الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، سبتمبر 05، 2026

عماذا يكشف موقف نائب كتالونيا من التصعيد ضد المغرب؟ عبده حقي


في العلاقات بين الدول، تبدأ الأزمات أحياناً من كلمة، وتكبر بتصريح، ثم تتحول مع الوقت إلى خطاب سياسي يجد من يغذيه ويمنحه شرعية شعبية أو إعلامية. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في العلاقات المغربية الإسبانية ليس وجود خلافات، فهي أمر طبيعي بين دولتين تتقاطع مصالحهما وتتعارض أحياناً، وإنما انتقال هذه الخلافات من مجال السياسة والدبلوماسية إلى لغة التعبئة القومية والتهديد بالحرب.

وفي هذا السياق، يكتسب التصريح المتداول والمنسوب إلى نائب جمهوري كتالوني أهمية خاصة. فمضمونه لا يهاجم المغرب، بل يهاجم داخل إسبانيا نفسها أولئك الذين يرفعون سقف المواجهة، ويقدمون الحرب كما لو كانت مجرد خيار سياسي يمكن التلويح به من المنابر ومن وراء الشاشات. والرسالة المركزية في هذا الموقف شديدة الوضوح: من يدعو إلى الحرب قد لا يكون هو من سيذهب إلى جبهتها، ومن يحرّض على المواجهة قد لا يكون هو من سيدفع كلفتها البشرية والاجتماعية والاقتصادية.

ومع ضرورة التأكيد على أن هوية صاحب التصريح وسياقه الأصلي يحتاجان إلى تحقق مستقل قبل نسبته بشكل قطعي إلى شخصية سياسية بعينها، فإن الأفكار التي يتضمنها النص تفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة الخطاب الإسباني تجاه المغرب، وحول الحدود الفاصلة بين النقد السياسي المشروع وبين صناعة عدو خارجي لأغراض داخلية.

من السهل على السياسي أن يتحدث عن الحرب، ومن السهل على المعلق أن يرسم خرائط المواجهة، ومن الأسهل على حسابات التواصل الاجتماعي أن تحول الخلافات بين دولتين إلى معارك رمزية مليئة بالشعارات والانفعالات. لكن الحرب الحقيقية لا تشبه شيئاً من هذا كله.

الحرب تعني قتلى وجرحى ونزوحاً وخسائر اقتصادية وانهياراً للاستثمار وتراجعاً للسياحة واضطراباً في التجارة والأسواق والطاقة وحركة الأشخاص. كما أنها تعني سنوات طويلة من إعادة بناء الثقة حتى بعد توقف الرصاص.

ومن هنا تبرز قوة المعنى الكامن في التصريح المتداول. فهو يقلب المعادلة على دعاة التصعيد: إذا كنتم تريدون الحرب، فمن سيخوضها فعلياً؟ هل سيكون السياسي الذي يلقي الخطاب؟ أم الصحفي الذي يطالب بالمواجهة؟ أم المواطن العادي والجندي الشاب والأسرة التي ستنتظر عودة ابنها؟

إن هذا السؤال ليس جديداً في التاريخ السياسي، لكنه يظل صالحاً في كل زمن: كثير من الحروب تبدأ بقرارات يتخذها عدد قليل، بينما تدفع ثمنها مجتمعات بأكملها.

لفهم هذا النوع من الخطاب داخل إسبانيا لا بد من وضعه في سياقه السياسي. فالمغرب وإسبانيا لا تجمعهما علاقة بسيطة أو أحادية البعد، بل شبكة كثيفة من الملفات المتداخلة: التجارة، والاستثمار، والهجرة، والأمن، ومحاربة الإرهاب، والصيد البحري، والتعاون الحدودي، والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى القضايا السيادية والتاريخية التي تظهر بين فترة وأخرى في النقاش السياسي.

وفي مثل هذه العلاقات المعقدة، تصبح أي أزمة قابلة للاستثمار الداخلي. بعض التيارات السياسية قد تجد في التوتر مع المغرب وسيلة لتعبئة جمهور قومي، أو للضغط على الحكومة، أو لتحويل الأنظار عن أزمات داخلية، أو لتعزيز خطاب يقوم على فكرة “الخطر الخارجي”.

هذه الآلية ليست إسبانية حصراً. ففي عدد من الدول، يتحول الجار أحياناً إلى مادة انتخابية، وتصبح الحدود والجغرافيا والتاريخ خزانات جاهزة للشعارات.

لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول المنافسة الحزبية إلى سباق في رفع سقف التصريحات، لأن السياسي الذي يزايد اليوم بخطاب حاد قد يدفع منافسه غداً إلى استعمال لغة أكثر حدة حتى لا يبدو أقل “وطنية”. وهكذا تتصاعد النبرة تدريجياً، بينما يصبح التراجع عنها أكثر كلفة سياسياً.

مهما ارتفعت أصوات التوتر، هناك حقيقة لا يمكن تجاوزها: المغرب وإسبانيا دولتان جارتان، والجغرافيا لا تخضع للمزاج السياسي.

لا تستطيع إسبانيا أن تتعامل مع المغرب كما لو كان دولة بعيدة لا تمس مصالحها اليومية، ولا يستطيع المغرب بدوره أن يتجاهل أهمية إسبانيا في محيطه الأوروبي والمتوسطي. بين البلدين تدفقات بشرية وتجارية وسياحية وأمنية تجعل من التعاون حاجة عملية لا مجرد خيار دبلوماسي.

ولهذا فإن أي حديث عن مواجهة عسكرية بين البلدين يبدو، من زاوية المصالح الواقعية، نقيضاً لمنطق السياسة نفسه.

فالحرب ستضر بالمغرب، لكنها ستضر بإسبانيا أيضاً، وستمتد آثارها إلى غرب المتوسط والاتحاد الأوروبي وشمال إفريقيا. وستنعكس على طرق التجارة والهجرة وحركة الملاحة والاستثمار والأمن الإقليمي.

وما يجعل الخطاب المتوتر أكثر خطورة هو أن كثيراً من الذين يستهلكونه يتعاملون معه بوصفه عرضاً قومياً لا سيناريو حقيقياً له كلفة باهظة.

الموقف المنسوب إلى نائب كتالوني يكتسب بعداً إضافياً بسبب طبيعة المشهد السياسي في كتالونيا. فالقوى الجمهورية والقومية الكتالونية تحمل تقليدياً تصورات مختلفة عن تلك التي تتبناها تيارات قومية إسبانية مركزية، سواء بشأن مفهوم الدولة أو الهوية أو السيادة أو التاريخ.

ولذلك فإن رفض خطاب المواجهة مع المغرب، إذا ثبتت نسبة هذا التصريح فعلاً، لا يمكن فصله تماماً عن الخلفية السياسية الكتالونية التي تتعامل بحساسية مع الخطابات القومية المركزية المتشددة.

غير أن اختزال الموقف كله في الصراع الكتالوني الإسباني سيكون تبسيطاً. فالرسالة الأوسع هنا أخلاقية وسياسية في الوقت نفسه: لا يجوز استخدام الشعوب وقوداً للمزايدات السياسية.

هذه النقطة ربما هي جوهر القضية.

السياسي يستطيع أن يغير خطابه، والحكومة تستطيع أن تتراجع عن قرار، والأحزاب تستطيع أن تعقد تحالفات جديدة. أما نتائج الحرب فلا تتراجع بهذه السهولة.

المواطن هو الذي يدفع الثمن أولاً.

يدفعه الجندي في الميدان، والأسرة التي تفقد أبناءها، والموظف الذي يتأثر دخله بالأزمة الاقتصادية، والتاجر الذي تنهار معاملاته، والمهاجر الذي يصبح فجأة موضع ريبة، والطالب الذي يجد مستقبله معلقاً على نزاع سياسي لم يشارك في صنعه.

وفي حالة المغرب وإسبانيا، سيكون الثمن أكبر لأن العلاقات الإنسانية بين المجتمعين عميقة. هناك مغاربة يعيشون في إسبانيا، وإسبان يعيشون أو يعملون في المغرب، وعائلات مختلطة، ومصالح مشتركة، وتبادل يومي عبر الحدود.

أي خطاب عسكري لا يستهدف الحكومات فقط، بل يخلق بيئة نفسية من الخوف والعداء تمتد إلى المواطنين.

من أخطر التحولات في السنوات الأخيرة أن السياسة الخارجية لم تعد تُصنع في المؤسسات وحدها. منصات التواصل الاجتماعي أصبحت جزءاً من تشكيل الرأي العام، وأحياناً جزءاً من الضغط على أصحاب القرار.

ويكفي أن تنتشر صورة أو تصريح أو مقطع مبتور حتى تتحول قضية معقدة إلى معركة بين آلاف الحسابات.

في هذا السياق، يجري غالباً تبسيط العلاقات المغربية الإسبانية إلى عبارات من قبيل “من معنا ومن ضدنا”، بينما الحقيقة أكثر تعقيداً. الدولة قد تختلف مع دولة أخرى في ملف وتنسق معها في عشرة ملفات أخرى، وقد تمر العلاقات بأزمة ثم تعود سريعاً إلى التعاون.

لكن المنطق الرقمي لا يحب التعقيد. فهو يفضل الغضب والشعارات والاختزال.

والنتيجة أن جمهوراً واسعاً قد يبدأ في استهلاك فكرة الحرب وكأنها احتمال طبيعي، بينما هي في الحقيقة فشل كامل للسياسة.

كل توتر بين المغرب وإسبانيا لا يبقى ثنائياً تماماً. فغرب المتوسط فضاء تتداخل فيه مصالح دول أوروبية ومغاربية وقوى دولية.

ولهذا فإن أي تصعيد بين مدريد والرباط يمكن أن يفتح المجال أمام أطراف أخرى للاستفادة سياسياً أو اقتصادياً أو دبلوماسياً.

هذه نقطة يجب أن يدركها صناع القرار في البلدين: الخلافات إذا خرجت عن السيطرة لا تمنح بالضرورة أحد الطرفين أفضلية، بل قد تمنح أطرافاً ثالثة مجالاً أكبر للتحرك.

من هنا يصبح الحوار المباشر أكثر أهمية من تحويل الخلافات إلى ساحات للمزايدة الإعلامية.

واحدة من أخطر الأفكار التي تصاحب الأزمات هي ربط الوطنية بالخطاب الأكثر تشدداً. وكأن من يدعو إلى التفاوض أقل وطنية ممن يدعو إلى المواجهة.

لكن التاريخ أثبت في حالات كثيرة أن تجنب الحرب يحتاج أحياناً إلى شجاعة سياسية أكبر من إشعالها.

يمكن للدولة أن تدافع عن مصالحها وسيادتها بكل صرامة من خلال الدبلوماسية والقانون والاقتصاد والتحالفات والسياسة الدولية، من دون أن تجعل من الحرب أول خيار مطروح.

بل إن قوة الدول الحديثة تقاس غالباً بقدرتها على تحويل مصالحها إلى نفوذ مستدام، لا بقدرتها على إنتاج خطابات عسكرية عالية الصوت.

الإعلام أيضاً يتحمل مسؤولية كبيرة في هذا السياق.

فالمطلوب من الصحافة ليس أن تتحول إلى طرف في الصراع، بل أن تفحص الخطاب السياسي، وأن تسأل عن مصادر المعلومات، وأن تميز بين الموقف الرسمي والتصريحات الفردية، وبين الحقيقة والمبالغة، وبين الحدث الحقيقي والمحتوى المصمم لإثارة الغضب.

وهذا مهم بصفة خاصة عندما تتداول صور تحمل تصريحات سياسية من دون سياق واضح أو مصدر أصلي.

فالمسؤولية الصحفية تقتضي ألا تُنسب العبارات إلى أشخاص أو أحزاب بصورة قطعية قبل التحقق منها، لأن خبراً غير موثق قد يتحول سريعاً إلى وقود جديد للتوتر الذي يزعم أنه يحلله.

بالنسبة إلى المغرب، لا يبدو أن الرد الأكثر فاعلية على أي خطاب استفزازي في إسبانيا هو إنتاج خطاب مضاد بالدرجة نفسها من الانفعال.

الرد الأقوى هو تثبيت المصالح.

كلما كانت العلاقات الاقتصادية والأمنية والتجارية بين المغرب وإسبانيا أعمق، أصبحت الدعوات إلى المواجهة أقل واقعية وأكثر عزلة.

وتلك ربما إحدى قواعد العلاقات الدولية الحديثة: الاعتماد المتبادل يصنع أحياناً سلاماً أكثر فاعلية من آلاف البيانات الدبلوماسية.

فحين تدرك المجتمعات أن الحرب ستضرب وظائفها وتجارتها واستقرارها وأمنها، يصبح خطاب المغامرة العسكرية أقل قدرة على الإقناع.

أخطر سؤال في أوقات التوتر ليس: من سينتصر إذا وقعت الحرب بين المغرب وإسبانيا؟

السؤال الأهم هو: لماذا ينبغي أن تقع أصلاً؟

ما الذي يمكن أن تحققه المدافع ولا تستطيع السياسة تحقيقه؟

وما الذي سيبقى من أي انتصار إذا كانت النتيجة أجيالاً جديدة من الكراهية وانهياراً للمصالح المشتركة واضطراباً في كامل غرب المتوسط؟

التصريح المتداول والمنسوب إلى نائب جمهوري كتالوني، بغض النظر عن ضرورة التحقق من صاحبه وسياقه الدقيق، يضع إصبعه على نقطة سياسية شديدة الحساسية: الذين يطلقون دعوات الحرب لا يكونون دائماً هم الذين سيخوضونها.

وفي عالم تتزايد فيه الحروب والأزمات، ربما أصبح من الضروري إعادة الاعتبار إلى فكرة بسيطة تكاد تضيع وسط ضجيج الشعارات: السياسة ليست فن صناعة الخصوم، بل فن منع الخلافات من التحول إلى كوارث.

وإذا كانت هناك خلافات حقيقية بين المغرب وإسبانيا، فإن مكانها الطبيعي هو طاولة التفاوض والمؤسسات الدبلوماسية والقانون والسياسة، لا الخنادق.

أما الشعوب، فلا ينبغي أن تتحول إلى جنود في معارك تبدأها خطابات متطرفة وتنتهي، كالعادة، بفواتير يدفعها الأبرياء.


0 التعليقات: