الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أغسطس 10، 2026

المغرب من مطاردة الذباب الإلكتروني إلى بناء السيادة الرقمية: عبده حقي


لم تعد السيادة الوطنية تُحمى فقط عند الحدود البرية والبحرية، ولا تقتصر معارك الدول على الدبلوماسية والمؤسسات الدولية، فقد أصبحت شاشة الهاتف نفسها مجالًا مفتوحًا للصراع على الرواية والصورة والوعي العام. وفي هذا الفضاء الجديد، يواجه المغرب منذ سنوات سيلا من الحسابات والمنصات التي تروّج أخبارًا مضللة أو محتويات عدائية أو أطروحات انفصالية، سواء تعلق الأمر بقضية الصحراء المغربية أو بمحاولات النفخ في خطابات انفصالية تخص الشمال المغربي.

ما يثير الانتباه في المقاربة المغربية هو أنها لم تجعل من كل تدوينة معادية أزمة دولة، ولم تنجرّ المؤسسات المغربية في الغالب إلى منطق الرد الانفعالي على كل استفزاز رقمي. فالذباب الإلكتروني يعيش أساسًا من الضجيج، ويراهن على أن تتحول الإشاعة الصغيرة إلى قضية كبرى بمجرد أن تمنحها المؤسسات أو وسائل الإعلام حجمًا يفوق حقيقتها.

وهنا تكمن إحدى نقاط القوة في السياسة المغربية: عدم السماح للخصم الرقمي بفرض أجندته على النقاش الوطني.

الحملات الإلكترونية التي تهاجم المغرب قد تتخذ أشكالًا متعددة؛ حسابات مجهولة، صور قديمة يعاد نشرها خارج سياقها، مقاطع فيديو مبتورة، عناوين مثيرة، إشاعات عن احتجاجات أو أحداث أمنية، أو محاولة تحويل مشاكل اجتماعية عادية موجودة في كل المجتمعات إلى أدلة مزعومة على انهيار الدولة. وبعض هذه المضامين تتقاطع مع خطاب جهات جزائرية أو انفصالية، لكن التعامل المسؤول معها يقتضي دائمًا التمييز بين النقد السياسي المشروع وبين التضليل المنظم الذي يقوم على التزييف والتحريض واختلاق الوقائع.

لقد أدرك المغرب أن أفضل وسيلة لمواجهة الأخبار الزائفة ليست إنتاج أخبار زائفة مضادة، وأن أقوى رد على الدعاية ليس دعاية أكثر صخبًا، وإنما المعلومة الدقيقة، والصورة الموثقة، والإنجاز الملموس، والقدرة على كشف التناقضات بهدوء.

في قضية الصحراء المغربية مثلًا، أصبحت المعركة الرقمية مرتبطة بصورة متزايدة بالواقع الاقتصادي والاجتماعي الموجود على الأرض. فالعيون والداخلة وبقية مدن الأقاليم الجنوبية ليست مجرد عناوين داخل سجال إلكتروني؛ إنها فضاءات حضرية ومشاريع وبنيات تحتية واستثمارات واتصالات مع العالم. لذلك يصبح من الصعب على الدعاية الرقمية أن تحافظ طويلًا على صورة جامدة أو سوداء عن منطقة يستطيع الصحافي أو المستثمر أو الزائر الوصول إليها ومشاهدة واقعها بنفسه.

وهذه نقطة بالغة الأهمية؛ فالحقيقة المرئية أكثر مقاومة للإشاعة من ألف بيان.

أما بالنسبة إلى الخطابات الانفصالية التي تحاول أحيانًا توظيف بعض الخصوصيات التاريخية والثقافية في شمال المغرب، فإن الدولة المغربية تمتلك في مواجهتها عنصرًا أكثر عمقًا من الرد الأمني أو الإعلامي، وهو حقيقة أن التنوع الجهوي والثقافي ظل جزءًا من الهوية الوطنية نفسها. الريف ليس هامشًا خارج المغرب، كما أن الثقافة الأمازيغية ليست خصمًا للهوية المغربية، بل أصبحت الأمازيغية لغة رسمية للدولة ومكونًا دستوريًا من مكونات الشخصية الوطنية.

وبذلك تفقد الدعاية الانفصالية واحدة من أهم أدواتها عندما تحاول تقديم الخصوصية باعتبارها نقيضًا للوحدة.

نجاعة السياسة المغربية في المجال الرقمي يجب ألا تُقاس فقط بعدد الصفحات التي يتم إغلاقها أو المنشورات التي يتم تفنيدها، بل بمدى قدرة المجتمع على اكتساب مناعة ضد التضليل. المواطن الذي يتعلم التحقق من الصورة، ومقارنة المصادر، والبحث عن تاريخ الفيديو قبل مشاركته، يصبح بنفسه جزءًا من منظومة الدفاع عن المجال العمومي.

لهذا أعتقد أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تجعل من التربية الإعلامية والرقمية قضية وطنية حقيقية.

ينبغي تعليم الشباب منذ المراحل الدراسية الأولى أن الصورة يمكن تزويرها، وأن الفيديو يمكن اجتزاؤه، وأن الحساب الذي يحمل آلاف المتابعين ليس بالضرورة مصدرًا موثوقًا، وأن الذكاء الاصطناعي جعل صناعة المقاطع والصور والأصوات المفبركة أكثر سهولة من أي وقت مضى.

كما ينبغي أن يكون الإعلام الوطني أكثر سرعة وجرأة واحترافية. فالفراغ المعلوماتي هو البيئة المثالية التي ينمو فيها الذباب الإلكتروني. عندما تقع حادثة ولا يجد المواطن معلومة موثوقة وسريعة، يملأ الآخرون الفراغ بالتخمين والشائعة والتأويل.

ولذلك فإن قوة الدولة الرقمية لا تتجسد في الصمت وحده، وإنما في القدرة على اختيار اللحظة المناسبة للكلام وتقديم المعلومات بصورة واضحة ومقنعة.

وفي المقابل، سيكون من الخطأ تحويل كل جزائري ينتقد المغرب إلى «ذباب إلكتروني». فالمعركة الحقيقية ليست مع الشعوب، ولا ينبغي أن تكون كذلك. الشعبان المغربي والجزائري تجمعهما روابط بشرية وتاريخية وثقافية أكبر من خلافات الحكومات. والتمييز بين المواطن الجزائري وبين الحسابات التي تمارس التضليل أو التحريض مسألة ضرورية أخلاقيًا وسياسيًا.

المواجهة الذكية تستهدف السلوك الدعائي ولا تستهدف هوية الإنسان.

كما أن الدفاع عن الوحدة الترابية لا يحتاج إلى لغة الشتائم. القضية الوطنية تصبح أقوى عندما تُعرض بالحجة والوثيقة والقانون والتاريخ والواقع الميداني، لا عندما تتحول شبكات التواصل الاجتماعي إلى مباراة يومية في الإهانة المتبادلة.

المغرب الذي يريد الانتصار في حرب المعلومات يحتاج إلى مواطن واثق، وصحافي مهني، ومؤسسات سريعة التواصل، وخبراء في الأمن السيبراني، وباحثين قادرين على تحليل الشبكات المنسقة، وتشريعات تحمي المجتمع من الجرائم الرقمية من دون التضييق على النقد المشروع وحرية التعبير.

هذه هي معادلة القوة الحقيقية.

لقد انتقلت المعركة من سؤال: «كيف نرد على الذباب الإلكتروني؟» إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نجعل المجتمع المغربي عصيًا على التضليل؟

والفرق بين السؤالين كبير.

الأول يجعلنا نركض دائمًا وراء الخصم، أما الثاني فيجعلنا نبني قوتنا الذاتية.

وفي تقديري، فإن المغرب كلما واصل الاستثمار في التنمية، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وتطوير الإعلام، وتسريع نشر المعلومة الصحيحة، وربط الدفاع عن الصحراء المغربية والشمال المغربي بالحقائق الملموسة بدل الشعارات وحدها، سيجعل الحملات الرقمية المعادية أقل قدرة على التأثير.

فالذباب الإلكتروني يستطيع أن يصنع ضجيجًا كبيرًا على شاشة صغيرة، لكنه يعجز عن تغيير الجغرافيا والتاريخ والمؤسسات والواقع إذا وجد أمامه دولة تمتلك روايتها، ومجتمعًا يعرف كيف يميز بين الخبر والإشاعة، وبين النقد والتضليل، وبين الاختلاف المشروع والمشروع الانفصالي.

إن السيادة الرقمية اليوم ليست ترفًا تقنيًا، وإنما امتداد للسيادة الوطنية.

ومن يفهم هذه الحقيقة مبكرًا، يربح معارك كثيرة من دون أن يطلق رصاصة واحدة.


0 التعليقات: