يشهد الحقل السينمائي المغربي خلال السنوات الأخيرة تحولات تتجاوز بكثير سؤال عدد الأفلام المنتجة أو حجم المشاركة المغربية في المهرجانات الدولية، إذ أخذت السينما تتحول تدريجيًا إلى موضوع للبحث الجامعي والدراسة الأكاديمية، وإلى حقل معرفي يستدعي المناهج والنظريات والتحليل والتوثيق، بعدما ظلت لعقود مرتبطة في المخيال العام أساسًا بقاعات العرض والمهرجانات والنقد الصحفي وتجارب الأندية السينمائية. وفي هذا السياق يأتي تجديد المكتب المسير لـ«الجمعية المغربية للبحث الأكاديمي في السينما» بوصفه حدثًا تنظيميًا يبدو في ظاهره عاديًا، لكنه يثير في العمق أسئلة تتصل بمكانة المعرفة السينمائية داخل الجامعة المغربية ومستقبل العلاقة بين الباحث والمخرج والناقد والطالب والمؤسسة الثقافية.
فقد عقدت الجمعية يوم الخميس 15 أكتوبر 2026 جمعها العام بمقرها بمدينة القنيطرة، حيث عُرض التقريران الأدبي والمالي وتمت مناقشتهما والمصادقة عليهما بالإجماع، قبل استقالة المكتب السابق وانتخاب مكتب جديد. وأسفرت العملية عن انتخاب الأستاذ عبد العظيم الطاهري رئيسًا للجمعية، وعبد الله صرداوي نائبًا للرئيس، وجميلة عناب كاتبة عامة، وسليمان الحقيوي نائبًا لها، وصفاء بنذهيبة أمينة للمال، وعبد الكريم أوبلا نائبًا لها، إلى جانب مجموعة من المستشارين. وجاء في المعطيات المنشورة أن المكتب الجديد يطمح إلى إعطاء دينامية جديدة للبحث السينمائي، وتطوير الحوار الفكري، وربط الصلات بين الباحثين والمهنيين والجامعات ومؤسسات التكوين.
لكن أهمية هذا التجديد لا تكمن فقط في أسماء المكتب المنتخب، وإنما في طبيعة المشروع الذي تقف خلفه الجمعية منذ تأسيسها. فقد ولدت «الجمعية المغربية للبحث الأكاديمي في السينما» بمدينة القنيطرة يوم 17 فبراير 2021، وانتُخب آنذاك الأكاديمي حمادي كيروم رئيسًا لها، فيما كان عبد العظيم الطاهري كاتبًا عامًا وعبد الله صرداوي أمينًا للمال، وهو ما يجعل انتقال الرئاسة إلى الطاهري امتدادًا لمسار داخلي بدأ مع التأسيس وليس انتقالًا مفاجئًا أو قطيعة مع المرحلة السابقة. وقد ارتبط تأسيس الجمعية منذ البداية بفكرة إدماج المعرفة السينمائية بصورة أعمق داخل الجامعة وتنسيق جهود الباحثين وتطوير المناهج والمراجع وتأطير الطلبة الباحثين.
وهنا تبرز المسألة الأساسية: السينما ليست فقط صناعة صور وحكايات، وليست أيضًا مجرد فرجة جماهيرية أو منتج ثقافي قابل للتسويق، بل هي منظومة معرفية كاملة تتقاطع فيها الفلسفة والجماليات والسوسيولوجيا والتاريخ والأنثروبولوجيا والأدب والموسيقى والعمارة والدراسات البصرية والتقنيات الرقمية. وكل سينما لا تنتج معرفة حول نفسها تظل معرضة لأن يُكتب تاريخها من الخارج أو أن تضيع ذاكرتها بين الأفلام والأرشيفات المتناثرة والشهادات الفردية.
لقد راكم المغرب تجربة سينمائية طويلة، وظهرت خلال العقود الماضية أجيال متعددة من المخرجين والممثلين والتقنيين والنقاد، كما توسعت شبكة المهرجانات والتظاهرات، وازدادت مشاركة الأفلام المغربية في الفعاليات الدولية، لكن البحث الأكاديمي الموازي لهذا التراكم ظل في حاجة مستمرة إلى تعزيز مؤسساته وقواعده وأرشيفاته ومجلاته العلمية ومختبراته الجامعية. فإنتاج فيلم مهم شيء، وإنتاج معرفة نقدية وتاريخية وجمالية حول ذلك الفيلم شيء آخر لا يقل أهمية.
ولا يمكن لأي سينما وطنية أن تبني تراكمًا حقيقيًا إذا كان تاريخها قائمًا أساسًا على ذاكرة الأفراد. الذاكرة السينمائية تحتاج إلى الوثيقة، والفهرسة، والأرشيف، والبحث الميداني، والشهادة المسجلة، وتحليل النص والصورة والصوت، ورصد تحولات الجمهور وقاعات العرض وسياسات الدعم والإنتاج والتوزيع. هنا يصبح الباحث السينمائي جزءًا من صناعة الذاكرة الوطنية نفسها.
وتكتسب الجمعية المغربية للبحث الأكاديمي في السينما أهميتها من هذه الزاوية تحديدًا، لأنها تسعى إلى خلق نقطة التقاء بين المعرفة الجامعية والممارسة السينمائية. فالجامعة قد تنتج أحيانًا أبحاثًا نظرية بعيدة عن واقع الإنتاج، بينما يتحرك المهني داخل المجال السينمائي وفق إكراهات التمويل والتصوير والتوزيع والجمهور. وبين الطرفين توجد فجوة ينبغي ردمها. عندما يجلس الباحث إلى جانب المخرج والسيناريست والمنتج والناقد والطالب، يصبح بالإمكان تحويل الفيلم من منتج فني فقط إلى موضوع معرفي حي.
والواقع أن الجمعية بدأت بالفعل اختبار هذه الصيغة من خلال المشاركة في تنظيم لقاءات أكاديمية متخصصة. ففي سنة 2025 ساهمت، إلى جانب جامعة ابن زهر، في ندوة دولية بأكادير حول حوار السينما مع الفنون الأخرى، شملت مداخلات تتصل بالجسد والفضاء والهوية والإرث البصري واللغة والذاكرة، كما تضمنت ورشة موجهة إلى طلبة الدكتوراه لمساعدتهم على تطوير أدوات بناء الإشكاليات وصياغة مشاريع البحث. ويكشف هذا النوع من المبادرات أن البحث السينمائي يمكن أن ينتقل من دائرة المحاضرة التقليدية إلى فضاء علمي دولي أكثر انفتاحًا.
إن إحدى المشكلات التي واجهت الدراسات السينمائية في المنطقة العربية عمومًا هي استمرار النظرة إلى السينما باعتبارها مجالًا تطبيقيًا أو ترفيهيًا أكثر منها مجالًا للمعرفة. وحتى عندما دخلت الفنون والسينما إلى بعض الجامعات، ظلت المناهج متفاوتة، والتخصصات موزعة بين شعب الأدب والفنون والتواصل والسمعي البصري، من دون بناء تقليد أكاديمي متماسك قادر على إنتاج مدرسة بحثية واضحة.
وقد طُرح منذ السنوات الأولى لتأسيس الجمعية موضوع تطوير مناهج تدريس السينما، بل إن النقاش امتد إلى فكرة التقارب بين المناهج السينمائية في الجامعات العربية وتبادل الخبرات بين المؤسسات الأكاديمية، في وقت كانت فيه أصوات من داخل الجمعية تشير إلى الوضع الاستثنائي الذي تعيشه المعرفة السينمائية داخل الجامعة والحاجة إلى منحها شرعية أكاديمية أكبر.
لهذا فإن تجديد المكتب ينبغي ألا يُقرأ فقط في إطار التداول التنظيمي، بل باعتباره فرصة لطرح برنامج معرفي أكثر طموحًا. من بين أهم الأوراش الممكنة اليوم إنشاء قاعدة بيانات وطنية للبحوث الجامعية المتعلقة بالسينما المغربية. هناك عشرات، وربما مئات الرسائل والأطروحات والمقالات التي أنجزت في جامعات مختلفة لكنها تظل مشتتة وصعبة الوصول. جمع هذه الدراسات وفهرستها رقميًا يمكن أن يوفر أساسًا معرفيًا لأي طالب أو باحث جديد.
الورشة الثانية تتعلق بالأرشيف السينمائي. فالسينما المغربية ليست الأفلام وحدها، بل الملصقات والصور والسيناريوهات والمراسلات الصحفية وبرامج المهرجانات والمقابلات والشهادات وملفات الدعم والنقد المنشور في الجرائد والمجلات. أجزاء واسعة من هذا التراث ما تزال في حوزة أفراد أو أسر أو جمعيات، وقد تضيع مع مرور الزمن. لذلك يمكن للبحث الأكاديمي أن يتحول إلى قوة حقيقية لإنقاذ الذاكرة السينمائية.
أما الورشة الثالثة فهي النشر. يحتاج المغرب إلى المزيد من الكتب الأكاديمية والمجلات المحكمة المتخصصة في السينما والدراسات البصرية. فالبحث الذي ينجز داخل قاعة جامعية ولا يصل إلى القارئ أو الطالب أو المكتبة يظل محدود الأثر. والنشر الرقمي اليوم يوفر إمكانات لم تكن متاحة سابقًا، إذ تستطيع الجمعيات والجامعات إنشاء منصات مفتوحة تضم الدراسات والبحوث والمراجع والوثائق.
وتبرز كذلك ضرورة الانفتاح على التحولات التقنية الهائلة التي تعرفها السينما. فالذكاء الاصطناعي بدأ يدخل الكتابة السينمائية والمونتاج وتصميم الصورة والصوت والمؤثرات والترجمة والدبلجة وحتى إنتاج اللقطات الاصطناعية. وهذا التحول يفرض على الباحث المغربي الانتقال بسرعة إلى أسئلة جديدة: من هو مؤلف الفيلم عندما تشارك الخوارزمية في إنتاج الصورة؟ كيف ستتغير حقوق الملكية الفكرية؟ ما الحدود الأخلاقية لاستخدام وجوه الممثلين رقميًا؟ وما مستقبل المهن السينمائية التقليدية؟
هذه ليست أسئلة للمستقبل البعيد؛ إنها أسئلة بدأت بالفعل تطرق أبواب الصناعة السينمائية العالمية. وإذا لم تدخل الجامعات ومراكز البحث المغربية هذا النقاش مبكرًا، فإنها ستجد نفسها لاحقًا في موقع المتلقي لنظريات وتجارب أنتجت في بيئات أخرى.
وهناك أيضًا علاقة البحث السينمائي بالمجتمع. السينما مرآة للتحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية؛ يمكن من خلالها دراسة صورة المرأة والهجرة والمدينة والهامش والذاكرة والاستعمار واللغة والهوية والتحولات القيمية. وبالتالي فإن دراسة الفيلم المغربي ليست نشاطًا منعزلًا عن الواقع، بل طريقة لقراءة المجتمع المغربي نفسه.
من هنا تبدو الحاجة ملحة إلى شراكات أوسع بين الجمعية والجامعات والمهرجانات والمركز السينمائي المغربي والمؤسسات الثقافية والمكتبات والأرشيفات والمدارس المتخصصة. لأن البحث الأكاديمي عندما يبقى محصورًا داخل الجامعة يفقد جزءًا من قدرته على التأثير، بينما تمنحه الشراكات إمكانية الوصول إلى الوثائق والمهنيين والأفلام والجمهور.
كما أن الجمعية ستكون مطالبة بمنح مكان أكبر للباحثين الشباب. فهناك جيل جديد يدرس السينما من زوايا تختلف عن الأجيال السابقة: السينما الرقمية، منصات البث، الفيديو القصير، ثقافة الخوارزميات، ألعاب الفيديو، الصورة المولدة آليًا، جمهور المنصات وتحولات المشاهدة. هؤلاء الباحثون يحتاجون إلى فضاءات للنشر والحوار والتكوين والاحتكاك بتجارب دولية.
إن انتخاب عبد العظيم الطاهري لرئاسة الجمعية يأتي، من هذه الزاوية، أمام مسؤولية تتجاوز إدارة هيكل جمعوي. فهو يتسلم إطارًا تأسس أساسًا لكي يمنح البحث السينمائي موقعًا أوضح داخل الحياة الأكاديمية المغربية، وقد كان الطاهري نفسه حاضرًا في بنيته منذ لحظة التأسيس سنة 2021، مما يعني أنه يعرف عن قرب الأسئلة التي رافقت المشروع ومراحله الأولى.
السينما المغربية تحتاج بالتأكيد إلى أفلام جيدة ومخرجين موهوبين وممثلين محترفين ومنتجين وموزعين وقاعات وجمهور، لكنها تحتاج أيضًا إلى عقل يفكر فيها، وإلى مؤسسة تحفظ ذاكرتها، وإلى باحث يسائل صورتها، وإلى جامعة تحول تراكمها الإبداعي إلى معرفة يمكن للأجيال المقبلة أن تبني عليها.
لهذا قد تكون القيمة الحقيقية لتجديد مكتب الجمعية المغربية للبحث الأكاديمي في السينما كامنة في السؤال الذي يفتحه أكثر مما هي كامنة في الخبر التنظيمي نفسه: هل نستطيع الانتقال من مرحلة الحديث عن السينما المغربية إلى مرحلة بناء معرفة مغربية متكاملة حول السينما؟
إذا تحقق ذلك، فلن تبقى الجامعة متفرجة على الشاشة، بل ستصبح واحدة من القوى التي تصنع معناها.







0 التعليقات:
إرسال تعليق