الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أغسطس 20، 2026

قبل أن يقطع المال الحرام الطريق على الديمقراطية المغربية: عبده حقي


أقترب من انتخابات الثالث والعشرين من شتنبر 2026 وأنا لا أنظر إليها باعتبارها مجرد موعد آخر لفتح مكاتب التصويت ووضع الأوراق داخل الصناديق وانتظار النتائج إلى ساعة متأخرة من الليل. أريد لهذه الانتخابات أن تكون امتحانا سياسيا وأخلاقيا للمغرب كله: للدولة، وللأحزاب، وللمرشحين، وللناخبين، وللصحافة، وللمجتمع المدني. وأضع في مقدمة هذا الامتحان سؤالا واحدا أراه أكثر خطورة من عشرات الشعارات الانتخابية: هل نستطيع أن نجعل صوت المواطن غير قابل للبيع؟

لقد حُدد يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026 موعدا لانتخاب أعضاء مجلس النواب، على أن تنطلق الحملة الرسمية يوم 10 شتنبر وتنتهي عند منتصف ليلة 22 شتنبر.  لكن القيمة الحقيقية لهذا التاريخ لن تحددها كثافة الملصقات ولا أعداد التجمعات ولا حجم الحضور على شبكات التواصل الاجتماعي، بل سيحددها، في تقديري، مقدار المسافة التي سننجح في إقامتها بين صندوق الاقتراع ومحفظة المال.

أقولها بصراحة: أخطر ما يمكن أن يحدث للديمقراطية ليس أن يخسر حزب أو يفوز آخر، بل أن يقتنع المواطن بأن النتيجة تستطيع النقود شراء جزء منها. عندئذ تتحول السياسة من منافسة بين البرامج والكفاءات إلى مزاد صامت، ويتحول المرشح من صاحب مشروع إلى مشتر محتمل، ويتحول بعض الناخبين من مواطنين يملكون حق الاختيار إلى أرقام داخل حسابات انتخابية باردة.

وهنا أستعمل عبارة «المال الحرام» بمعناها السياسي والأخلاقي قبل أي معنى آخر: ذلك المال الذي يدخل العملية الانتخابية خلسة لكي يشتري إرادة إنسان، أو يستغل فقرا، أو يستثمر حاجة عائلة، أو يحول ظرفا اجتماعيا صعبا إلى فرصة انتخابية.

أنا لا أستطيع أن ألوم المواطن الفقير وحده إذا مد إليه أحدهم ورقة نقدية في لحظة هشاشة. اختزال المشكلة في أخلاق الناخب سيكون ظلما كبيرا. فالفقر ليس جريمة، والحاجة ليست سقوطا أخلاقيا، أما تحويل الحاجة إلى سوق سياسية فهو الذي ينبغي أن يكون موضع المساءلة الصارمة.

من يقدم المال مقابل الصوت لا يقدم مساعدة اجتماعية. إنه يعقد صفقة. وقد تبدو الصفقة بسيطة: مبلغ مالي مقابل علامة في ورقة التصويت. لكنها في حقيقتها أخطر بكثير. لأن المنتخب الذي يبدأ علاقته بالمواطن بشراء صوته قد يعتبر، بعد الفوز، أنه سدد ثمن العلاقة مسبقا.

وهنا تبدأ الدائرة المغلقة. يشتري المرشح الصوت، ثم يصل إلى المؤسسة المنتخبة مثقلا بكلفة انتخابية يريد تعويضها، ثم تصبح السياسة استثمارا يحتاج إلى مردودية، وتدخل المصالح الشخصية وشبكات الزبونية والوساطة إلى المكان الذي كان يجب أن تدخله البرامج والأفكار والكفاءة.

لهذا لا أرى شراء الأصوات مجرد مخالفة تقع ليلة الاقتراع. أراه بذرة فساد قد تمتد آثارها خمس سنوات كاملة.

المغرب يدخل انتخابات 2026 بإطار قانوني عرف تعديلات مهمة. وقد أكدت المحكمة الدستورية في قرارها المتعلق بالقانون التنظيمي رقم 53.25 أن الدستور يجعل الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، وأن مخالفة قواعد نزاهة وصدق وشفافية العمليات الانتخابية تستوجب العقاب وفق القانون. كما أقرت التعديلات موانع للترشح مرتبطة بفئات من الإدانات والمتابعات المحددة قانونا، ضمن توجه يرمي إلى تعزيز الثقة ونزاهة الاقتراع. 

وأرى في هذا التشديد إشارة بالغة الدلالة: لا يكفي أن تكون لدينا صناديق شفافة، بل نحتاج أيضا إلى مسار شفاف يصل إليها.

فالانتخابات قد تبدو سليمة في صورتها الخارجية، بينما يكون الخلل قد وقع قبل الوصول إلى مكتب التصويت: في وليمة، أو هدية، أو وساطة، أو خدمة مشروطة، أو مبلغ يسلم تحت جنح الظلام، أو وعد بمنفعة شخصية بعد النجاح.

لذلك فإنني أعتبر الأسبوعين السابقين للاقتراع أخطر من يوم الاقتراع نفسه.

وهنا تقع المسؤولية على السلطات والنيابة العامة في التعامل السريع مع الشكايات الجدية والقرائن القابلة للتحقق. وفي يوليو 2026 جرى بالفعل تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، في إطار الإعداد لاقتراع 23 شتنبر، بمشاركة وزارة الداخلية ورئاسة النيابة العامة، بما يعكس وضع سلامة العملية الانتخابية ضمن صلب الاستعدادات الرسمية. 

لكن القانون، مهما كان صارما، لا يستطيع وحده أن يكون موجودا في كل زقاق ودوار ومقهى وبيت. هناك حارس آخر للانتخابات اسمه المواطن.

التحول الديمقراطي الحقيقي يبدأ في اللحظة التي يدرك فيها المواطن أن ورقة التصويت التي يحملها تساوي أكثر من أي مبلغ يمكن أن يعرض عليه.

فالمال ينتهي في ساعات أو أيام، أما أثر الاختيار السياسي فقد يستمر سنوات. ومن يبيع صوته اليوم قد يشتري بثمنه حاجيات أسبوع، لكنه قد يدفع ثمن الصفقة خمس سنوات من ضعف الخدمات وسوء التدبير وغياب المحاسبة. وهذه ليست موعظة أخلاقية بقدر ما هي معادلة سياسية شديدة البساطة.

وأعتقد أن إحدى أكبر معارك انتخابات 2026 يجب أن تكون تحرير الفئات الهشة من الابتزاز الانتخابي. ينبغي ألا نكتفي بالقول للفقير: لا تبع صوتك. بل ينبغي أن نقول للمرشح: لا تستغل فقره.فالكرامة الانتخابية جزء من الكرامة الاجتماعية.

لا يمكن لأي حزب أن يلقي خطابا عن النزاهة ثم يمنح تزكيته لمن يعرف أن رأسماله الانتخابي الحقيقي ليس برنامجه ولا حضوره الاجتماعي ولا كفاءته، بل قدرته المالية.

هنا أضع المسؤولية مباشرة أمام القيادات الحزبية. إذا أرادت الأحزاب أن تستعيد ثقة المغاربة، فعليها أن تثبت أن التزكية السياسية ليست رخصة للاستثمار في الانتخابات. عليها أن تسأل قبل توزيع التزكيات: من أين جاء هذا المرشح؟ ماذا قدم للمدينة أو القرية؟ ما سجله المهني والسياسي؟ ماذا يعرف عن التشريع؟ وما مشروعه الحقيقي؟ فالبرلمان ليس مجلسا لأصحاب القدرة على تمويل الحملات، وإنما مؤسسة تشريع ورقابة وتمثيل للأمة.

وأعتبر أن أخطر ما يمكن أن تفعله الأحزاب هو ترشيح أصحاب المال ثم الشكوى لاحقا من عزوف المواطنين عن السياسة. لأن المواطن يراقب التناقضات أكثر مما يتابع الخطب.

أريد أيضا أن تكون انتخابات 2026 فرصة لصحافة أكثر شجاعة ومهنية. لا أريد إعلاما يحول الحملة إلى سباق خيول: من يتقدم؟ من يتراجع؟ من يملأ الساحات أكثر؟ أريد صحافة تسأل عن مصادر تمويل الحملات، وعن البرامج، وعن حصيلة النواب السابقين، وعن وعود المرشحين القابلة للتحقق.

وفي الوقت نفسه، يجب ألا يتحول اتهام الناس بـ«شراء الأصوات» إلى سلاح لتصفية الحسابات السياسية دون أدلة. حماية الانتخابات من المال الفاسد لا تعني فتح سوق موازية للتشهير.

النزاهة تحتاج إلى أمرين متلازمين: الصرامة مع الفساد والصرامة مع الكذب أيضا.

بالنسبة إليّ، «القطع مع الماضي» لا يعني أن نستبدل أسماء بأسماء ونترك الأساليب القديمة في أماكنها.

يمكن أن يأتي وجه شاب ويمارس السياسة بعقلية شديدة القدم. ويمكن أن يأتي مرشح جديد محملا بالمال والوسطاء والوعد بالخدمات الشخصية فيعيد إنتاج أكثر النماذج الانتخابية سوءا.

التجديد الذي أنتظره أعمق. أريد انتقالا من المرشح المحسن إلى المرشح صاحب البرنامج؛ من المواطن الزبون إلى المواطن الناخب؛ من الوسيط الانتخابي إلى المناضل السياسي؛ من الوليمة إلى المناظرة؛ من ظرف المال إلى وثيقة البرنامج؛ ومن عبارة «ماذا ستعطيني؟» إلى سؤال «ماذا ستفعل إذا انتخبتك؟». هذه، في رأيي، هي الثورة الهادئة التي تحتاج إليها الانتخابات المغربية.

سيذهب المغاربة يوم 23 شتنبر لاختيار 395 عضوا بمجلس النواب في اقتراع عام مباشر.  لكنني أرى أن صندوقا آخر سيكون مفتوحا في اليوم نفسه، صندوقا غير مرئي اسمه الثقة.

إما أن نضع فيه أسبابا جديدة تدفع المواطن إلى الإيمان بأن صوته محترم، وإما أن نضيف أسبابا أخرى إلى رصيد العزوف والشك.

ولهذا فإن القبض على شخص يشتري الأصوات، متى ثبت الفعل وفق القانون، ليس حادثا انتخابيا هامشيا. إنه دفاع عن ملايين المواطنين الذين اختاروا الاحتفاظ بكرامتهم السياسية.

ومنع صاحب المال المشبوه من تحويل دائرة انتخابية إلى سوق ليس استهدافا لمترشح، بل حماية لجميع المترشحين الذين يخوضون المنافسة بشرف.

وتطبيق القانون بالتساوي ليس تفصيلا إداريا، بل الشرط الأول لكي يصدق الناس أن اللعبة السياسية تستحق المشاركة.

صوتي ليس للبيع هذه هي العبارة التي أتمنى أن تصبح الشعار الشعبي الحقيقي لانتخابات 2026.

صوتي ليس للبيع. ليس لأنه مجرد ورقة صغيرة، بل لأنه حصتي الفردية في الدولة.

صوتي يعني الطريق التي ستبنى، والمدرسة التي ستصلح، والمستشفى الذي سأدخله، والقانون الذي سيصدر، والضريبة التي سأدفعها، والرقابة التي ستمارس على الحكومة.

وعندما أبيعه، فإنني لا أبيع علامة انتخابية فقط. إنني أتنازل، ولو للحظة، عن جزء من حقي في مساءلة من اشتراه.

لذلك أريد انتخابات 2026 أن تكون لحظة قطيعة حقيقية، ولكن القطيعة لا تصنعها الخطب ولا البلاغات وحدها. تصنعها يد ترفض ظرف المال، وحزب يرفض تزكية الفاسد، وسلطة تطبق القانون بلا محاباة، وقضاء يتحرك حيث توجد الأدلة، وصحافة تحقق ولا تشهر، ومواطن يعرف أن كرامته أغلى من كل الأوراق النقدية التي يمكن أن توضع أمامه.

إذا نجح المغرب في ذلك، فلن يكون الفائز الحقيقي هو الحزب الذي يتصدر النتائج ليلة 23 شتنبر. سيكون الفائز هو السياسة المغربية نفسها.

وسيكون أهم رقم في تلك الانتخابات ليس عدد المقاعد التي حصل عليها هذا الحزب أو ذاك، بل عدد الأصوات التي بقيت عصية على الشراء.

عبده حقي


0 التعليقات: