كلما ظهرت تصنيفات الاقتصادات الإفريقية والعربية وعادت الجزائر لتتقدم على المغرب من حيث الحجم الاسمي للناتج الداخلي الخام، يخرج من يلوّح بالأرقام وكأنها حسمت النقاش نهائيًا: الجزائر أقوى اقتصاديًا من المغرب، وانتهى الأمر. وأنا أرى أن هذا الاستنتاج متسرع إلى حد بعيد، لأن الاقتصاد لا يُقاس فقط بحجم الرقم الذي تسجله الدولة في نهاية السنة، بل بما تنتجه، وبكيفية إنتاجه، وبقدرتها على تنويع مواردها، وبمدى اندماجها في الصناعة العالمية، وبعدد الفرص التي تخلقها، وبجاذبيتها للمستثمر، وبنوع المستقبل الذي تبنيه.
نعم، الجزائر تملك اقتصادًا أكبر من المغرب من حيث الناتج الداخلي الخام الاسمي، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى جدال. لكنها تملك أيضًا ما لا يملكه المغرب: النفط والغاز. وهنا تبدأ القصة الحقيقية. جزء كبير من القوة المالية الجزائرية يأتي من باطن الأرض. الغاز والنفط يملآن الخزينة، ويرفعان قيمة الصادرات، ويمنحان الدولة إمكانات مالية ضخمة. لكنني لا أستطيع أن أساوي بين اقتصاد يرتفع لأن سعر الغاز ارتفع في السوق الدولية، واقتصاد يرتفع لأنه بنى ميناء، وجذب مصنع سيارات، وطور صناعة طيران، ووسع شبكة طرق، واستقطب ملايين السياح، وفتح أسواقًا جديدة لمنتجاته.
المغرب لم يجد بئر نفط تحت قدميه، ولذلك اضطر إلى أن يبحث عن القوة في عقله وموقعه وبنيته التحتية وقدرته على التفاوض والجذب. وهذا، في تقديري، هو أحد أسرار الفارق بين البلدين. الجزائر وُلدت بثروة طاقية هائلة، أما المغرب فاضطر إلى صناعة جزء كبير من ثروته. وبين من يملك الثروة ومن يصنعها فرق سياسي واقتصادي عميق.
أنظر إلى طنجة اليوم. ميناء طنجة المتوسط ليس مجرد منشأة ضخمة لالتقاط الصور، بل هو ترجمة عملية لرؤية اقتصادية نقلت المغرب إلى قلب التجارة الدولية. حول الميناء نشأت مناطق صناعية ومصانع وشبكات لوجستية وشركات تصدير. ثم جاءت صناعة السيارات لتتحول من نشاط هامشي إلى قطاع استراتيجي، وتأتي صناعة الطيران، والأسمدة، والنسيج، والصناعات الغذائية، والخدمات، والسياحة، والطاقة المتجددة. هذه ليست مجرد عناوين إعلامية؛ إنها محاولة واعية لبناء اقتصاد لا يقف على ساق واحدة.
وهنا أرى أن المقارنة تصبح محرجة للجزائر. كيف يمكن لبلد يملك كل هذه الثروة النفطية والغازية، ومساحة جغرافية هائلة، وسوقًا بشرية كبيرة، وموارد مالية ضخمة، أن يبقى حتى اليوم شديد الارتباط بالمحروقات؟ كيف يمكن أن تبقى أسعار الطاقة العالمية قادرة على رفع الاقتصاد أو إرباكه بهذه القوة؟ أين الصناعات الجزائرية العابرة للأسواق؟ أين العلامات الصناعية الكبرى التي تحولت إلى واجهة اقتصادية للبلد؟ أين الموانئ والمناطق الصناعية التي أصبحت أسماء عالمية في شبكات الإنتاج؟
أنا لا أنكر أن الجزائر تملك قاعدة صناعية وأنها تحاول في السنوات الأخيرة تنويع صادراتها، لكن الفجوة بين الإمكانات والنتائج ما تزال واسعة. المشكلة الجزائرية ليست نقص المال، بل كيفية تحويل المال إلى قوة إنتاجية مستدامة. من السهل نسبيًا أن تمتلك عائدات ضخمة عندما تملك الغاز. الأصعب هو أن تحول تلك العائدات إلى تكنولوجيا ومقاولات خاصة وصادرات متنوعة وابتكار وتنافسية.
في المغرب، الصورة معكوسة تقريبًا. البلد محدود الموارد الطاقية، ويستورد جزءًا كبيرًا من حاجياته، ويواجه الجفاف والبطالة والفوارق الاجتماعية، ومع ذلك استطاع أن يبني لنفسه موقعًا اقتصاديًا يتجاوز حجمه الطبيعي. أصبح منصة صناعية قريبة من أوروبا، وبوابة نحو إفريقيا، ومركزًا لوجستيًا وتجاريًا متزايد الأهمية. وهذه نتيجة لا يمكن تفسيرها بالحظ.
حتى الموقع الجغرافي الذي يتحدث عنه البعض وكأنه هبة مجانية، لا يصبح قوة إلا إذا عرفت الدولة كيف تستثمره. المغرب يطل على المتوسط والأطلسي منذ قرون، لكنه لم يصبح منصة لوجستية كبرى إلا عندما بنى الموانئ والطرق والمناطق الصناعية وأقام شراكات تجارية وجذب الرساميل. الجغرافيا فرصة، والسياسة الاقتصادية هي التي تحول الفرصة إلى قوة.
ولهذا أقول إن ما يميز المغرب اليوم ليس أنه أغنى من الجزائر، فهو ليس كذلك، بل أنه يبدو أكثر قدرة على تحويل موارده المحدودة إلى نفوذ اقتصادي أوسع. وهذه نقطة ينبغي ألا تضيع في لعبة الأرقام.
الجزائر تستطيع بيع الغاز لأوروبا والحصول على مليارات الدولارات خلال أشهر. أما المغرب فعليه أن يقنع شركة عالمية ببناء مصنع، وأن يهيئ المنطقة الصناعية، ويدرب اليد العاملة، ويضمن سلسلة التوريد، ثم ينافس دولًا أخرى على التصدير. الطريق المغربي أصعب، لكنه يخلق خبرة وشبكات صناعية ومهارات تتراكم مع الزمن.
وهذا ما يجعلني أعتبر أن الاقتصاد المغربي أكثر حيوية من الاقتصاد الجزائري، حتى عندما يكون أصغر منه حجمًا. الحيوية ليست رقمًا ساكنًا. الحيوية أن ترى رؤوس أموال جديدة تدخل، ومصانع تفتح، وقطاعات تتوسع، ومدنًا تعيد تشكيل وظائفها الاقتصادية، وشركات عالمية تضع البلد ضمن حساباتها الإنتاجية.
صحيح أن المغرب يعاني من مشاكل لا يجوز تجميلها. البطالة ما تزال مرتفعة، والدخل لا يواكب دائمًا كلفة المعيشة، والفوارق الاجتماعية والمجالية ثقيلة، كما أن جزءًا من النمو لا يصل بالسرعة نفسها إلى المواطن البسيط. وإذا لم تتحول الاستثمارات الضخمة إلى وظائف ودخول أفضل، فإن المواطن لن يأكل أرقام الناتج الداخلي ولا صور المشاريع الكبرى.
لكن هذه الانتقادات لا تلغي الاتجاه العام. المغرب يبني أدوات اقتصاد حديث ومتعدد، بينما ما تزال الجزائر تحاول التحرر من ثقل النموذج الريعي. والفرق بين البلدين أن المغرب يحاول تعويض ما لا يملكه، بينما تبدو الجزائر أحيانًا وكأن ما تملكه من ثروة أخّر لديها ضرورة التغيير.
النفط يمكن أن يكون نعمة، لكنه قد يصبح أيضًا ستارًا يحجب الحاجة إلى الإصلاح. عندما تكون الخزينة ممتلئة، يمكن تأجيل كثير من الأسئلة. وعندما تنخفض الأسعار، تعود الأسئلة نفسها بعنف. أما البلد الذي لا يملك النفط، فلا يستطيع تأجيل السؤال أصلًا: ماذا سننتج؟ ماذا سنصدر؟ من سيستثمر عندنا؟ كيف نخلق القيمة؟
المغرب أجاب عن جزء من هذه الأسئلة بالصناعة واللوجستيك والسياحة والاستثمار الخارجي والفوسفاط والأسمدة والطاقات المتجددة. قد لا تكون الإجابة كاملة، لكنها موجودة وتتطور.
أما السؤال الذي أطرحه على الجزائر فهو أكثر قسوة: ماذا يبقى من قوة اقتصادكم لو اختفت فجأة أفضلية النفط والغاز؟ وماذا يبقى من صادراتكم ومن المالية العمومية ومن هامش الحركة السياسية والاقتصادية؟
هذا ليس سؤالًا عدائيًا، بل هو السؤال الذي يحدد الفرق بين الاقتصاد الكبير والاقتصاد القوي.
الاقتصاد الكبير قد يكون كبيرًا لأن الطبيعة منحته ثروة. أما الاقتصاد القوي فهو الذي يستطيع إنتاج الثروة في ظروف مختلفة، والتكيف، وجذب الاستثمار، وخلق التكنولوجيا، والدخول إلى الأسواق الخارجية بمنتجات متنوعة.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، أرى أن المغرب يتقدم.
لا أقول إن المغرب هزم الجزائر اقتصاديًا، فهذه لغة رياضية ساذجة، ولا أقول إن الجزائر بلد ضعيف، لأنها تملك من الموارد والإمكانات ما يسمح لها بأن تصبح قوة اقتصادية إقليمية ضخمة. لكنني أقول إن المغرب حقق حتى الآن نتيجة لافتة: استطاع أن يجعل محدودية موارده حافزًا للبناء بدل أن يجعلها ذريعة للعجز.
وفي السياسة الاقتصادية، هذه ميزة كبرى.
الجزائر أغنى بالطاقة، لكن المغرب أكثر براعة في توظيف الجغرافيا. الجزائر أكبر من حيث الناتج، لكن المغرب أكثر اندماجًا في بعض سلاسل القيمة الصناعية الدولية. الجزائر تملك احتياطات هائلة تحت الأرض، لكن المغرب بنى موانئ ومصانع وشبكات فوق الأرض.
وهنا تكمن المفارقة التي لا تحسمها جداول الناتج الداخلي الخام.
أنا لا أنظر إلى اقتصاد المستقبل من مرآة الحاضر فقط. أسأل من يراكم الخبرة، من ينوع المخاطر، من يجذب التكنولوجيا، من يوسع قاعدة التصدير، ومن يهيئ نفسه لعالم تقل فيه تدريجيًا مركزية الوقود الأحفوري.
ومن هذه الزاوية أعتقد أن المغرب، رغم كل عيوبه ونقائصه، يتحرك في اتجاه أكثر انسجامًا مع اقتصاد القرن الحادي والعشرين.
لقد تعلم المغرب درسًا بسيطًا وقاسيًا: من لا يجد النفط تحت الأرض، عليه أن يبحث عن الثروة في المصنع والميناء والجامعة والطريق والسوق.
وربما لهذا السبب يبدو المغرب اليوم، في نظري، أصغر من الجزائر في دفتر الحسابات، لكنه أكبر منها في صورة الحركة الاقتصادية التي يبني بها المستقبل.







0 التعليقات:
إرسال تعليق