كلما عادت قضية سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش الأوروبي، أجد نفسي أمام سؤال يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة اليومية: إلى أي حد تستطيع أوروبا أن تواصل التعامل مع وجود إسبانيا في مدينتين تقعان في الضفة الإفريقية وكأنه وضع طبيعي لا يحتاج إلى مراجعة تاريخية أو سياسية؟ هذا السؤال لا يطرحه المغرب وحده، بل بدأت بعض المنابر الأوروبية، ومنها صحف سويسرية، تقترب منه بصيغ متفاوتة، وإن كانت لا تصل دائما إلى حد المطالبة الصريحة بإعادة المدينتين إلى السيادة المغربية.
خلال متابعتي لما نشرته الصحافة السويسرية عن سبتة ومليلية، لفت انتباهي أن بعض المقالات لا تكتفي بوصف النزاع بين المغرب وإسبانيا، بل تستعمل أحيانا مفردات تفتح الباب أمام قراءة مختلفة تماما لوضع المدينتين. ففي صحيفة «Le Temps» السويسرية، ظهر في 8 غشت 2026 عنوان بالغ الدلالة يتحدث عن أن «الولايات المتحدة تعيد النظر في وضع سبتة ومليلية لمصلحة المغرب». بالنسبة إليّ، لا تكمن أهمية هذا العنوان فقط في الإشارة إلى تحرك أمريكي أو إلى ضغط دبلوماسي محتمل، بل في أن صحيفة أوروبية ذات وزن تسمح لنفسها أصلا بوضع «وضع» المدينتين موضع التساؤل.
هنا تتغير زاوية النظر جذريا. فالمسألة، كما أفهمها، لم تعد مجرد خلاف ثنائي مغربي إسباني يعود إلى ذاكرة ما بعد الاستعمار، بل أصبحت قابلة لأن تدخل في حسابات القوى الدولية، خصوصا عندما تتقاطع مع ملفات الأمن والهجرة والحدود والعلاقات العسكرية داخل الفضاء المتوسطي.
ما أثار اهتمامي أكثر هو أن بعض الصحافة السويسرية ذهبت أبعد من مجرد الحديث عن «نزاع». موقع «Infosperber» السويسري وصف سبتة ومليلية سنة 2016 بأنهما من «آخر المناطق الاستعمارية الصغيرة لإسبانيا في إفريقيا». وأنا أعتبر أن هذه العبارة ليست عادية إطلاقا، لأنها تنقل القضية مباشرة من معجم السيادة الإسبانية إلى معجم الإرث الاستعماري.
حين تُوصَف سبتة ومليلية بأنهما «آخر منطقتين استعماريتين إسبانيتين في إفريقيا»، فإن السؤال يصبح في نظري أكثر حرجا بالنسبة إلى الخطاب الإسباني نفسه: كيف يمكن لدولة أوروبية دافعت طويلا عن مبدأ إنهاء الاستعمار وعن وحدة الأراضي، أن تستمر في تقديم وجودها في مدينتين على الساحل المغربي باعتباره أمرا نهائيا وغير قابل للنقاش؟
أنا لا أقرأ هذه الصياغة بوصفها مجرد اختيار لغوي، لأن الكلمات في القضايا الترابية ليست بريئة. وصف منطقة ما بأنها «إسبانية» يختلف جذريا عن وصفها بأنها «استعمارية». الأولى تغلق النقاش، والثانية تفتحه على التاريخ والقانون والسياسة وشرعية استمرار الوضع القائم.
بل إن صحيفة «Le Temps» نفسها سبق أن استخدمت في أبريل 2016 عبارة تشير إلى أن سبتة ومليلية تقعان «على التراب المغربي». صحيح أن المادة كانت إخبارية، وأن العبارة لا يمكن اعتبارها وحدها موقفا رسميا للصحيفة، لكنني أجدها مع ذلك دالة على ارتباك جغرافي وسياسي لا يمكن تجاهله. فالمدينتان موجودتان جغرافيا في إفريقيا، ومتصلتان عضويا بالمجال المغربي، بينما تفصل بينهما وبين إسبانيا الأوروبية مياه البحر الأبيض المتوسط.
ومن هنا أرى أن جوهر القضية لا يتعلق فقط بما تقوله الحكومات، بل أيضا بالطريقة التي بدأت بها بعض الصحافة الأوروبية تنظر إلى هذا الوضع. فحين يتكرر الحديث عن «تراب مغربي»، وعن «مناطق استعمارية»، وعن «إعادة النظر في الوضع لمصلحة المغرب»، فإن ذلك يدل على أن السردية الإسبانية لم تعد وحدها الموجودة في المجال الإعلامي الأوروبي.
لكنني لا أريد أن أحمّل هذه النصوص أكثر مما تحتمل. البحث الذي قمت به لا يسمح لي بالقول إن الصحافة السويسرية، بصورة عامة، تطالب مدريد بإعادة سبتة ومليلية إلى المغرب. هذا سيكون استنتاجا متسرعا وغير دقيق. ما وجدته هو شيء أكثر دلالة في رأيي: صحافة أوروبية بدأت تطرح أسئلة كان الخطاب الإسباني يفضّل إبقاءها خارج النقاش.
وجدت كذلك أن «Le Temps» نشرت في 2 غشت 2026 افتتاحية حول سبتة، تناولت فيها مسألة الهجرة والضغط السياسي على الحدود، وأشارت بوضوح إلى أن المغرب ما يزال يطالب بالسيادة على سبتة ومليلية. الافتتاحية لم تنحز صراحة إلى المطلب المغربي، لكنها وضعت القضية في سياق سياسي أوسع يبيّن أن وضع المدينتين ليس منفصلا عن طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية ولا عن التوازنات الأوروبية المتوسطية.
في تقديري، هذا هو التحول الحقيقي الذي يستحق الانتباه. فالقضايا الترابية لا تنتقل عادة من الهامش إلى المركز بقرار واحد، وإنما عبر تراكم بطيء في الخطاب السياسي والإعلامي والأكاديمي. تبدأ المسألة بسؤال، ثم تتحول إلى نقاش، ثم تصبح فرضية سياسية قابلة للتداول، وبعد ذلك فقط يمكن أن تتحول إلى ملف دبلوماسي مفتوح.
ولعل ما حدث في ملف الصحراء المغربية يقدم مثالا واضحا على ذلك. فالمواقف الدولية التي تبدلت خلال السنوات الأخيرة لم تتغير دفعة واحدة، بل سبقتها سنوات من التحولات السياسية والدبلوماسية والإعلامية. ومن هذا المنظور، أرى أن مجرد عودة سبتة ومليلية إلى النقاش في صحافة أوروبية كبرى، وبمصطلحات غير مطابقة تماما للسردية الإسبانية، يمثل تطورا ينبغي للمغرب أن يقرأه بهدوء وذكاء.
كما استوقفتني إحالات تاريخية إلى صحافة سويسرية تعود إلى أزمة جزيرة ليلى سنة 2002. فبحسب ما نقلته الصحافة المغربية آنذاك، تناولت جريدة سويسرية قضية سبتة ومليلية بوصفها «ممتلكات إسبانية على الساحل المغربي»، وتحدثت عن مطالبة المغرب بعودتهما إلى السيادة الوطنية. حتى إذا كانت تلك المعالجة حذرة ومحايدة، فإن مجرد استعمال هذا القاموس يكشف أن الرؤية المغربية للقضية لم تكن غائبة عن الإعلام الأوروبي.
بالنسبة إليّ، القضية هنا تتعلق أيضا بازدواجية المعايير. أوروبا الحديثة قامت في جزء مهم من خطابها السياسي على مبدأ تصفية الاستعمار وحق الشعوب في تقرير مصيرها واحترام وحدة الأراضي. لكن هذا الخطاب يصبح أكثر تعقيدا حين يصل إلى جيوب استعمارية قديمة بقيت معلقة خارج موجات إنهاء الاستعمار التي عرفها القرن العشرون.
ولذلك أعتقد أن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: هل ستعيد إسبانيا سبتة ومليلية إلى المغرب؟ بل أيضا: إلى متى سيظل هذا الملف محصنا ضد النقاش الأوروبي الجدي؟
الواقع أن المغرب لا يحتاج، في تقديري، إلى شعارات حادة أو مواجهات خطابية متوترة بقدر ما يحتاج إلى نفس دبلوماسي طويل. التاريخ لا يتحرك بالضجيج وحده. إنه يتحرك بتغيير ميزان الشرعية، وببناء سردية دولية متماسكة، وبجعل الأسئلة التي كانت ممنوعة بالأمس قابلة للنقاش اليوم.
وإذا كانت بعض الصحف السويسرية بدأت تتحدث عن «آخر المناطق الاستعمارية الإسبانية في إفريقيا»، أو عن وضع سبتة ومليلية «لمصلحة المغرب»، فإنني أرى أن هذه المؤشرات، وإن ظلت محدودة، تستحق أن تُقرأ بعيدا عن المبالغة وبعيدا أيضا عن التقليل من أهميتها.
فالمعركة في مثل هذه الملفات تبدأ دائما من اللغة. وعندما تتغير اللغة، يبدأ الإدراك في التغير. وعندما يتغير الإدراك داخل الرأي العام والنخب الأوروبية، يصبح ممكنا مع مرور الوقت أن تتغير السياسة نفسها.
لهذا أرى أن سبتة ومليلية لم تعودا مجرد نقطتين صغيرتين على خريطة المتوسط. إنهما مرآة تاريخية تواجه أوروبا بسؤال لم تحسمه بعد: هل انتهى الاستعمار فعلا، أم أن بعض صفحاته ما تزال مفتوحة لأنها توجد ببساطة في المكان الذي لا تريد أوروبا إعادة النظر فيه؟







0 التعليقات:
إرسال تعليق