أتابع صور الطوابير الطويلة لمواطنين جزائريين يبحثون عن قنينة غاز، فأجد نفسي أمام مفارقة لا يمكن اختزالها في عطل عابر في التوزيع أو موجة برد أو اضطراب موسمي في التموين. بالنسبة إليّ، المسألة أعمق بكثير، لأنها تمس جوهر العلاقة بين الدولة والثروة والمواطن، وتطرح سؤالاً سياسياً قبل أن يكون اقتصادياً: كيف يمكن لبلد يُصنَّف ضمن كبار منتجي ومصدري الغاز في المنطقة أن يجد بعض مواطنيه أنفسهم مضطرين إلى الانتظار في طوابير للحصول على مادة يفترض أنها من أبسط منتجات ثروتهم الوطنية؟
هذه الصورة وحدها تكفي، في تقديري، لاختصار جانب من أزمة النموذج الاقتصادي الجزائري. فالمشكلة ليست في وجود الغاز تحت الأرض، ولا في قدرة الجزائر على استخراجه أو تصديره، وإنما في الكيفية التي تتحول بها الثروة الطبيعية إلى رفاه اجتماعي وخدمات يومية واستقرار اقتصادي يشعر به المواطن في حياته العادية.
الجزائر تصدّر الغاز إلى أوروبا، وتعقد الاتفاقيات، وتعلن عن مشاريع طاقية واستثمارات ضخمة، وتقدم نفسها باعتبارها شريكاً استراتيجياً في أمن الطاقة الأوروبي. وهذا أمر مفهوم اقتصادياً، لأن تصدير المحروقات يمثل مصدراً مركزياً للعملة الصعبة ولإيرادات الدولة. لكنني لا أستطيع أن أفهم كيف يصبح المواطن الموجود فوق واحدة من أغنى الأراضي بالغاز في إفريقيا طرفاً ضعيفاً في المعادلة نفسها.
هنا تحديداً تبدأ السياسة.
الثروة الطبيعية لا تكتسب قيمتها بمجرد استخراجها أو بيعها في الأسواق الدولية. قيمتها الحقيقية تقاس بما تغيره في حياة المجتمع: هل تبني اقتصاداً منتجاً؟ هل تحسن الصحة والتعليم؟ هل توفر السكن والنقل والطاقة بصورة مستقرة؟ هل تخلق فرص الشغل؟ وهل يشعر المواطن بأن ما يوجد تحت أرض بلاده ينعكس بصورة ملموسة على مستوى معيشته؟
إذا لم يحدث ذلك، تصبح الثروة رقماً في نشرات رسمية أكثر مما تصبح واقعاً اجتماعياً.
وأنا أرى أن السؤال الذي يجب أن يطرحه الجزائريون ليس فقط: لماذا توجد أزمة في قنينات الغاز؟ بل: لماذا تتكرر في بلد غني بالطاقة أزمات الندرة في مواد وخدمات مختلفة؟
هذه هي المسألة الحقيقية.
لأن الطابور في حد ذاته ليس المشكلة، بل هو العرض الظاهر لخلل أعمق في الإدارة والتخطيط والتوزيع وربط الإنتاج بالحاجيات الفعلية للسكان.
يمكن لأي حكومة أن تبرر أزمة مؤقتة بزيادة الطلب أو الأحوال المناخية أو صعوبات النقل، وهذه عوامل قد تكون حقيقية في بعض الحالات. لكن عندما تتحول مشاهد الندرة إلى ظاهرة تتكرر في قطاعات مختلفة، فإن المواطن يصبح من حقه أن يسأل عن كفاءة المؤسسات وعن قدرة الدولة على توقع الأزمات قبل وقوعها.
وأنا شخصياً لا أقتنع بالخطاب الذي يحاول دائماً البحث عن أسباب خارجية لكل أزمة داخلية.
لا يمكن أن تكون الأسواق الدولية مسؤولة عن كل نقص، ولا المؤامرات الخارجية تفسيراً لكل خلل، ولا التوترات الإقليمية شماعة دائمة لتعليق مشكلات الإدارة الاقتصادية عليها.
الدولة القوية، في نظري، ليست الدولة التي تمتلك أكبر عدد من الآبار أو أكبر احتياطي من الغاز، بل الدولة التي تستطيع تحويل تلك الموارد إلى منظومة اقتصادية فعالة تحمي مواطنيها من تقلبات السوق ومن أزمات التموين.
وقد أثبت التاريخ الاقتصادي أن امتلاك النفط أو الغاز ليس ضمانة آلية للتنمية. هناك دول تمتلك ثروات طبيعية هائلة ومع ذلك ظلت اقتصاداتها هشة لأنها أخفقت في بناء مؤسسات قوية وتنويع مصادر الدخل وإخضاع الإنفاق العمومي لمعايير الكفاءة والمحاسبة.
وهنا أرى أن الجزائر تواجه منذ عقود سؤالاً مؤجلاً يتعلق بما يسمى في الاقتصاد بـ«الدولة الريعية».
فعندما تعتمد الدولة بدرجة كبيرة على عائدات النفط والغاز، قد تنشأ علاقة غير صحية بين السلطة والاقتصاد. تصبح الحكومة أقل اعتماداً على النشاط الإنتاجي للمجتمع، بينما يصبح المجتمع أكثر اعتماداً على دعم الحكومة ومداخيل الريع.
وهكذا تتشكل دائرة يصعب كسرها.
ترتفع أسعار النفط والغاز، فتزداد الإيرادات ويزداد الإنفاق.
تنخفض الأسعار، فتبدأ المخاوف من العجز والتقشف.
أما الاقتصاد المنتج القادر على خلق الثروة بعيداً عن المحروقات، فيظل أضعف من الإمكانات التي يمتلكها البلد.
بالنسبة إليّ، هذه هي المفارقة الأكبر في الجزائر: بلد يمتلك من الموارد البشرية والطبيعية والجغرافية ما يسمح له بأن يكون قوة اقتصادية متوسطية وإفريقية، لكنه لا يزال شديد الارتباط بأسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية.
ومشكلة الاقتصاد الريعي أنه لا ينتج فقط اختلالات مالية، بل قد ينتج أيضاً ثقافة سياسية خاصة.
تصبح الأرقام الضخمة لعائدات الطاقة جزءاً من خطاب القوة، بينما لا يعرف المواطن دائماً بالتفصيل كيف تتحول هذه العائدات إلى مشاريع أو استثمارات أو خدمات.
ومن هنا يصبح السؤال عن الشفافية مشروعاً وضرورياً.
أين تذهب أموال النفط والغاز؟
كيف يتم تحديد أولويات الإنفاق؟
ما حجم الاستثمارات المنتجة؟
ما نتائجها؟
كيف تتم مراقبة المشاريع الكبرى؟
ومن يحاسب المسؤولين عندما تفشل السياسات العمومية؟
هذه الأسئلة لا تعني تلقائياً اتهام كل مؤسسة بالفساد، لكنها جوهر أي نظام يريد بناء الثقة بين المواطنين والدولة. فالثروة العمومية تحتاج إلى شفافية عمومية، وإلا تحولت إلى مصدر دائم للشك والاحتقان.
وأنا أرفض في الوقت نفسه تبسيط الأزمة في صورة صراع بين «شعب فقير» و«سلطة تستولي على كل شيء». الواقع الاقتصادي أكثر تعقيداً من ذلك، لكن هذا التعقيد لا يعفي المسؤول السياسي من المحاسبة.
ففي النهاية، المواطن لا يعيش داخل تقارير الاقتصاد الكلي.
المواطن يعيش في السوق.
يعيش في ثمن الغذاء.
في توفر الدواء.
في فرص العمل.
في النقل.
في السكن.
وفي قدرته على الحصول على قنينة غاز من دون أن يقضي ساعات من يومه واقفاً في طابور.
ولهذا فإن صورة مواطن ينتظر الغاز في بلد يصدر الغاز ليست مجرد لقطة ساخرة تصلح لمنشور على مواقع التواصل الاجتماعي، بل هي بالنسبة إليّ صورة سياسية بامتياز.
إنها تختصر التناقض بين الثروة الوطنية والرفاه الاجتماعي.
بين الدولة المصدرة والمواطن المستهلك.
بين الخطاب عن القوة الطاقية والتجربة اليومية للناس.
وأكثر ما يقلقني في مثل هذه الأزمات هو محاولة تحويل النقد الاقتصادي إلى خصومة سياسية أو تخوين للمنتقدين. فالدولة التي تثق في نفسها لا تخشى السؤال، والدولة التي تحترم مواطنيها لا تعتبر مطالبتهم بحسن تدبير الثروة عملاً عدائياً.
بل على العكس.
المحاسبة هي التي تحمي الثروة.
والشفافية هي التي تحمي الدولة.
والنقد هو الذي يمنع الأخطاء من التحول إلى نظام دائم.
أما الاكتفاء بخطابات السيادة والعظمة الوطنية فلا يمكنه أن يملأ قنينة غاز فارغة.
يمكن للسلطات أن تعلن عن مليارات الدولارات من الصادرات، وعن عقود جديدة مع شركاء أوروبيين، وعن توسع في الإنتاج، لكن كل هذه الأرقام تفقد جزءاً من معناها السياسي إذا بقي المواطن عاجزاً عن رؤية أثرها المباشر في حياته.
وأنا أعتقد أن التحدي الحقيقي أمام الجزائر ليس بيع المزيد من الغاز فقط، بل بناء دولة لا تجعل المواطن يشعر بأنه يعيش فقيراً فوق ثروة هائلة.
الجزائر لا ينقصها الغاز.
ولا تنقصها الموارد.
ولا تنقصها الكفاءات البشرية.
ما تحتاج إليه قبل كل شيء هو نموذج اقتصادي أكثر شفافية وفعالية، تصبح فيه الثروة وسيلة لتحرير المجتمع من الندرة، لا مجرد رقم في ميزان الصادرات.
لأن السؤال الذي يطرحه الطابور اليوم لن يبقى متعلقاً بقنينة غاز.
سيتحول عاجلاً أو آجلاً إلى سؤال أكبر:
إذا كانت الجزائر غنية إلى هذه الدرجة، فلماذا لا يشعر الجزائري العادي بأنه يعيش في بلد غني؟
وهذا السؤال، في تقديري، أكثر خطورة على أي سلطة من كل الشعارات التي يمكن رفعها ضدها، لأنه لا يأتي من الخارج ولا يحتاج إلى مؤامرة كي يولد.
إنه يولد ببساطة من المسافة الفاصلة بين ما تملكه الدولة وما يعيشه المواطن.








0 التعليقات:
إرسال تعليق