الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، سبتمبر 19، 2026

ماذا بقي للجزائر داخل مجلس الأمن؟ uf$i prd


ليس كل إعلان دبلوماسي جديدًا في مضمونه، لكن بعض الإعلانات تكتسب أهميتها من التوقيت والسياق ومن الأطراف التي تختار أن تقول الشيء نفسه في اللحظة نفسها. وهذا بالضبط ما أراه في البيان المشترك الذي جدّدت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل اعترافهما بالسيادة المغربية على الصحراء ودعمهما لمقترح الحكم الذاتي المغربي، بالتزامن مع انتقال العلاقات المغربية–الإسرائيلية نحو مستوى السفارات وتبادل السفراء. بالنسبة إليّ، المسألة هنا لا تختزل في جملة دبلوماسية مؤيدة للموقف المغربي، وإنما تكشف عن إعادة تركيب أوسع لملف الصحراء داخل شبكة متداخلة من المصالح الأمريكية والإسرائيلية والمغربية، وفي مقابلها الحسابات الجزائرية، فيما تبقى الأمم المتحدة الإطار الدولي الذي لم يغلق الملف قانونيًا وسياسيًا.

البيان الثلاثي الصادر في شتنبر 2026 واضح في لغته: الولايات المتحدة وإسرائيل جددتا الاعتراف بالسيادة المغربية على كامل إقليم الصحراء الغربية، وأعلنتا دعم مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره، في موقفهما، أساسًا للتوصل إلى تسوية دائمة. وهذه ليست بداية للموقف الأمريكي؛ فالاعتراف الأمريكي يعود إلى سنة 2020، وقد أعاد الرئيس دونالد ترامب تأكيده في غشت 2026. الجديد هنا هو أن هذا الموقف يُعاد تثبيته داخل إطار ثلاثي يجمع المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل في لحظة تتزامن أيضًا مع تعميق العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وتل أبيب.

من منظوري، هذه النقطة مهمة لأن الدبلوماسية لا تُقاس فقط بعدد الدول التي تعلن دعم موقف ما، بل بدرجة استمرارية هذا الدعم وقدرته على الانتقال من تصريحات ظرفية إلى بنية سياسية ممتدة. بالنسبة إلى المغرب، كان أحد أهم التحديات منذ الاعتراف الأمريكي سنة 2020 هو ضمان ألا يبقى ذلك الاعتراف مرتبطًا بلحظة سياسية عابرة أو بإدارة أمريكية بعينها. تكرار التأكيد الأمريكي بعد ست سنوات يمنح الرباط عنصر استمرارية سياسيًا، حتى وإن ظل الموقف الأمريكي في نهاية المطاف موقف دولة، وليس قرارًا صادرًا عن الأمم المتحدة أو حكمًا دوليًا ملزمًا لبقية الدول.

أما إسرائيل، فإن إعادة تأكيد موقفها تحمل دلالة مختلفة. فقد سبق لها الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء في 2023، واليوم يأتي تجديد هذا الاعتراف بينما تتجه العلاقات الثنائية إلى مستوى السفارات والسفراء. وأفهم من ذلك أن ملف الصحراء أصبح جزءًا ثابتًا من البنية السياسية للعلاقة بين البلدين، إلى جانب التعاون الأمني والتكنولوجي والاقتصادي. وقد أعلنت إسرائيل والمغرب بالفعل الاتفاق على الارتقاء بالعلاقات الدبلوماسية عبر فتح سفارات وتعيين سفراء، في خطوة تتجاوز الصيغة السابقة القائمة على مكاتب الاتصال. 

لكنني لا أقرأ هذه العلاقة باعتبارها طريقًا في اتجاه واحد. المغرب بدوره يسعى إلى تحويل العلاقات الخارجية إلى شبكة مصالح عملية، تتداخل فيها التكنولوجيا والأمن والاستثمار والطاقة والسياحة والمياه والزراعة. البيان الثلاثي نفسه أشار إلى توسيع التعاون في هذه المجالات. ولذلك فإن الربط بين الصحراء والتعاون الثلاثي ليس مجرد مصادفة بروتوكولية، بل يعكس محاولة لجعل المصالح السياسية مرتبطة بمصالح اقتصادية واستراتيجية يصعب فصل بعضها عن بعض مستقبلًا. 

هنا تظهر الجزائر بوصفها الطرف الإقليمي الأكثر تأثرًا بهذه التحولات. الجزائر تدعم جبهة البوليساريو وتعارض الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء، كما ترفض التطبيع مع إسرائيل. ولهذا فإن اجتماع عنصرين تعارضهما الجزائر، أي تعزيز الموقف المغربي في الصحراء وتعميق العلاقات المغربية–الإسرائيلية، سيُقرأ في الجزائر من زاوية مغايرة تمامًا لقراءة الرباط. الموقف الجزائري المعلن تجاه دول دعمت مقترح الحكم الذاتي يؤكد استمرار تمسك الجزائر بحق تقرير المصير ورفضها اعتبار السيادة المغربية نتيجة محسومة للنزاع. وفي ردها على التحول البريطاني نحو دعم الحكم الذاتي، شددت الخارجية الجزائرية مثلًا على أن لندن لم تعترف بالسيادة المغربية وأن الملف ينبغي أن يبقى خاضعًا لمسار تصفية الاستعمار وتقرير المصير وفق تصورها.

لهذا أعتقد أن التطور الأخير لن يقلص التنافس المغربي–الجزائري على المدى القريب، بل قد يدفعه أكثر نحو المجال الدبلوماسي. المغرب سيواصل السعي إلى توسيع دائرة الدول الداعمة للحكم الذاتي أو المعترفة بسيادته، فيما ستعمل الجزائر على التأكيد أن الاعترافات الثنائية لا تحسم الوضع القانوني للنزاع ولا تلغي حق تقرير المصير كما تفهمه هي والبوليساريو. والواقع أن التنافس تجاوز الصحراء منذ سنوات وأصبح يشمل إفريقيا والساحل والعلاقات مع القوى الكبرى والتحالفات العربية والمتوسطية. وتوتر علاقات الجزائر أخيرًا مع الإمارات، وهي دولة قريبة من المغرب وداعمة لموقفه في الصحراء، يقدم مثالًا إضافيًا على اتساع رقعة هذا التشابك الإقليمي. 

ومع ذلك، تبقى الأمم المتحدة هي النقطة التي ينبغي ألا أفقدها من التحليل. فالقول إن واشنطن وتل أبيب تعترفان بسيادة المغرب لا يعني أن الأمم المتحدة اعترفت بهذه السيادة. قرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، جدّد مهمة المينورسو حتى 31 أكتوبر 2026، وأكد السعي إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف يقوم على التوافق ويتسق مع ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك مبدأ تقرير المصير. وفي الوقت نفسه، أعطى القرار لمقترح الحكم الذاتي المغربي وزنًا أكبر في العملية التفاوضية ودعا إلى محادثات تنطلق منه كأساس، دون أن يجعل نتيجة التفاوض محسومة مسبقًا.

وهذا التفصيل في رأيي حاسم. فمسار الأمم المتحدة تطور بالفعل في اتجاه يمنح المبادرة المغربية موقعًا أكثر مركزية، لكنه لم يتحول إلى اعتراف أممي بالسيادة المغربية. المبعوث الشخصي للأمين العام ستافان دي ميستورا أوضح بعد صدور القرار أن خطة الحكم الذاتي المغربية ستُتخذ أساسًا للمفاوضات، مع أخذ مقترحات البوليساريو والأفكار الأخرى ذات الصلة في الاعتبار. ولذلك لا أرى تناقضًا في القول إن المغرب حقق تقدمًا دبلوماسيًا ملموسًا، وفي الوقت نفسه الإقرار بأن الحل النهائي ما زال رسميًا موضوع تفاوض أممي. 

بالنسبة إليّ، أخطر خطأ تحليلي يمكن ارتكابه اليوم هو تحويل هذه التطورات إلى إعلان بأن الملف انتهى. لم ينته الملف، لكنه تغير كثيرًا. المغرب راكم اعترافات ومواقف دولية داعمة للحكم الذاتي، وأصبح المقترح المغربي أكثر حضورًا داخل لغة مجلس الأمن مقارنة بمراحل سابقة. في المقابل، لا تزال البوليساريو والجزائر ترفضان السيادة المغربية وتتمسكان بتفسير مختلف لتقرير المصير، كما أن الأمم المتحدة ما تزال تصنف الصحراء الغربية ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

أما العلاقات المغربية–الإسرائيلية، فإن انتقالها إلى مستوى السفارات سيجعلها أكثر مؤسساتية وأقل قابلية للعودة بسهولة إلى الوراء، لكنه سيضع المغرب أيضًا أمام معادلة سياسية دقيقة، لأن العلاقة مع إسرائيل تتحرك داخل بيئة إقليمية شديدة الحساسية بسبب القضية الفلسطينية والصراعات المتواصلة في الشرق الأوسط. وهنا سيحاول المغرب، على الأرجح، الحفاظ على مسارين متوازيين: تطوير مصالحه الثنائية مع إسرائيل، والاستمرار في إعلان دعمه لحل القضية الفلسطينية وفق المرجعيات التي يتبناها رسميًا.

ما أستخلصه في النهاية هو أن البيان الأمريكي–الإسرائيلي لا يصنع واقعًا قانونيًا جديدًا بقدر ما يرسخ واقعًا سياسيًا يتراكم منذ سنوات. المغرب يتحرك اليوم من مرحلة الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي إلى مرحلة محاولة تكريسها باعتبارها الإطار الأكثر حضورًا في النقاش الدولي. الجزائر تحاول منع تحول هذا الزخم إلى نتيجة نهائية مفروضة، والأمم المتحدة تحافظ على مساحة تفاوضية لا تزال مفتوحة. وبين هذه المواقع الثلاثة، تتحول قضية الصحراء من نزاع جامد إلى اختبار لقدرة كل طرف على تحويل الدعم الدبلوماسي إلى تسوية سياسية قابلة للحياة.

وأنا أرى أن أهمية ما حدث في شتنبر 2026 تكمن تحديدًا هنا: ليس في أن الولايات المتحدة وإسرائيل قالتا شيئًا لم تقولاه من قبل، بل في أنهما اختارتا إعادة قوله معًا، في نيويورك، وبالتوازي مع رفع مستوى العلاقات المغربية–الإسرائيلية. وفي الدبلوماسية، قد يكون تكرار الموقف في لحظة محسوبة أهم أحيانًا من إعلان الموقف للمرة الأولى.


0 التعليقات: