استقبلتُ خبر رحيل دولي بارتن بشعور يتجاوز الحزن العابر الذي يصاحب عادة أخبار وفاة النجوم، لأنني لا أرى في هذه الفنانة الأمريكية مجرد مغنية كانت تتصدر المنصات بملابسها البراقة وشعرها الأشقر وصوتها المميز، بل أراها واحدة من تلك الشخصيات النادرة التي استطاعت أن تجعل من حياتها الشخصية، ومن فقر طفولتها، ومن الحكايات الصغيرة للريف الأمريكي، مادة فنية إنسانية وصلت إلى ملايين البشر خارج حدود الولايات المتحدة. رحلت دولي بارتن في الخامس والعشرين من أغسطس 2026 عن ثمانين عامًا، بعد مسيرة جعلت اسمها جزءًا ثابتًا من تاريخ الموسيقى الشعبية الأمريكية والعالمية.
بالنسبة إليّ، يكمن سر بارتن أولًا في قدرتها العجيبة على تحويل البساطة إلى فن خالد. لقد وُلدت في 19 يناير 1946 في تينيسي وسط أسرة فقيرة كبيرة العدد، وترعرعت في بيئة ريفية بعيدة كل البعد عن بريق صناعة الموسيقى التي ستصبح لاحقًا واحدة من أشهر نجماتها. لم تُخفِ أبدًا أصولها المتواضعة، ولم تتعامل معها باعتبارها ماضيًا ينبغي محوه بعد الشهرة، بل حولتها إلى منجم سردي عادت إليه مرارًا في أغانيها، بحيث أصبح البيت والأسرة والأم والفقر والكرامة والحب والأحلام جزءًا من لغتها الفنية.
وأظن أن هذا بالضبط ما جعل أغاني مثل Jolene وCoat of Many Colors وI Will Always Love You تتجاوز حدود موسيقى الكانتري. فنحن أمام كاتبة أغانٍ كانت تعرف أن الحكاية الجيدة لا تحتاج إلى تعقيد كبير حتى تصبح عالمية، وأن الغيرة والحب والفقد والحلم والفقر والخوف من خسارة الآخر مشاعر لا تحتاج إلى جواز سفر لكي يفهمها المستمع.
كانت Jolene، على سبيل المثال، أكثر من أغنية ناجحة؛ كانت مشهدًا دراميًا صغيرًا مكتمل العناصر، امرأة تخاطب امرأة أخرى تخشى أن تخطف منها الرجل الذي تحبه، وفي ذلك التوسل والتوتر والهشاشة الإنسانية تكمن قوة النص. أما I Will Always Love You فقد أصبحت واحدة من أشهر الأغنيات العاطفية في الثقافة الموسيقية الحديثة، ثم اكتسبت حياة عالمية جديدة عندما قدمتها ويتني هيوستن بصوتها في فيلم The Bodyguard. وهنا أجد نفسي أمام واحدة من أجمل مفارقات الإبداع: أن يكتب الفنان نصًا قادرًا على مغادرة صوته الأصلي ليستقر في أصوات أجيال أخرى من الفنانين من دون أن يفقد هويته.
ولم تكن دولي بارتن مجرد صاحبة صوت معروف، بل كانت قبل كل شيء مؤلفة تعرف صناعة الأغنية. لقد كتبت آلاف الأغنيات على امتداد حياتها، ونجحت في تحقيق عشرات المراتب المتقدمة في قوائم موسيقى الكانتري، كما انتقلت ببراعة من فضاء الريف الأمريكي إلى موسيقى البوب من دون أن تنكر الجذور التي صنعت شخصيتها. ومع أغنية 9 to 5، التي ارتبطت بالفيلم الشهير الذي شاركت في بطولته، تحولت أيضًا إلى صوت فني يسخر من شروط العمل اليومية وضغوطها، ونجحت الأغنية في الوصول إلى المرتبة الأولى في الولايات المتحدة.
وأعتقد أن من الخطأ اختزال مسيرتها في قبعة «مغنية الكانتري». لقد كانت ممثلة ونجمة تلفزيونية وكاتبة وسيدة أعمال وفاعلة خير، واستطاعت أن تبني حول اسمها عالمًا متكاملًا من المشاريع الفنية والتجارية، من بينها منتزه Dollywood الذي أصبح واحدًا من أبرز المعالم السياحية والترفيهية المرتبطة باسمها في تينيسي. لكن المفارقة الجميلة أن كل ذلك النجاح التجاري لم يبدد صورتها الشعبية، بل ظلت بالنسبة إلى جمهور واسع «دولي» القادمة من جبال تينيسي، تتحدث بخفة ظل عن نفسها، وتسخر أحيانًا من صورتها الخارجية قبل أن يفعل الآخرون.
لقد أحببت فيها تحديدًا هذه القدرة على امتلاك صورتها بدل أن تصبح أسيرة لها. كانت تعرف أن شعرها الأشقر المبالغ في حجمه، وملابسها المرصعة اللامعة، وأسلوبها المسرحي اللافت، كلها جزء من العلامة الفنية التي صنعتها، لكنها كانت أيضًا أذكى من أن تختزل نفسها في هذه الزينة. خلف ذلك البريق كانت هناك امرأة تجيد إدارة مسيرتها وتعرف قيمة حقوق أغانيها وتفهم جيدًا أن الاستمرار لعقود في صناعة قاسية مثل صناعة الموسيقى لا يتحقق بالمظهر وحده.
وقد باعت أعمالها، وفق تقارير صحفية عن مسيرتها، أكثر من مئة مليون تسجيل حول العالم، وحصلت على عدد كبير من جوائز غرامي والتكريمات الموسيقية، كما أُدرجت أعمالها في أهم مؤسسات التكريم الفني الأمريكية. أغنيتا
Jolene وI Will Always Love You دخلتا قاعة مشاهير غرامي، وحصلت بارتن كذلك على جائزة الإنجاز مدى الحياة من أكاديمية التسجيل الأمريكية.
غير أن الجانب الذي يجعلني أنظر إلى إرث دولي بارتن باحترام خاص لا يتعلق بالموسيقى وحدها، بل بمشروعها الثقافي والاجتماعي. ففي سنة 1995 أطلقت Imagination Library، وهي مبادرة لتوزيع الكتب مجانًا على الأطفال منذ الولادة وحتى سن الخامسة، مستلهمة المشروع من تجربة والدها الذي لم تتح له فرصة تعلم القراءة والكتابة. واتسعت المبادرة لاحقًا لتشمل الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وأستراليا وإيرلندا، وأصبحت ترسل ملايين الكتب للأطفال. (
إنني أتوقف طويلًا أمام هذه المبادرة لأن الفنان الذي ينجح في تحويل جزء من ثروته وشهرته إلى كتاب يصل إلى طفل ربما لا تستطيع أسرته شراءه يمارس نوعًا آخر من الفن؛ فن منح الفرصة للآخرين. وربما يكون أجمل ما يمكن أن يبقى من نجم بعد انطفاء الأضواء هو أثر لا يحتاج إلى مسرح ولا إلى تصفيق.
في سنواتها الأخيرة واجهت بارتن أيضًا تجربة الفقد الشخصي بعد وفاة زوجها كارل دين في مارس 2025 عن 82 عامًا، بعد زواج دام قرابة ستة عقود. وبرغم ذلك استمرت في الإعلان عن مشاريع فنية جديدة، وظلت حتى أيامها الأخيرة تتحدث عن المستقبل والعمل والأفكار التي ما تزال ترغب في تحقيقها. وقبل وفاتها بأيام قليلة فقط كانت تتحدث إلى الصحافة عن ظروفها الصحية وعن مشاريع جديدة، في مفارقة تجعل الرحيل أكثر وقعًا لدى جمهورها.
ومع رحيلها، أشعر أن الولايات المتحدة لم تفقد فقط نجمة من نجمات موسيقى الريف، بل فقدت جزءًا من ذاكرتها الشعبية. فدولي بارتن استطاعت أن تعبر انقسامات المجتمع الأمريكي الثقافية والسياسية والجيلية، وأن تحتفظ بمكانة استثنائية لدى جمهور شديد التنوع. أحبها المحافظون لأنها ظلت ابنة الريف والجذور العائلية، وأحبها الشباب لأنها حافظت على حسها الفكاهي وقدرتها على التجدد، واحترمتها أوساط فنية مختلفة بسبب استقلاليتها وكرمها وتاريخها الطويل في دعم الآخرين.
لقد أثبتت مسيرتها بالنسبة إليّ أن العالمية لا تعني دائمًا الهروب من الجذور، بل قد تبدأ تحديدًا من التمسك بها. دولي بارتن لم تحاول أن تصبح نسخة محايدة من نجمة عالمية؛ حملت معها لهجة تينيسي وحكايات جبالها وطفولتها وذكريات أسرتها إلى المسارح الكبرى، ثم جعلت العالم يستمع إليها.
لهذا لا أعتقد أن رحيل دولي بارتن يعني انتهاء قصتها. فالفنانون الكبار يرحلون بيولوجيًا، لكن أصواتهم تدخل بعد ذلك مرحلة مختلفة من الحياة، مرحلة لا تعود فيها الأغنية مرتبطة بتاريخ إصدارها ولا بصورة صاحبها على المسرح، بل بالذكريات التي صنعتها لدى المستمعين.
ستبقى Jolene تستدعي ذلك النداء المرتجف، وستظل I Will Always Love You تعبر بين الأصوات والأجيال، وستواصل 9 to 5 استعادة يوميات ملايين العاملين، وستصل الكتب التي أطلقت مشروع توزيعها إلى أطفال لم يكونوا قد ولدوا عندما بدأت مسيرتها.
في الثمانين انتهت حياة دولي بارتن، لكنني أجد أن العبارة الأدق فنيًا هي أن حياتها انتقلت إلى ما تركته وراءها. فقد مات الجسد، أما الأغنية فقد بدأت الآن اختبارها الأصعب والأجمل: اختبار الخلود.








0 التعليقات:
إرسال تعليق