرحلة كاملة من تاريخ كازاخستان، مرحلة تداخلت فيها النهضة الثقافية مع التحولات السياسية الكبرى للاتحاد السوفياتي، ودفع فيها عدد من المثقفين ثمن أفكارهم ومواقفهم وحضورهم العام. قصة سيفولين نفسها تجمع الأدب والسياسة والمأساة، ولهذا تبدو زيارة المتحف أقرب إلى قراءة فصل من تاريخ البلاد، وليس مجرد مشاهدة مقتنيات أديب راحل.

وتحافظ أستانا على هذا البيت القديم باعتباره جزءًا من ذاكرتها المعمارية أيضًا. يقع المتحف في شارع مختار أويزوف رقم 20، في الجزء التاريخي من العاصمة، ويشكل واحدًا من المباني الخشبية التي بقيت شاهدة على أكمولا القديمة قبل أن تتحول المدينة إلى العاصمة الحديثة التي نراها اليوم. «

ما يلفتني في مثل هذه المتاحف هو ذلك الاحترام الذي تمنحه الأمم لكتابها وشعرائها. فالكاتب بعد موته لا يبقى مجرد اسم على أغلفة الكتب، بل يتحول بيته ومكتبه وآلته الكاتبة ورسائله وصوره إلى جزء من الذاكرة الجماعية. ومن هذه الزاوية تبدو زيارة متحف ساكن سيفولين درسًا ثقافيًا يتجاوز كازاخستان: الأمم التي تحفظ ذاكرة كتابها تحفظ جانبًا أساسيًا من هويتها.

وأنا أخرج من هذا البيت الخشبي إلى شوارع أستانا الحديثة، يصبح التناقض بين الماضي والحاضر أكثر وضوحًا. خلفي عالم من الورق والمخطوطات والخشب والصور بالأبيض والأسود، وأمامي مدينة من الزجاج والفولاذ والتكنولوجيا. وبين العالمين يقف ساكن سيفولين شاهدًا على أن الحداثة لا تكتمل إلا عندما تعرف المدينة كيف تحمل ماضيها معها وهي تتجه إلى المستقبل.

0 التعليقات: