إذا أردت أن أقرأ تاريخ السياسة المغربية من نافذة واحدة، فسأختار البرلمان. ففي قاعة مجلس النواب تختصر أكثر من ستة عقود من التحولات التي عرفها المغرب: دساتير تغيرت، وأحزاب صعدت وأخرى تراجعت، وأنظمة اقتراع أعيد تشكيلها، وعدد النواب تضاعف تقريباً، وانتقلت المؤسسة التشريعية من تجربة أولى قصيرة ومتوترة إلى برلمان من غرفتين يضم اليوم 515 عضواً بين مجلس النواب ومجلس المستشارين. ومع اقتراب انتخابات 23 شتنبر 2026، تبدو العودة إلى هذه الرحلة ضرورية، ليس باعتبارها سرداً للتواريخ فقط، بل لأنها تكشف كيف تغيرت فكرة التمثيل السياسي نفسها في المغرب.
البداية الدستورية كانت سنة 1962، مع أول دستور للمملكة بعد الاستقلال، لكن أول انتخابات تشريعية لم تجر إلا في 17 ماي 1963. تشكل البرلمان الأول من غرفتين: مجلس للنواب يضم 144 عضواً منتخبين بالاقتراع العام المباشر، ومجلس للمستشارين يضم 120 عضواً منتخبين بطريقة غير مباشرة. لم تستمر هذه التجربة طويلاً، إذ امتدت الولاية التشريعية الأولى من 1963 إلى 1965، لكنها وضعت البنية الأولى للمؤسسة البرلمانية المغربية.
بعدها دخل المغرب مرحلة مختلفة. جاء دستور 1970 وأصبح البرلمان بغرفة واحدة. ضم مجلس النواب آنذاك 240 عضواً، لكن 90 فقط كانوا ينتخبون مباشرة من المواطنين، مقابل 90 يمثلون الجماعات المحلية و60 يمثلون الغرف المهنية وممثلي المأجورين. هذه الهندسة الانتخابية تكشف أن مفهوم التمثيل البرلماني في تلك المرحلة كان يقوم على المزج بين الاقتراع المباشر وتمثيل الهيئات المهنية والمحلية.
ومع انتخابات 1977 بدأت الولاية التشريعية الثالثة. وتختلف بعض المصادر البرلمانية القديمة في الأرقام التفصيلية لهذه المرحلة؛ فصفحة تاريخية رسمية تشير إلى 267 عضواً، بينهم 178 منتخباً بالاقتراع المباشر و89 بالاقتراع غير المباشر، بينما تعرض صفحة أخرى أرقاماً مختلفة قليلاً. لكن الثابت أن البرلمان ظل أحادي الغرفة وأن جزءاً مهماً من النواب لم يكن يصل إليه عن طريق التصويت الشعبي المباشر.
في انتخابات 1984 ارتفع عدد أعضاء مجلس النواب إلى 306 أعضاء: 204 منتخبون مباشرة، و60 يمثلون الجماعات المحلية، و42 عن الغرف المهنية وممثلي المأجورين. وهكذا صار البرلمان أكبر عدداً وأكثر تنوعاً من حيث مصادر التمثيل، بينما استمرت الصيغة المختلطة التي تجمع بين الاقتراع المباشر وغير المباشر.
ثم جاءت محطة 1993 بعد دستور 1992. بلغ عدد أعضاء مجلس النواب 333 عضواً، انتخب 222 منهم مباشرة، بينما انتخب 111 بواسطة هيئات ناخبة مرتبطة بالمجالس المحلية والغرف المهنية وممثلي المأجورين. كانت تلك آخر مرحلة تقريباً من النموذج الذي يضم داخل مجلس النواب نفسه ممثلين منتخبين بطرق مختلفة.
أما التحول المؤسساتي الكبير فجاء مع دستور 1996 وانتخابات 1997. عاد المغرب إلى نظام الغرفتين، وتكون مجلس النواب من 325 عضواً منتخبين جميعاً بالاقتراع العام المباشر لمدة خمس سنوات، بينما استحدث مجلس للمستشارين يضم 270 عضواً منتخبين بطريقة غير مباشرة. ومنذ تلك المرحلة أصبح المواطن ينتخب أعضاء مجلس النواب مباشرة، بينما أصبحت الجماعات والغرف المهنية وممثلو المأجورين ممثلين أساساً في الغرفة الثانية.
انتخابات 2002 دشنت الولاية التشريعية السابعة وحافظ مجلس النواب على 325 مقعداً. وقد سجلت المشاركة في تلك الانتخابات، بحسب الاتحاد البرلماني الدولي، نحو 52 في المائة من المسجلين. كما كانت تلك الانتخابات محطة لافتة في توسع حضور النساء داخل البرلمان، إذ تشير بيانات الاتحاد البرلماني الدولي إلى وجود 35 امرأة في مجلس النواب بعد اقتراع 2002، بعدما كان تمثيل النساء محدوداً للغاية في المراحل السابقة.
وجاءت انتخابات 2007 لتفتح الولاية الثامنة، لكن التحول الأكبر كان ينتظر سنة 2011. ففي سياق إقليمي وداخلي استثنائي صدر دستور جديد أعاد تنظيم عدد من الاختصاصات والعلاقات بين المؤسسات، وارتفع عدد أعضاء مجلس النواب من 325 إلى 395 نائباً. توزعوا آنذاك بين 305 مقاعد في الدوائر المحلية و90 مقعداً في دائرة وطنية، خصص منها 60 للنساء و30 للشباب. وفي الوقت نفسه تقلص مجلس المستشارين لاحقاً إلى 120 عضواً وفق البنية المنصوص عليها في النظام الدستوري الجديد.
ومنذ ذلك التاريخ استقر العدد القانوني لأعضاء مجلس النواب عند 395. انتخابات 2011 دشنت الولاية التاسعة، وانتخابات 2016 الولاية العاشرة، ثم انتخابات 8 شتنبر 2021 الولاية الحادية عشرة. ويكشف مسار التمثيل النسائي عن تحول واضح: الاتحاد البرلماني الدولي يسجل صفراً من النساء في بيانات 1963 و1970 و1977 و1984، وامرأتين فقط سنة 1993، ثم 35 بعد انتخابات 2002، و66 إلى 67 تقريباً بعد انتخابات 2011، و81 سنة 2016، وصولاً إلى 90 امرأة مباشرة بعد انتخابات 2021، قبل أن يرتفع العدد لاحقاً إلى نحو 95 و96 نائبة نتيجة تغيرات طرأت على تركيبة المجلس.
وهكذا انتقل البرلمان المغربي، بالأرقام وحدها، من مجلس نواب من 144 عضواً سنة 1963 إلى مجلس يضم 395 نائباً اليوم؛ وانتقل من صيغة كان جزء من النواب فيها منتخباً بطريقة غير مباشرة إلى غرفة أولى ينتخب جميع أعضائها بالاقتراع العام المباشر؛ كما تحول من تمثيل نسائي شبه منعدم إلى تمثيل يقترب من ربع أعضاء المجلس.
والآن يصل المسار إلى محطة 2026. فقد حددت الحكومة الأربعاء 23 شتنبر 2026 موعداً لانتخاب أعضاء مجلس النواب، والحملة الانتخابية جارية منذ 10 شتنبر وتنتهي منتصف ليلة 22 شتنبر. وسيختار الناخبون 395 نائباً بالاقتراع العام المباشر باللائحة. ويشير الموقع الرسمي الخاص بالانتخابات إلى مشاركة 27 حزباً سياسياً. (
وتعطينا الترشيحات صورة أخرى عن حجم العملية السياسية الحالية. فقد أعلن رسمياً عن تقديم 1850 لائحة ترشيح على الصعيد الوطني، كما أن 227 من البرلمانيين المزاولين لمهامهم تقدموا مجدداً للانتخابات، بينهم 204 نواب و20 نائبة وثلاثة مستشارين. وتكشف الأرقام أن معظم الأحزاب الكبرى قدمت لوائح تغطي غالبية الدوائر المحلية والجهوية، ما يجعل انتخابات 2026 استحقاقاً واسع المنافسة من حيث العرض الحزبي، بصرف النظر عن النتائج التي سيحددها الناخبون في 23 شتنبر.
وعندما أضع هذه المحطات جنباً إلى جنب، أجد أن تاريخ البرلمان المغربي يمكن اختزاله تقريباً في أربعة أرقام: 144 نائباً سنة 1963، 240 سنة 1970، 333 سنة 1993، و395 منذ 2011. لكن وراء هذه الأعداد توجد تحولات أعمق بكثير: الانتقال بين نظام الغرفة الواحدة والغرفتين، توسيع الاقتراع المباشر، إدخال آليات لتعزيز تمثيل النساء والشباب، وتغيير القوانين التنظيمية للانتخابات مراراً خلال 1963 و1970 و1977 و1992 و1997 و2002 و2007 و2011 و2016 و2021 وصولاً إلى الترتيبات القانونية الحالية. ويسجل أرشيف مجلس النواب نفسه هذا التراكم التشريعي المتواصل في تنظيم انتخاب الغرفة الأولى.
لذلك لا أرى انتخابات 2026 مجرد اقتراع جديد يضاف إلى سلسلة الانتخابات السابقة. إنها حلقة أخرى في تاريخ بدأ دستورياً سنة 1962 وانتخابياً سنة 1963، ومر بمحطات 1970 و1977 و1984 و1993 و1997 و2002 و2007 و2011 و2016 و2021. وبعد أكثر من ستة عقود يصبح السؤال التاريخي الأهم ليس فقط: كم نائباً سيدخل البرلمان؟ بل أيضاً: كيف تغيرت علاقة المغربي بصندوق الاقتراع وبالنائب والحزب والمؤسسة التشريعية نفسها؟
فالبرلمان المغربي الذي بدأ بـ144 نائباً منتخباً مباشرة سنة 1963 يدخل انتخابات 2026 بمجلس من 395 مقعداً، وسط مجتمع مختلف تماماً، ووسائل إعلام مختلفة، وناخبين أكثر اتصالاً بالشبكات الرقمية، وحملة سياسية تتحرك في الشارع وفي الهاتف في الوقت نفسه. الأرقام تخبرنا بحجم التحول المؤسساتي، أما يوم 23 شتنبر 2026 فسيفتح الفصل التالي من هذه القصة، ونتائجه لم تُكتب بعد.
ملاحظة زمنية مهمة: نحن اليوم 19 شتنبر 2026، لذلك لا يصح بعد الحديث عن «نتائج تشريعيات 2026». الاقتراع مقرر بعد أربعة أيام، في 23 شتنبر 2026، والنتائج الأولية منتظر إعلانها ابتداءً من 24 شتنبر.








0 التعليقات:
إرسال تعليق