لا أحتاج إلى تقارير دولية معقدة ولا إلى جداول اقتصادية طويلة لكي أكتشف حجم المأزق الذي تعيشه الجزائر. أحيانًا تكفي عجلة سيارة مفقودة في السوق، أو مواطن يقطع مئات الكيلومترات إلى تونس بحثًا عن إطار لسيارته، أو طريق محفرة تتحول إلى فخ للمسافرين، لكي تنكشف أمامي فلسفة كاملة في تدبير الدولة.
المشكلة بالنسبة إليّ ليست في الإطار المطاطي نفسه، بل في الدولة التي تمتلك النفط والغاز والعملة الصعبة ثم يعجز سوقها عن توفير حاجات تبدو عادية في أي اقتصاد منظم.
وهنا تبدأ المقارنة مع المغرب.
المغرب لا يمتلك احتياطات الجزائر من الغاز والنفط، ومع ذلك اختار منذ سنوات أن يراهن على الاقتصاد المنتج: صناعة السيارات، والطيران، والموانئ، والطرق السيارة، والطاقات المتجددة، والفوسفاط ومشتقاته، والسياحة، والخدمات، وجذب الاستثمارات.
أما الجزائر، فأرى أنها ظلت أسيرة نموذج اقتصادي شديد الارتباط بعائدات المحروقات، بحيث يصبح ارتفاع أسعار النفط مناسبة لتأجيل الإصلاح، ويصبح انخفاضها جرس إنذار يذكر الجميع بأن الاقتصاد لم يتحرر بعد من تبعيته التاريخية للخزينة الريعية.
هذه هي المفارقة التي ينبغي أن تناقش بدل الاختباء وراء الشعارات.
بلد غني بالطاقة يبحث بعض مواطنيه عن قطع الغيار في الخارج، بينما بلد يستورد معظم حاجاته الطاقية استطاع أن يصبح قاعدة إقليمية لصناعة السيارات وتجميعها وتصديرها.
هذه ليست دعاية مغربية. إنها مقارنة بين خيارين.
المغرب قرر أن يفتح أبوابه للمصانع والشركات وسلاسل الإنتاج العالمية، وأن يربط موانئه بشبكات التجارة الدولية، وأن يجعل طنجة المتوسط منصة صناعية ولوجستية تتجاوز وظيفة الميناء التقليدية. والنتيجة أن السيارة أصبحت قطاعًا صناعيًا تصديريًا، لا مجرد سلعة ينتظر المواطن وصولها من الخارج.
في المقابل، ظل ملف السيارات في الجزائر لسنوات يتأرجح بين المنع والاستيراد والترخيص والقيود ومشاريع التركيب وإعادة تنظيم السوق، فيما المواطن هو الذي يدفع ثمن هذا التخبط.
وأنا هنا لا أقول إن المغرب جنة اقتصادية.
لدينا بطالة، وفوارق اجتماعية، وغلاء في المعيشة، ومناطق تحتاج إلى مزيد من الاستثمار، وقطاعات تستوجب إصلاحات عميقة. ومن حق المغربي أن ينتقد حكومته وأن يطالب بالمزيد.
لكن الفارق بالنسبة إليّ أن المغرب فهم شيئًا أساسيًا: الدولة لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد على توزيع الريع، بل ينبغي أن تنتج الثروة.
وأعتبر أن هذا بالضبط ما تحتاج الجزائر إلى مواجهته بشجاعة.
لا يكفي أن تقول الدولة إنها قوة إقليمية. القوة الاقتصادية لا تقاس بحجم تصريحات المسؤولين، بل بما تنتجه المصانع، وبجودة البنية التحتية، وبقدرة المواطن على الحصول على حاجاته من السوق الوطنية.
ولا تقاس السيادة الاقتصادية بعدد المرات التي تتحدث فيها الحكومة عن الاستقلال الوطني، بل بنسبة ما تستطيع البلاد إنتاجه بدل استيراده.
أما الأكثر إثارة للاستغراب فهو أن الجزائري يستطيع السفر إلى تونس بحثًا عن حاجاته، بينما تبقى الحدود البرية مع المغرب مغلقة.
وأتساءل: من المستفيد من استمرار هذا الوضع؟
لو فُتحت الحدود في إطار سياسي منظم، يمكن لوجدة ومدن الشرق المغربي ومدن الغرب الجزائري أن تتحول إلى قطب اقتصادي ضخم. يمكن للتاجر الجزائري أن يشتري، وللتاجر المغربي أن يبيع، ويمكن للعائلات أن تتواصل، وللسياحة أن تنتعش، ولآلاف فرص العمل أن تظهر على جانبي الحدود.
لكن السياسة اختارت الجدار بدل السوق.
وأرى أن المواطن الجزائري يدفع ثمن هذا الاختيار أكثر من أي طرف آخر.
إن الأزمة الاقتصادية تصبح أكثر قسوة عندما ترافقها أزمة في الخطاب السياسي. فبدل الاعتراف بأوجه الخلل، كثيرًا ما يجري البحث عن تفسير خارجي للمشكلات الداخلية، وكأن نقص قطعة غيار مؤامرة دولية، وكأن ضعف الإنتاج المحلي نتيجة حصار غامض، وكأن سوء طريق ما مسؤولية قوة أجنبية.
الدولة التي تحترم شعبها تبدأ بالاعتراف بالمشكلة.
ثم تبحث عن الحل.
المغرب بدوره واجه أزمات اقتصادية واجتماعية قاسية، لكنه راهن على الاستثمارات وعلى الطرق والموانئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية. لم تُحل جميع المشكلات، بالتأكيد، لكن الاتجاه واضح: بناء اقتصاد أكثر ارتباطًا بالصناعة والتجارة العالمية وإفريقيا وأوروبا.
أما في الجزائر، فما زلت أرى تناقضًا بين الثروة المالية المتاحة وبين النتائج التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
ما قيمة مليارات الغاز إذا كان المواطن يشكو من الماء؟
ما قيمة احتياطي العملة إذا كان الحصول على سيارة أو قطعة غيار يتحول إلى أزمة؟
ما معنى الحديث عن السياحة الصحراوية إذا ظلت مشاريع النقل والبنية التحتية دون مستوى الوعود؟
وما معنى الحديث عن الجزائر الجديدة إذا ظلت الأسئلة الاقتصادية القديمة نفسها مطروحة؟
أنا لا أهاجم الشعب الجزائري. على العكس تمامًا، أعتقد أن هذا الشعب يستحق أكثر بكثير مما يحصل عليه.
يستحق اقتصادًا يتناسب مع ثروات بلاده.
يستحق شبكة طرق أكثر أمانًا.
يستحق صناعة وطنية حقيقية.
يستحق صحافة تستطيع أن تسأل المسؤول: أين ذهبت الوعود؟
ويستحق برلمانًا يستطيع محاسبة الحكومة بالأرقام لا بالتصفيق.
لهذا أعتبر أن الفرق بين المغرب والجزائر ليس في حجم الموارد الطبيعية، بل في طريقة التفكير في الاقتصاد.
المغرب مضطر إلى البحث عن المال، ولذلك يبحث عن الاستثمار والسياح والمصانع والأسواق والشراكات.
أما الجزائر فقد منحها النفط والغاز لعقود قدرة مالية كبيرة، لكن الوفرة نفسها تحولت أحيانًا إلى عذر لتأجيل التحول الاقتصادي الضروري.
وأخشى أن تكون هذه هي لعنة الريع الحقيقية: أن يجعلك غنيًا بما يكفي كي تؤجل الإصلاح، وفقيرًا في الإنتاج بما يكفي كي تحتاج إليه دائمًا.
أريد مغربًا أقوى، لكنني أريد أيضًا جزائر مزدهرة، لأن المنطقة المغاربية لا يمكنها أن تبني مستقبلها بنصف طاقتها.
غير أن الازدهار يبدأ بالاعتراف بالحقيقة.
والحقيقة التي أراها اليوم بسيطة: المغرب، رغم محدودية موارده الطاقية، اختار أن يتحرك نحو اقتصاد الإنتاج والبنية التحتية والاستثمار، بينما لا تزال الجزائر مطالبة بتحويل ثروة المحروقات من أموال تُنفق إلى اقتصاد يُنتج.
والفرق بين النموذجين لا يحتاج دائمًا إلى خطاب طويل.
أحيانًا تكفي عجلة سيارة مفقودة في سوق غني بالنفط لكي تحكي القصة كلها.
عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق