لم يعد السؤال في المغرب اليوم هو: كم عدد الأشخاص الذين يستعملون شبكات التواصل الاجتماعي؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: ماذا تفعل هذه الشبكات بالمجتمع المغربي، وبالإعلام والثقافة والسياسة والعلاقات الإنسانية؟
فالمعطيات الرقمية المتاحة عن سنة 2026 تكشف أننا أمام مرحلة جديدة من التحول الرقمي. ويقدّر تقرير Digital 2026 عدد مستخدمي الإنترنت في المغرب بنحو 35.5 مليون شخص، بنسبة انتشار تبلغ 92.2 في المائة، فيما بلغ عدد «هويات المستخدمين» على شبكات التواصل حوالي 22.8 مليوناً في أكتوبر 2025، بزيادة تقدر بنحو 1.7 مليون، أي 7.8 في المائة خلال سنة واحدة. كما يقدّر التقرير أن ما يعادل 84.5 في المائة من السكان المغاربة البالغين 18 عاماً فما فوق يمكن الوصول إليهم عبر شبكات التواصل وفق بيانات المنصات الإعلانية.
هذه الأرقام تقول شيئاً أساسياً: المغرب انتقل تدريجياً من مجتمع «يستعمل الإنترنت» إلى مجتمع أصبحت فيه البيئة الرقمية جزءاً من الحياة الاجتماعية نفسها.
السبب الأول، في تقديري، هو الانتشار شبه الشامل للإنترنت المحمول والهاتف الذكي. فالمغربي لم يعد في حاجة إلى حاسوب أو اشتراك منزلي معقد حتى يدخل العالم الرقمي؛ الهاتف أصبح التلفزيون والجريدة والراديو والكاميرا والبريد والمتجر والبنك وفضاء الترفيه في جهاز واحد.
وتشير بيانات Digital 2026 إلى وجود نحو 57.1 مليون اتصال خلوي نشط في المغرب في نهاية 2025، أي ما يعادل 148 في المائة من عدد السكان، وهو رقم لا يعني بالطبع أن لكل مغربي أكثر من هاتف، لأن الفرد قد يتوفر على أكثر من بطاقة أو اتصال، لكنه يكشف مدى اتساع البنية المحمولة التي يقوم عليها الاستهلاك الرقمي المغربي.
أما السبب الثاني فهو أن شبكات التواصل لم تعد تؤدي وظيفة واحدة.
كان فيسبوك في سنواته الأولى مكاناً للعثور على الأصدقاء وتبادل الصور والتعليقات. أما اليوم، فالمستخدم المغربي يدخل الشبكات كي يتابع الأخبار، ويشاهد كرة القدم، ويتعلم وصفة، ويبحث عن طبيب أو مطعم، ويتابع مؤثراً، ويشتري منتجاً، ويرى إعلاناً، ويشاهد مقطعاً ساخراً، ويتابع نقاشاً سياسياً، ويتواصل مع أسرته داخل المغرب وخارجه.
وهذا التعدد في الوظائف يجعل الانسحاب من الشبكات أكثر صعوبة، لأنها لم تعد مجرد وسيلة ترفيه بل أصبحت بنية اجتماعية يومية.
السبب الثالث هو صعود الفيديو القصير.
لقد غير «تيك توك» ثم Reels وShorts طريقة استهلاك المحتوى. المستخدم لم يعد مطالباً بالبحث الطويل أو قراءة نصوص كبيرة؛ الخوارزمية تقدم له سلسلة لا تنتهي من المقاطع المصممة وفق اهتماماته وسلوكه السابق.
وتظهر الأرقام حجم هذا التحول. فقد قدّر Digital 2026 جمهور تيك توك الإعلاني في المغرب بنحو 16.7 مليون مستخدم بالغ، بينما بلغ جمهور يوتيوب الإعلاني نحو 21.6 مليون شخص. وفي المقابل ارتفع جمهور إنستغرام الإعلاني بنسبة تقارب 20.8 في المائة بين أكتوبر 2024 وأكتوبر 2025.
وهذه الأرقام تجعل الفيديو، في نظري، قلب المعركة المقبلة على انتباه المغاربة.
هناك أيضاً سبب رابع شديد الأهمية: تحول شبكات التواصل إلى مصدر للأخبار.
فتقرير Reuters Institute لسنة 2026 يصف البيئة الإخبارية المغربية بأنها أصبحت أكثر تأثراً بالمنصات والفيديو عبر الإنترنت وصناع المحتوى، ويشير إلى أهمية فيسبوك ويوتيوب، إلى جانب واتساب وإنستغرام وتيك توك، في اكتشاف الأخبار وتداولها.
وهنا تقع نقلة تاريخية في علاقة المغربي بالإعلام.
في السابق كانت الصحيفة أو الإذاعة أو التلفزيون تختار الموضوع ثم تقدمه إلى الجمهور. اليوم قد يبدأ الموضوع بتدوينة أو فيديو التقطه مواطن، ثم ينتشر على تيك توك أو فيسبوك أو واتساب، وبعد ساعات تضطر وسائل الإعلام التقليدية إلى متابعته.
أي أن مركز إنتاج الأجندة الإعلامية لم يعد حكراً على المؤسسات الصحفية.
كما لا يمكن إغفال العامل الاقتصادي. آلاف المغاربة أصبحوا ينظرون إلى الشبكات باعتبارها سوقاً وفرصة عمل: إعلانات، تجارة إلكترونية، محتوى مدفوع، خدمات، مطاعم، سياحة، تعليم، عقار، تسويق شخصي ومهن رقمية جديدة.
لقد أصبح الهاتف لدى شاب مغربي قادراً، نظرياً، على أن يكون استوديو تصوير ومونتاج ومنصة نشر ومتجراً في الوقت نفسه.
أتوقع أولاً أن يتباطأ نمو العدد الإجمالي للمستخدمين تدريجياً، ليس بسبب تراجع أهمية الشبكات، بل لأن المغرب يقترب من مرحلة التشبع الرقمي، خصوصاً بين الشباب والبالغين.
بعد تجاوز نسب مرتفعة جداً من انتشار الإنترنت، تصبح المعركة الحقيقية بين الشركات ليست جلب مستخدم جديد، بل الحصول على دقائق إضافية من وقت المستخدم الموجود أصلاً.
ولهذا ستكون «حرب الانتباه» هي عنوان السنوات المقبلة.
أتوقع كذلك استمرار واتساب في موقعه المركزي، لأن قوته لا ترتبط بالموضة بقدر ما ترتبط بوظيفته الأساسية: التواصل اليومي المباشر.
وسيصبح التطبيق أكثر اندماجاً في التجارة وخدمات الشركات والمقاولات الصغيرة والحجز وخدمة الزبائن، بحيث قد يتحول رقم واتساب تدريجياً إلى ما يشبه «العنوان الرقمي» للمحل أو الشركة أو المهني.
أما فيسبوك، فلا أعتقد أنه سيختفي كما تتنبأ بعض الخطابات المتسرعة. الأغلب أنه سيفقد جزءاً من مركزيته لدى الفئات الأصغر سناً، لكنه سيظل قوياً لدى شرائح عمرية واسعة وفي المجموعات المحلية والصفحات الإخبارية والجمعيات والتجارة والإعلانات.
وفي المقابل ستزداد المنافسة بين تيك توك وإنستغرام ويوتيوب.
لكن الاختلاف بين هذه المنصات سيتراجع أيضاً، لأن الجميع أصبح يقلد الجميع: تيك توك يريد البحث والتجارة والفيديو الطويل، وإنستغرام يراهن على Reels، ويوتيوب يستثمر في Shorts، وفيسبوك يدفع الفيديو بقوة.
وبذلك قد نصل إلى مرحلة لا يختار فيها المغربي المنصة بسبب «شكلها»، بل بسبب جودة الخوارزمية التي تعرف ماذا يريد.
والتغيير الأعمق سيكون دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب الشبكات.
سنرى محتويات مولدة آلياً، وترجمات فورية، ومقاطع وصوراً تركيبية، ومؤثرين افتراضيين، وإعلانات مصممة بشكل فردي، ومساعدين رقميين يجيبون ويقترحون ويشترون وربما يتفاعلون نيابة عن المستخدم.
وسينتج عن ذلك سؤال ثقافي خطير: عندما تصبح الصورة والصوت والفيديو قابلة للتصنيع بدرجة يصعب معها التمييز بين الحقيقي والمزيف، كيف سيعرف المغربي ما الذي ينبغي تصديقه؟
أتوقع أيضاً نمواً أكبر للمحتوى المغربي بالدارجة والأمازيغية والعربية، وربما حضوراً متزايداً للإنجليزية إلى جانب الفرنسية، خصوصاً لدى الأجيال الأصغر.
وسيؤدي ذلك إلى نشوء فضاء رقمي مغربي أكثر خصوصية، بأغانيه ونكاته ولهجاته وحكاياته ومؤثريه ومصطلحاته وثقافته الشعبية.
لا أرى أن شبكات التواصل شر مطلق ولا خير مطلق. إنها قوة اجتماعية ضخمة، وما يهم هو شكل استعمالها.
على الجانب الإيجابي، أتاح الفضاء الرقمي للمغاربة حرية تعبير لم تكن متوافرة بالقدر نفسه في الإعلام التقليدي.
يمكن اليوم لمواطن يعيش في قرية صغيرة أن يصور مشكلة طريق أو مدرسة أو مستشفى، وفي ساعات قد تصل قضيته إلى مئات الآلاف من الناس.
وأصبح الكاتب والشاعر والموسيقي والفنان والباحث قادراً على الوصول مباشرة إلى الجمهور من دون المرور الضروري عبر دار نشر أو صحيفة أو إذاعة أو قناة تلفزيونية.
وهذا تحول ديمقراطي ثقافي مهم.
كما ساهمت الشبكات في تقليص المسافة بين المغرب وجاليته في الخارج. الأسرة الموجودة في فاس أو وجدة أو أكادير تستطيع أن تعيش يومياً مع ابنها الموجود في باريس أو مونتريال أو بروكسيل بالصوت والصورة.
لكن الوجه الآخر أكثر تعقيداً.
أول المخاطر هو الانتقال من «وفرة المعلومات» إلى «فوضى المعلومات».
لم يعد المشكل نقص الخبر، بل كثرة الأخبار وصعوبة معرفة الصحيح منها.
فالخبر الكاذب المصاغ بعاطفة قوية قد ينتشر أسرع من التصحيح الصحفي المتأني، والصورة المفبركة قد تتقدم على التحقيق، والمقطع المقتطع من سياقه قد يصنع رأياً عاماً قبل أن تصل الحقيقة.
وهنا تتضاعف أهمية التربية الإعلامية داخل المدرسة والمجتمع.
المشكلة الثانية هي هيمنة الخوارزمية.
نحن نتصور أننا نختار ما نشاهده، لكن جزءاً متزايداً من اختياراتنا تحدده أنظمة اقتراح لا نعرف طريقة عملها.
وإذا اكتشفت الخوارزمية أن الغضب يجعل المستخدم يبقى أطول، فقد يصبح المحتوى الغاضب أكثر حضوراً. وإذا اكتشفت أن الصدمة أو الفضيحة أو السخرية تجلب التفاعل، فإنها تكافئ أصحابها بالانتشار.
وهكذا قد يتحول المجال العام تدريجياً إلى منافسة على الإثارة بدلاً من منافسة على جودة الأفكار.
وهناك أيضاً خطر ثقافة «الشهرة السريعة».
يمكن لشخص مجهول أن يصبح معروفاً في ليلة واحدة بسبب فيديو مدته ثلاثون ثانية، بينما يحتاج الكاتب أو الباحث أو الفنان سنوات من العمل لبناء مشروعه.
المشكلة ليست في أن يصبح الإنسان مشهوراً بسرعة، بل في أن تتحول الشهرة نفسها إلى معيار للقيمة.
عندها قد يصبح عدد المشاهدات أهم من المعرفة، وعدد المتابعين أهم من الخبرة، والقدرة على الإثارة أهم من القدرة على التفكير.
ويمكن لهذا المنطق أن يؤثر حتى في الصحافة، عندما تصبح بعض المؤسسات مضطرة إلى ملاحقة ما تنتجه الشبكات حتى لا تفقد الجمهور.
لكن ربما يكون أخطر تحول اجتماعي هو تغير علاقتنا بالوقت والانتباه.
المستخدم الذي ينتقل كل عشر ثوانٍ من فيديو إلى آخر يعتاد شكلاً جديداً من الاستهلاك الثقافي: سريعاً، متقطعاً، عاطفياً وقابلاً للاستبدال فوراً.
والسؤال الذي سيطرح نفسه على المدرسة والكتاب والصحيفة والسينما والأدب هو: كيف نحافظ على القراءة العميقة والتأمل الطويل في بيئة اقتصادية كاملة تتنافس على تشتيت الانتباه؟
كما أن ارتفاع استخدام الشبكات سيجعل مسألة حماية الأطفال والقاصرين أكثر إلحاحاً، بدءاً من التنمر والابتزاز والمحتوى العنيف أو الجنسي، وصولاً إلى حماية الخصوصية والصور والبيانات الشخصية. وهذه ليست مخاطر نظرية؛ فقد حذرت اليونيسف عالمياً في سبتمبر 2026 من اتساع أشكال الاستغلال والإساءة التي يتعرض لها الأطفال عبر المنصات الرقمية.
التحول الذي أراه اليوم في المغرب أعمق من مجرد ارتفاع نسبة مستخدمي واتساب أو تيك توك.
نحن ننتقل تدريجياً إلى مجتمع تتحكم فيه المنصات في جزء متزايد من طريقة اكتشافنا للأخبار والأشخاص والمنتجات والأفكار.
فالخوارزمية أصبحت تقف بين الإنسان والعالم.
هي تقترح الخبر الذي سنقرأه، والفيديو الذي سنشاهده، والأغنية التي سنسمعها، والشخص الذي سنتابعه، والمنتج الذي قد نشتريه.
ولهذا أعتقد أن التحدي المغربي الحقيقي في السنوات المقبلة لن يكون «كيف نوصل الإنترنت إلى المواطنين؟» فقط، لأن هذه المعركة قطعت أشواطاً كبيرة.
التحدي الأصعب سيكون: كيف نصنع مواطناً رقمياً يعرف كيف يستخدم هذه القوة من دون أن تتحول هي إلى قوة تستخدمه؟
سنحتاج إلى مدرسة تعلم التحقق من المعلومات بقدر ما تعلم القراءة، وإلى صحافة تستعيد الثقة عبر الجودة لا عبر مطاردة الإثارة، وإلى قوانين تحمي البيانات والطفولة والحياة الخاصة، وإلى مثقفين لا ينظرون إلى العالم الرقمي بازدراء، بل يدخلونه ويخوضون داخله معركة المعرفة والمعنى.
لأن المغرب الذي كانت ساحته العمومية في الماضي هي المقهى والشارع والجريدة والتلفزيون، أصبحت له اليوم ساحة خامسة هائلة اسمها الشاشة.
ومن يستطيع فهم ما يجري داخل هذه الشاشة، سيفهم جزءاً كبيراً من المغرب الذي يتشكل أمامنا.







0 التعليقات:
إرسال تعليق