شهد المغرب خلال الأيام الممتدة تقريباً من 10 إلى 15 غشت 2026 حركية ثقافية وفنية كثيفة، يصعب اختزالها في منطق المهرجانات الصيفية وحده. فقد تزامنت العروض الموسيقية الكبرى مع حدث أدبي مؤلم تمثل في رحيل الشاعر والناقد محمد السرغيني، ومع مؤشرات إيجابية حول الإقبال على الكتاب المستعمل، وعودة التراث الموسيقي والمحلي بقوة إلى الفضاءات العامة، فضلاً عن أخبار تؤكد استمرار انفتاح السينما المغربية على المهرجانات الدولية وتنامي الاهتمام بالبحث السينمائي. إنها حصيلة تكشف مشهداً يتحرك في أكثر من اتجاه: بين الذاكرة والفرجة، بين التراث والصناعات الثقافية، وبين الثقافة النخبوية والثقافة الجماهيرية.
1 ـ رحيل محمد السرغيني.. خسارة أحد أعمدة الحداثة الشعرية المغربية
شكل رحيل الشاعر والكاتب والناقد والأكاديمي المغربي محمد السرغيني، يوم الجمعة 14 غشت 2026 عن عمر ناهز 96 عاماً بعد معاناة مع المرض، الحدث الثقافي الأكثر حزناً خلال الأيام الماضية. ولم يكن الأمر مجرد وفاة شاعر مسن، بل غياب اسم رافق تشكل الشعر المغربي الحديث وساهم، من موقعه الإبداعي والجامعي، في تكوين أجيال من الشعراء والباحثين وطلبة الأدب. وقد سارعت مؤسسات ثقافية وشعراء وكتاب إلى نعيه واستعادة جوانب من تجربته، فيما وصفه الشاعر صلاح بوسريف في أحد نصوص الرثاء بشاعر «الغموض المضيء»، وهو توصيف يلامس بالفعل خصوصية عالم السرغيني الشعري المركب.
ودلالة هذا الرحيل تتجاوز البعد العاطفي إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بالذاكرة الثقافية المغربية: ماذا أعددنا لحفظ أعمال جيل كامل كان له الدور الأساسي في الانتقال بالشعر المغربي من التقليد إلى الحداثة؟ فالسرغيني ينتمي إلى جيل ينبغي ألا تظل تجربته موزعة بين الكتب القديمة والدراسات الجامعية المتفرقة وشهادات الأصدقاء. رحيله يفرض، في تقديري، مشروعاً مؤسساتياً لجمع أعماله وتحقيقها ورقمنتها، وإعادة قراءة تجربته نقدياً وربطها بالتحولات الكبرى التي عرفها الشعر العربي الحديث. كثافة المقالات والمراثي التي أعقبت وفاته تؤكد أن الرجل لم يغادر الذاكرة الثقافية حتى وإن ابتعد في سنواته الأخيرة عن الواجهة الإعلامية.
2 ـ «أصوات نسائية» بتطوان.. المرأة تستعيد الذاكرة المتوسطية
في تطوان، احتضنت المدينة ما بين 12 و15 غشت الدورة الرابعة عشرة من مهرجان «أصوات نسائية»، في صيغة تجمع بين الموسيقى والتراث والعمل الاجتماعي. ومن اللافت أن البرنامج لم ينطلق فقط من نجومية الأسماء الفنية، بل استدعى مكونات من الذاكرة الموسيقية لشمال المغرب، حيث حضرت الحضرة الشفشاونية إلى جانب الفنانة شيماء عمران والفرقة الإسبانية Azúcar Moreno، في محاولة لربط الإبداع النسائي بالعمق المتوسطي للمدينة. كما رافقت المهرجان مبادرات اجتماعية وطبية ضمن برنامج «الصحة للجميع».
وتكمن قيمة هذا الاختيار في أن المهرجان يبتعد نسبياً عن نموذج الحفلة الموسيقية العابرة ليقترح تصوراً أوسع للثقافة، تتداخل فيه الذاكرة المحلية مع الانفتاح على المتوسط. فاستحضار الحضرة الشمالية في منصة حديثة ليس مجرد فولكلور، بل يمكن أن يصبح آلية لنقل التراث من فضائه التقليدي إلى الأجيال الجديدة. أما اقتران التظاهرة بالعمل الاجتماعي فيمنحها بعداً مدنياً مهماً، ويطرح نموذجاً جديراً بالتطوير: مهرجان لا ينتهي أثره بانطفاء أضواء المنصة، وإنما يترك شيئاً في المدينة وفي حياة سكانها.
3 ـ «صيف الأوداية».. من كناوة إلى الراب في فضاء واحد
أسدل الستار يوم 12 غشت على الدورة الرابعة عشرة للمهرجان الدولي للفنون والثقافة «صيف الأوداية» بالرباط، بعد أربعة أيام من البرمجة الفنية على كورنيش أبي رقراق. المهرجان، الذي تأسس سنة 2011 بمبادرة من الموسيقار الراحل حسن مكري، بنى عبر دوراته هوية تقوم على التنوع، من الموسيقى الأمازيغية والصحراوية والكناوية والأندلسية إلى الموسيقى الشبابية. وفي دورة هذه السنة حضرت أيضاً موسيقى الراب من خلال أسماء مثل حليوة وأوزي، إلى جانب نصر ميكري وألوان موسيقية أخرى، قبل أن تختتم التظاهرة على إيقاعات الأغنية الشعبية.
والأهم في هذه البرمجة، من زاوية ثقافية، أنها تكسر التقسيم القديم بين «الفن التراثي» و«فن الشباب». فالراب لم يعد هامشاً موسيقياً معزولاً عن المؤسسات والمهرجانات، بل صار جزءاً من المشهد الثقافي الرسمي والجماهيري. حين تتجاور كناوة والراب والموسيقى الشعبية داخل مهرجان واحد، فنحن أمام صورة مصغرة للتحول الذي يعرفه الذوق المغربي ذاته: ذوق متعدد المرجعيات، يستطيع العودة إلى التراث وفي الوقت نفسه الإصغاء إلى لغة الشارع وأصوات الأجيال الجديدة. وهذا التعايش بين الأشكال هو أحد أهم مؤشرات حيوية الثقافة المغربية المعاصرة.
4 ـ معرض الكتاب المستعمل بالدار البيضاء.. الجمهور يفاجئ خطاب «أزمة القراءة»
من الأخبار الثقافية اللافتة أيضاً قرار تمديد الدورة الرابعة عشرة للمعرض الوطني للكتاب المستعمل بالدار البيضاء إلى غاية 17 غشت 2026، بعدما سجلت التظاهرة إقبالاً واسعاً على اقتناء الكتب وحضور اللقاءات الثقافية. واحتوت الأروقة على مؤلفات في الرواية والتاريخ والفلسفة والمسرح والأدب والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية والثقافة المغربية، إلى جانب كتب بلغات متعددة. وقد أكد منظمو المعرض أن حجم التوافد كان من الأسباب المباشرة التي دفعت إلى تمديد موعد الاختتام.
وهذا الخبر يستحق أن يُقرأ بعيداً عن الكليشيه المتكرر القائل إن «المغاربة لا يقرؤون». فالمشكلة قد لا تكون دائماً في انعدام الرغبة في القراءة، وإنما أيضاً في أسعار الكتاب الجديد، وقنوات توزيعه، وبعد المكتبات عن أحياء واسعة من المدن. الكتاب المستعمل يعيد إنتاج علاقة مختلفة بالقراءة: كتاب أرخص، وعناوين قديمة ونادرة، وفضاء يسمح للقارئ بالمصادفة والاكتشاف. والإقبال الذي أدى إلى تمديد المعرض يقدم مؤشراً عملياً على وجود جمهور محتمل للكتاب متى توفرت له الأسعار المناسبة والفضاءات القريبة.
5 ـ «راب أفريكا» بأبي رقراق.. المهرجان يبحث عن معادلة بين الأجيال
وانطلقت مساء 14 غشت بالرباط الدورة الخامسة من مهرجان «راب أفريكا»، حيث استضافت منصة أبي رقراق في ليلتها الأولى أسماء من بينها ديزي دروس وMister ID. وتمتد البرمجة إلى 23 غشت، وتضم أسماء تمثل أجيالاً وألواناً مختلفة، من أودادن وفاطمة تيحيحيت وجيل جيلالة إلى منال وستورمي والشاب خالد وعصام كمال. وتقول الجهة المنظمة إن فلسفة المهرجان تقوم أساساً على المزج بين الأسماء المكرسة والتجارب المنتمية إلى الأجيال الموسيقية الجديدة.
وهذا المزج مهم لأنه يطرح بصورة مباشرة سؤالاً ظل مؤجلاً في كثير من المهرجانات المغربية: هل تستطيع المؤسسات الثقافية التعامل مع الراب والهيب هوب باعتبارهما جزءاً من الثقافة المغربية الجديدة لا مجرد موسيقى شبابية عابرة؟ برمجة الراب إلى جانب جيل جيلالة وأودادن والشعبي والراي توحي بإعادة تعريف مفهوم «الموسيقى المغربية» نفسه. وفي المقابل، تطرح كثافة المهرجانات الصيفية سؤالاً مشروعاً عن اقتصاد الثقافة ومردوديتها؛ والوزارة نفسها تتحدث عن جعل اقتصاد المهرجانات جزءاً من الصناعات الثقافية والإبداعية ورافعة لفرص الشغل. التحدي إذن هو الانتقال من منطق الإنفاق على الفرجة إلى بناء سوق فنية مستدامة ينتفع منها الفنانون والتقنيون والمنتجون والمدينة معاً.
6 ـ موسم مولاي عبد الله أمغار.. التراث ما يزال قادراً على صناعة الجمهور
اختتم موسم مولاي عبد الله أمغار بالجديدة مساء 14 غشت بعد ثمانية أيام جمعت التبوريدة والصيد بالصقور والذكر والمديح والسهرات الشعبية والصناعة التقليدية والأنشطة الثقافية. وبلغت السهرة الختامية، التي شارك فيها سعيد ولد الحوات ومنير النواوي وإدريس البوعزاوي، ذروة الإقبال؛ إذ نقلت «أحداث أنفو» عن اللجنة المنظمة تقديراً يقارب 380 ألف متفرج في الليلة الختامية. كما قدم البرنامج على امتداد أيامه نماذج متعددة من التراث المغربي، من أحواش والعيطة وعبيدات الرمى إلى الطرب الحساني والأغنية الشعبية.
هذه الأرقام، حتى مع التعامل معها باعتبارها تقديرات صادرة عن الجهة المنظمة، تكشف قوة الثقافة الشعبية وقدرتها على التعبئة. فالجمهور الذي يتجه بكثافة نحو التبوريدة والعيطة والفرجة التقليدية يقدم دليلاً على أن الحداثة لم تمح الحاجة إلى الطقس الجماعي والذاكرة المحلية. غير أن التحدي الحقيقي هو ألا يتحول التراث إلى مجرد مشهد استعراضي. الحفاظ على التبوريدة والعيطة والصقارة والصناعة التقليدية يعني أيضاً دعم حاملي هذه الفنون، وتوثيقها وتعليمها وتمكينها اقتصادياً حتى تستمر خارج زمن الموسم نفسه.
7 ـ مهرجان الشواطئ.. الفن يخرج من القاعة إلى الجمهور الواسع
واصلت الدورة الثانية والعشرون لمهرجان الشواطئ لاتصالات المغرب حضورها القوي في مدن الساحل. ففي طنجة اختتمت السهرات يوم 14 غشت بحفل لمغني الراب مسلم، بعد سلسلة من الحفلات التي شارك فيها فنانون مغاربة، في حين خصصت محطة الحسيمة مساحة للمواهب المحلية إلى جانب الأسماء المعروفة. والمهرجان الممتد خلال الصيف في مدن مثل طنجة والمضيق والحسيمة والسعيدية يقوم أساساً على مجانية العروض وعلى نقل الموسيقى إلى فضاءات مفتوحة يرتادها المصطافون والسكان.
هذا النوع من التظاهرات يحقق شكلاً من «ديمقراطية الوصول» إلى الفن؛ فالحفل لا يعود مرتبطاً بتذكرة مرتفعة أو بقاعة مغلقة، وإنما يصبح جزءاً من الفضاء العام. غير أن القيمة الأهم مستقبلاً ستكون في توسيع مساحة الفنانين المحليين، خصوصاً في المدن البعيدة عن محور الدار البيضاء ـ الرباط. فإذا تحولت منصة الحسيمة أو السعيدية أو طنجة إلى نافذة حقيقية لاكتشاف أصوات جديدة، فلن يعود مهرجان الشواطئ مجرد سلسلة حفلات صيفية، بل قد يصبح إحدى آليات اكتشاف المواهب وبناء مسارات فنية من الجهات نحو المستوى الوطني.
8 ـ «Bardi» لتالا حديد.. التبوريدة تنتقل من الموسم إلى شاشة نيويورك
على المستوى السينمائي، حمل يوم 14 غشت خبراً ذا دلالة دولية، بعدما أعلن أن الفيلم الجديد «Bardi» للمخرجة والمصورة المغربية العراقية تالا حديد سيعرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان نيويورك السينمائي يوم فاتح أكتوبر 2026، بعد اختياره محوراً رئيسياً ضمن قسم Currents في الدورة الرابعة والستين. الفيلم، ومدته 109 دقائق، إنتاج مشترك مغربي فرنسي قطري، وصُوّر في وسط المغرب، ويتخذ من عالم فرسان التبوريدة ومن المجتمعات المحيطة بهذه الممارسة التراثية مادة بصرية وسردية رئيسية.
والجميل في هذا الخبر أنه يتقاطع بصورة رمزية مع موسم مولاي عبد الله أمغار الذي شهدناه في الأيام نفسها. فالتبوريدة تظهر في الجديدة بوصفها فرجة شعبية حية، ثم تنتقل عبر السينما إلى شاشة أحد أبرز المهرجانات الأمريكية. هنا تتجسد إحدى أفضل الصيغ الممكنة لتدويل الثقافة المغربية: ليس عبر تقديم التراث بوصفه بطاقة بريدية سياحية، وإنما بتحويله إلى مادة فنية قابلة لإعادة التأويل سينمائياً. عندما يدخل التراث إلى لغة السينما المعاصرة، فإنه ينتقل من دائرة الحفظ إلى دائرة إنتاج معنى جديد.
9 ـ المجلة المغربية للأبحاث السينمائية.. الثقافة تحتاج أيضاً إلى النقد
وبعيداً عن ضجيج المنصات، صدر خلال الأيام نفسها العدد التاسع عشر من «المجلة المغربية للأبحاث السينمائية» التي تصدرها الجمعية المغربية لنقاد السينما. ووفق الإعلان المنشور في 13 غشت، يتضمن العدد ملفاً حول السينما الديكولونيالية، أي الاتجاهات النقدية التي تراجع علاقات الصورة السينمائية بالإرث الاستعماري وبأنماط تمثيل الآخر والهوية والتاريخ. ويؤكد صدور عدد جديد من مجلة متخصصة استمرار تقليد نقدي رافق السينما المغربية إلى جانب الإنتاج والمهرجانات.
وربما يكون هذا الخبر أقل جماهيرية من حفلات تضم عشرات الآلاف من المتفرجين، لكنه ثقافياً لا يقل أهمية عنها. فالصناعة السينمائية لا تنمو بالأفلام والقاعات وحدها، وإنما تحتاج إلى النقد والأرشيف والبحث والجامعة والمجلات المتخصصة. وتناول السينما الديكولونيالية بالذات يضع النقد المغربي داخل نقاش دولي أوسع حول من يملك الصورة ومن يصنع تمثلات المجتمعات وكيف تستطيع سينمات الجنوب التحرر من القوالب البصرية التي راكمها المركز الغربي. لذلك يمثل استمرار هذه المجلة أحد وجوه البنية التحتية الفكرية للسينما المغربية التي غالباً ما تبقى أقل ظهوراً في الإعلام من أخبار النجوم والمهرجانات.
حصيلة: ثقافة مغربية بين ثلاثة أزمنة
إذا جمعتُ خيوط هذه الأخبار، أجد أن المشهد الثقافي المغربي خلال الأيام الماضية تحرك بين ثلاثة أزمنة في آن واحد. هناك زمن الذاكرة الذي جسده رحيل محمد السرغيني واستمرار فنون التبوريدة والحضرة والعيطة؛ وزمن الحاضر الجماهيري الذي تجسد في «صيف الأوداية» و«أصوات نسائية» و«راب أفريكا» ومهرجان الشواطئ؛ ثم زمن المستقبل الذي تمثله السينما المغربية العابرة للحدود والبحث السينمائي ومحاولات إدخال الثقافة في منظومة الصناعات الإبداعية.
لكن الحصيلة تكشف أيضاً مفارقة ينبغي التفكير فيها: المغرب يمتلك جمهوراً ضخماً للموسيقى والتراث والفرجة، كما أثبتت المواسم والمهرجانات، ويمتلك جمهوراً للكتاب كما توحي تجربة معرض الكتاب المستعمل، ويملك طاقات سينمائية تصل إلى المنصات الدولية؛ غير أن الحلقة التي ينبغي تقويتها أكثر هي تحويل هذه الحيوية الموسمية إلى حياة ثقافية ممتدة على مدار السنة. الثقافة القوية ليست فقط تلك التي تجمع مئات الآلاف أمام منصة في ليلة صيفية، بل تلك التي تضمن وجود مكتبة وقاعة سينما ومسرح ومركز ثقافي وفضاء عرض ونادٍ للقراءة ومجلة نقدية طوال أشهر السنة.
ومن هنا تبدو حصيلة منتصف غشت 2026 إيجابية في تنوعها، لكنها تفتح في الوقت ذاته سؤال المرحلة المقبلة: كيف نحول جمهور المهرجان إلى جمهور للمسرح والسينما والكتاب؟ وكيف نحول التراث من فرجة موسمية إلى اقتصاد ثقافي يحمي حامليه؟ وكيف نحفظ ذاكرة أسماء كبرى من حجم محمد السرغيني قبل أن تتحول إلى مجرد مناسبات للرثاء؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت هذه الوفرة من الأنشطة مجرد صيف ثقافي حافل، أم مؤشراً على تشكل منظومة ثقافية مغربية أكثر رسوخاً واستدامة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق