تابعتُ باهتمام كبير الجدل الذي أثاره ذلك الوثائقي الذي بثّه التلفزيون الجزائري، لا بسبب ما حاول أن يقوله فقط، بل بسبب الطريقة التي صيغت بها مادته، والوجوه التي جرى تقديمها داخله، والأسئلة الكثيرة التي انفجرت مباشرة بعد ظهوره. وما شدّ انتباهي أكثر هو أن الرد الأقسى لم يأت من محلل سياسي ولا من مؤسسة إعلامية مغربية، بل من مواطن جزائري خرج، وفق المقطع المتداول، ليقول ببساطة شديدة: هؤلاء الذين يقدمون أنفسهم أمام الكاميرا باعتبارهم مغاربة، أنا أعرفهم، إنهم أبناء حيي.
بالنسبة إليّ، تبدأ المشكلة هنا. فعندما يتحول الإعلام الرسمي إلى مساحة لصناعة رواية سياسية، يصبح من حق المشاهد أن يسأل عن مصدر المادة، وهوية المتدخلين، وسياق شهاداتهم، وطريقة التحقق منها. وإذا كانت الرواية صحيحة فعلاً، فلماذا لا تُقدَّم للمتلقي بكل وضوح وشفافية، مع أسماء صناع الوثائقي ومصادره ومسؤولية كل طرف شارك في إنتاجه؟
لقد أثار انتباهي في النص الأصلي ذلك التساؤل الساخر حول غياب الأسماء والتوقيعات: أين المخرج؟ أين الصحفيون؟ أين المسؤول عن التحقيق؟ ومن يتحمل المسؤولية التحريرية عما ورد فيه؟
هذه ليست أسئلة شكلية. فالوثائقي السياسي، خصوصاً عندما يتناول قضايا شديدة الحساسية بين بلدين جارين، لا يمكن أن يُبنى على الإيحاء وحده. المصداقية تبدأ من المصدر، ومن التعريف بالمتدخلين، ومن قدرة الوسيلة الإعلامية على الدفاع عن مادتها أمام أي تدقيق مهني مستقل.
لكن اللحظة الأكثر إحراجاً في هذه القضية جاءت، في نظري، من شهادة الرجل الجزائري الذي ظهر في مقطع متداول مخاطباً بعض المشاركين في الوثائقي بأسمائهم، ومؤكداً أنهم جزائريون يعرفهم شخصياً منذ سنوات، وأن بيوتهم كانت مجاورة لبيته.
كان كلامه بسيطاً، عفوياً، ومشحوناً بالغضب: لماذا تقولون إنكم من فاس أو الدار البيضاء أو طنجة بينما أنتم، بحسب روايته، أبناء الحي نفسه الذي عاش فيه؟
أنا لا أملك، انطلاقاً من هذا المقطع وحده، أن أحوّل هذه الاتهامات إلى أحكام قضائية أو حقائق نهائية. لكنني أرى أنها خطيرة بما يكفي لفرض سؤال مهني واضح: إذا كانت هذه الشهادة صحيحة، فما الذي حدث فعلاً داخل ذلك الوثائقي؟ وهل جرى تقديم أشخاص جزائريين باعتبارهم مغاربة؟ وإذا كان الأمر كذلك، لأي غاية؟
في العمل الإعلامي، الكذبة الصغيرة قد تهدم بناءً دعائياً كاملاً. لأن المشاهد يستطيع أن يتسامح مع اختلاف الرأي، لكنه يصعب أن يتسامح مع تزييف الهوية أو صناعة الشهادات.
ولذلك أجد أن أخطر ما ورد في المقطع ليس الشتائم ولا الانفعال، بل تلك العبارة البسيطة التي تختصر المأزق كله: «أنت ابن حومتي».
عبارة واحدة قد تكون، إذا ثبتت صحتها، أقوى من دقائق طويلة من التعليق السياسي.
فالذاكرة المحلية لا تحتاج إلى أرشيف رسمي. أبناء الأحياء يعرف بعضهم بعضاً. يعرفون البيوت والأسر والطفولة والمدارس والمسارات الاجتماعية. وإذا خرج شخص ليقول أمام الجميع: أنا أعرف هذا الرجل، لقد تربينا معاً، فهذه شهادة تستحق التحقق الجاد، لا التجاهل.
وقد لفت نظري أيضاً أن المتحدث لم يقدم نفسه باعتباره خصماً للمغرب أو مدافعاً عنه. كان غضبه موجهاً أساساً إلى ما اعتبره إساءة إلى الجزائريين أنفسهم، لأن التلاعب، في نظره، لا يحرج الخصم فقط، بل يحرج المجتمع الذي يُنسب إليه ذلك الخطاب.
وهنا أرى جوهر المسألة. الإعلام الذي يبالغ في الدعاية لا يضر بخصومه بقدر ما يضر بنفسه. فمن السهل أن تنتج قصة مثيرة، لكن من الصعب أن تحميها عندما يبدأ الناس في تفكيك تفاصيلها. وفي زمن الهاتف المحمول ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبح من شبه المستحيل احتكار الرواية.
كل شخص يحمل هاتفاً يمكن أن يتحول إلى شاهد مضاد. وكل جار يمكن أن يصبح أرشيفاً حياً. وكل صورة قد تستدعي ذاكرة حي كامل.
ولذلك فإن صناعة روايات سياسية قائمة على هويات غير قابلة للتحقق أصبحت مغامرة شديدة الخطورة.
النص المتداول ذهب أبعد من قضية الوثائقي، وربط الموضوع بأزمة الثقة السياسية داخل الجزائر، وبنسب المشاركة في الانتخابات، وبالمقاطعة التي عرفتها استحقاقات مختلفة منذ سنوات. وبرأيي، هذا الربط ليس اعتباطياً تماماً، لأن أزمة الإعلام وأزمة السياسة كثيراً ما تتغذيان من المصدر نفسه: أزمة الثقة.
عندما يشك المواطن في الأرقام الانتخابية، ثم يشك في الصور التلفزيونية، ثم يشك في هويات الضيوف، فإن المشكلة لم تعد في برنامج واحد أو نشرة واحدة، بل تصبح أزمة مصداقية عامة.
وهذه أخطر أزمة يمكن أن تواجهها أي مؤسسة إعلامية أو سياسية. لأن السلطة تستطيع أن تملك أجهزة البث، لكنها لا تستطيع أن تفرض التصديق. يمكنها أن تكرر الرواية عشرات المرات، لكن التكرار لا يحول الادعاء إلى حقيقة. ويمكنها أن تملأ الشاشة بالصور، لكن صورة واحدة مضادة قد تكون كافية لإرباك الخطاب كله.
وأنا، من موقعي كصحفي مغربي، لا يهمني أن أرد على الدعاية بدعاية مضادة، ولا أن أستبدل خطاباً متشنجاً بخطاب أكثر تشنجاً. ما يهمني هو السؤال البسيط الذي يجب أن يحكم أي إعلام محترم: أين الدليل؟
إذا كان الأشخاص الذين ظهروا في ذلك الوثائقي مغاربة فعلاً، فليُقدَّم ما يثبت ذلك بوضوح. وإذا كانت شهادة الرجل الذي يقول إنه يعرفهم شخصياً صحيحة، فهنا نحن أمام قضية إعلامية تستوجب تفسيراً مهنياً صريحاً.
أما الهروب إلى الأمام فلن يحل شيئاً.
لقد تغير الزمن الإعلامي جذرياً. لم تعد الشاشة الحكومية قادرة على فرض الحقيقة من أعلى إلى أسفل. الحقيقة اليوم تُختبر في آلاف المقاطع والتعليقات والصور والشهادات المتقاطعة.
وهذا التحول يجعل الكذب أكثر كلفة من أي وقت مضى.
ما أستخلصه من هذه القضية هو أن أخطر ما يمكن أن يصيب الإعلام ليس أن يختلف معه الناس، بل أن يسخروا منه. فعندما تتحول مادة يفترض أنها وثائقية إلى موضوع للنكات والتشكيك وشهادات الجيران، تكون المؤسسة قد خسرت جزءاً كبيراً من هيبتها.
ولذلك أقول إن الإعلام الجاد لا يحتاج إلى اختراع مغربي من حي جزائري، ولا إلى جزائري يتقمص هوية فاسية أو طنجيّة أو بيضاوية، ولا إلى متدخلين مجهولي السياق. الإعلام الجاد يحتاج فقط إلى الوثيقة، والمصدر، والسؤال، والجواب، والتحقق.
أما الكذب، فمهما طال عمره، تظل ذاكرة الناس أقصر طريق إلى فضحه.
بقلم: عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق