الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أكتوبر 25، 2026

رحيل الروائي الياباني ريو موراكامي… صوت أدبي اخترق عتمة المجتمع الياباني بقلم عبده حقي


فقدت الساحة الأدبية اليابانية والعالمية واحدًا من أبرز أصواتها المتمردة برحيل الروائي والسينمائي الياباني ريو موراكامي عن عمر ناهز 74 عامًا، بعدما أعلنت دار النشر اليابانية «غينتوشا» وفاته، منهية بذلك مسيرة إبداعية امتدت نحو نصف قرن، ارتبط خلالها اسمه بأدب جريء لم يتردد في اقتحام المساحات المعتمة من المجتمع الياباني الحديث، وكشف ما يختبئ خلف واجهته الاقتصادية والتكنولوجية اللامعة من عزلة وعنف وتمرد واضطرابات نفسية واجتماعية.

وبحسب ما أعلنته دار النشر، توفي موراكامي في منزله يوم 17 أكتوبر 2026، قبل أن يُعلن الخبر رسميًا في 23 أكتوبر، وقد نعته بكلمات مؤثرة استحضرت موقعه باعتباره واحدًا من الكتاب الذين واصلوا، طيلة مسيرتهم، إنتاج أعمال صادمة ومختلفة، خصوصًا في تناولها لعوالم الشباب والتحولات الاجتماعية والثقافية التي عاشتها اليابان خلال العقود الأخيرة.

ولد ريو موراكامي في 19 فبراير 1952 بمدينة ساسيبو في محافظة ناغاساكي اليابانية، وهي مدينة ارتبطت في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية بحضور عسكري أمريكي ترك آثارًا واضحة في الثقافة المحلية وفي تجربته الإبداعية لاحقًا. وقد برز اسمه بقوة في المشهد الأدبي منذ سبعينيات القرن الماضي، عندما أصدر روايته الأولى «أزرق شبه شفاف» سنة 1976، وهي الرواية التي دفعت به مباشرة إلى مقدمة المشهد الأدبي الياباني، بعدما تناول فيها عالم مجموعة من الشباب الغارقين في المخدرات والجنس والعنف والاغتراب، في صورة مغايرة تمامًا للصورة التقليدية التي كانت تُقدَّم عن المجتمع الياباني المنضبط والمتماسك.

حققت الرواية منذ صدورها صدى نقديًا كبيرًا، وفازت بجائزة «غونزو» للكتاب الجدد، ثم بجائزة أكوتاغاوا، وهي من أرفع الجوائز الأدبية في اليابان، لتتحول إلى إعلان مبكر عن ولادة صوت أدبي لا يخشى الصدام مع المحظورات ولا يسعى إلى تقديم صورة مطمئنة عن المجتمع.

ومنذ ذلك العمل الأول، اختار ريو موراكامي أن يجعل من الهامش الإنساني والاجتماعي أحد مختبراته الأساسية، فكتب عن المهمشين والمنبوذين والمراهقين المضطربين وضحايا المدن الكبرى والأفراد الذين يعيشون في تماس دائم مع العنف والخوف والرغبات المحرمة. ولم يكن اهتمامه بهذه الشخصيات مجرد بحث عن الإثارة، بل كان مدخلًا لقراءة التحولات العميقة التي أصابت المجتمع الياباني في ظل الرأسمالية المتسارعة والاستهلاك وصعود المدن العملاقة وتراجع الروابط الاجتماعية التقليدية.

ومن أشهر أعماله رواية «أطفال خزائن الأمتعة» الصادرة سنة 1980، والتي تستند إلى حكاية طفلين تُركا عقب ولادتهما داخل خزائن لحفظ الأمتعة، قبل أن تتطور حكايتهما في عالم يتقاطع فيه العنف بالانتقام والبحث عن الهوية والانتماء. وقد رسخت الرواية مكانة موراكامي بوصفه كاتبًا قادرًا على استخدام الحكاية الصادمة لتفكيك هشاشة الإنسان المعاصر، والبحث في الآثار النفسية والاجتماعية للإقصاء والتخلي والوحدة.

كما حققت روايته «في حساء الميسو»، الصادرة عام 1997، حضورًا عالميًا، وهي عمل يدور في الأحياء الليلية بطوكيو، ويقترب من عالم الجريمة والعنف والغربة من خلال علاقة مضطربة بين مرشد سياحي ياباني وزائر أمريكي. وفي هذه الرواية، كما في الكثير من أعماله، تتحول المدينة الحديثة إلى شخصية قائمة بذاتها، تبدو مضيئة من الخارج لكنها تخفي في أعماقها خوفًا ووحدةً وانفصالًا إنسانيًا عميقًا.

وقد ترك ريو موراكامي وراءه أكثر من أربعين رواية ومجموعة قصصية، إلى جانب مقالات وأعمال سينمائية وتلفزيونية، كما تحولت بعض رواياته إلى أفلام شهيرة، وفي مقدمتها رواية «Audition» التي اقتبسها المخرج الياباني تاكاشي ميكي في فيلم صدر سنة 1999 وأصبح من أبرز أفلام الرعب النفسي الياباني في العقود الأخيرة.

ولم تقتصر تجربة موراكامي على الأدب الروائي، فقد عمل في السينما والإعلام، واهتم كذلك بالشأن الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وبدا دائمًا حريصًا على رصد التحولات التي تصيب الإنسان الياباني تحت ضغط التكنولوجيا والاستهلاك والعزلة. وكان ينظر إلى الرواية باعتبارها وسيلة لفتح الجراح التي يفضل المجتمع أحيانًا عدم رؤيتها، ولهذا ارتبطت كتاباته طوال عقود بموضوعات العنف والجريمة والجنس والمخدرات والحرب والاغتراب وتفكك العلاقات الاجتماعية.

وقد ساهمت ترجمات أعماله إلى عدد من اللغات في نقل تجربته خارج اليابان، حتى أصبح اسمه حاضرًا في المشهد الأدبي العالمي، وإن ظل مختلفًا جذريًا عن مواطنه الروائي هاروكي موراكامي الذي لا تربطه به أي صلة قرابة. وبينما ارتبط اسم هاروكي موراكامي بالعوالم الحلمية والوحدة والتأمل، اتجه ريو موراكامي أكثر نحو المناطق الخشنة والدامية من الواقع الياباني، محولًا الهامش الاجتماعي إلى بؤرة أساسية لكتاباته.

إن رحيل ريو موراكامي لا يمثل فقط غياب روائي بارز من جيل ما بعد الحرب في اليابان، بل أيضًا اختفاء واحد من الكتاب الذين ساهموا في تقويض الصورة النمطية عن المجتمع الياباني بوصفه مجتمعًا شديد الانسجام والانضباط. فقد أصر في نصوصه على الكشف عن الشقوق الموجودة خلف هذه الصورة، وعلى منح اللغة الأدبية قدرة على مواجهة العنف المكبوت والقلق والوحدة والاضطراب النفسي.

ومع رحيله، تبقى أعمال مثل «أزرق شبه شفاف»، و«أطفال خزائن الأمتعة»، و«في حساء الميسو»، و«Audition» وغيرها شاهدة على تجربة أدبية اختارت باستمرار الاقتراب من المناطق التي يخشاها الآخرون، وعلى كاتب جعل من الرواية أداة لمساءلة المجتمع بدل الاكتفاء بوصفه، ومن الصدمة الجمالية وسيلة للكشف عن حقائق إنسانية أكثر عمقًا وتعقيدًا.

بهذا الرحيل، يفقد الأدب الياباني أحد أكثر أصواته جرأة وتمردًا، لكن العالم الذي بناه ريو موراكامي في رواياته سيظل حاضرًا باعتباره شهادة أدبية حادة على اليابان الحديثة، وعلى الإنسان الذي يسكن مدنًا متطورة تقنيًا بينما يخوض، في داخله، معارك أكثر ظلمة ووحدة واضطرابًا.


0 التعليقات: