لم أحتج إلى قراءة البيان الجزائري أكثر من مرة حتى أتوقف أمام المفارقة الأساسية التي يحملها: اتهامات بالغة الخطورة، ولغة أمنية ثقيلة، وحديث عن «شبكة إجرامية دولية مغربية» وعن «أعمال تخريبية» تستهدف الأمن والنظام العام، مقابل غياب التفاصيل المنشورة التي تمكن الرأي العام من معرفة طبيعة هذا المخطط المفترض، وأهدافه ووسائله وأدلته المادية. بالنسبة إليّ، هذه ليست ملاحظة هامشية في قصة أمنية عابرة، بل هي جوهر القضية كلها، لأننا نتحدث عن اتهام يمس واحدًا وستين مواطنًا مغربيًا ويمكن، في مناخ التوتر القائم بين الرباط والجزائر، أن يتحول بسهولة من ملف جنائي يفترض أن يحسمه القضاء إلى مادة سياسية لإدانة المغرب بطريقة غير مباشرة.
أنا مغربي، ولذلك لن أتعامل مع هذه القضية كما لو أن جنسية الموقوفين مجرد تفصيل لا أهمية له، خصوصًا أن البيان الرسمي نفسه اختار أن يضع الصفة المغربية في صلب توصيف الشبكة. لكن انحيازي إلى بلدي لا يعني أن أطالب بتبرئة أي شخص تثبت مسؤوليته عن جريمة؛ بل يعني أنني أرفض أن تصبح الجنسية المغربية دليلاً، وأن يتحول الاشتباه في أفراد إلى إيحاء سياسي بحق دولة كاملة. إذا كان شخص مغربي قد ارتكب جريمة في الجزائر فليحاكم على ما ارتكبه هو، وإذا كان ستون أو واحد وستون شخصًا قد تورطوا في فعل مجرم فلتعرض الأدلة ضد كل واحد منهم. أما المغرب كدولة فلا يمكن إدخاله إلى قفص الاتهام بواسطة عنوان صحفي أو وصف أمني فضفاض.
السلطات الجزائرية أعلنت بالفعل يوم 11 أكتوبر 2026 توقيف 61 مواطنًا مغربيًا، وقالت إن التحقيقات الأولية تتحدث عن استعدادهم لتنفيذ أعمال تخريبية، وإن بينهم عسكريًا مغربيًا سابقًا، كما قالت إنهم وصلوا إلى تونس جوًا ثم عبروا إلى الجزائر من مسالك جبلية قبل الانتقال إلى وهران. وتحدث البيان أيضًا عن ضبط جوازات سفر ومبالغ مالية بالدرهم المغربي واليورو. لكنني عندما أتجاوز هذه التفاصيل وأسأل عن العنصر الأكثر أهمية في القضية، أي «التخريب» نفسه، أجد السؤال ما يزال مفتوحًا: ماذا كانوا سيخربون تحديدًا؟ وأين الأدوات التي ستستخدم؟ وأين الأسلحة أو المتفجرات إن كانت موجودة؟ وأين وسائل الاتصال والخرائط والتعليمات والمراسلات والتمويل الذي يفترض عادة وجوده في شبكة دولية منظمة توصف بأنها «عالية الخطورة»؟
هذه الأسئلة ليست دفاعًا أعمى عن المغرب، وإنما دفاع عن المنطق ذاته. جواز السفر المغربي لا يصنع مخربًا، والدرهم المغربي ليس أداة تخريب، ووجود عسكري سابق ضمن مجموعة من المواطنين لا يحول هؤلاء تلقائيًا إلى وحدة عمليات خاصة. وحتى العبور غير القانوني للحدود، إذا ثبت قضائيًا، يبقى جريمة لها توصيفها المحدد، ولا يصبح تلقائيًا دليلاً على مشروع أمني واسع. ولذلك أجد أن المسافة بين التفاصيل التي نُشرت وبين حجم التوصيف المستخدم في البيان الجزائري ما تزال كبيرة، وهذه المسافة لا يمكن ملؤها بالافتراضات.
ما يزيد تحفظي أن القضية تنفجر داخل بيئة سياسية استثنائية الحساسية. الجزائر والمغرب لا يعيشان خلافًا دبلوماسيًا عابرًا. العلاقات مقطوعة منذ 2021، والحدود البرية مغلقة منذ 1994، والخلاف حول الصحراء حاضر بقوة في علاقاتهما، وتبادل الاتهامات أصبح جزءًا متكررًا من الخطاب السياسي والإعلامي في البلدين. وفي مثل هذا المناخ يصبح أي ملف أمني يحمل اسم المغرب معرضًا منذ اللحظة الأولى لأن يُقرأ سياسيًا، ولهذا كان المطلوب، في تقديري، أن تكون الأدلة أكثر وضوحًا لا أن تكون الاتهامات أكثر ارتفاعًا.
وأتساءل هنا: لماذا نُقلت إلى الجمهور منذ البداية عبارة «شبكة إجرامية دولية مغربية» بدل الاكتفاء بالقول إن السلطات أوقفت مواطنين مغاربة يجري التحقيق معهم للاشتباه في أفعال محددة؟ الفرق بين العبارتين كبير. الأولى تبني انطباعًا وطنيًا وسياسيًا واسعًا، والثانية تلتزم بمنطق التحقيق الجنائي. الأولى تجعل «المغربية» جزءًا من هوية الجريمة نفسها، والثانية تحمل الأفراد مسؤولية أفعالهم المفترضة. وأنا أرى أن المغرب من حقه أن يتحفظ بشدة على كل خطاب يذيب هذا الفرق.
ولا أستطيع كذلك أن أتجاهل أن وكالة فرانس برس، وهي تنقل القضية، أشارت بوضوح إلى أن السلطات الجزائرية لم تقدم تفاصيل عن المخططات المزعومة. هذه الملاحظة بالنسبة إليّ شديدة الأهمية، لأنها تعني أن السؤال عن نقص المعلومات ليس اختراعًا إعلاميًا مغربيًا ولا رد فعل وطنيًا انفعاليًا، وإنما ملاحظة يمكن لأي متابع مستقل أن يصل إليها بمجرد مقارنة ضخامة الاتهام بحجم المعلومات المنشورة عنه.
ومن زاوية مغربية، أذهب أبعد من ذلك. على الرباط ألا تسمح بأن تصبح مثل هذه القضايا بابًا مفتوحًا لربط اسم المغرب بصورة منهجية بالتخريب أو التآمر كلما وقع حادث أمني في الجزائر. الرد الأقوى في رأيي ليس بالصراخ ولا بإطلاق اتهامات مضادة بلا أدلة، وإنما بالمطالبة الصارمة بالحقيقة: ما أسماء الموقوفين؟ ما التهم الفردية الموجهة إليهم؟ ما الأدلة المادية؟ ما طبيعة النشاط الذي قام به كل شخص؟ ما الهدف الذي كان سيستهدف؟ وهل توجد أي صلة مثبتة بين هؤلاء وبين أي مؤسسة رسمية مغربية؟
السؤال الأخير بالذات بالغ الأهمية. فحتى لو ثبت أن بعض الموقوفين ارتكبوا أفعالاً إجرامية، فهذا لا يساوي إثبات تورط الدولة المغربية. هذه قاعدة ينبغي ألا نسمح بإذابتها داخل الدعاية السياسية. آلاف المواطنين من مختلف الجنسيات يرتكبون جرائم خارج بلدانهم، ولم يقل أحد إن الجريمة تتحول آليًا إلى سياسة دولة لمجرد جنسية مرتكبها. فإذا كانت هناك أدلة على جهة رسمية مغربية، يجب تقديمها بوضوح. وإذا لم تكن هناك أدلة، فينبغي ألا يُترك المجال للإيحاء بأن المغرب حاضر خلف الستار لمجرد أن الموقوفين مغاربة.
وأجد نفسي كذلك أمام سؤال أكبر: من المستفيد من إضافة ملف جديد إلى جبل التوتر المغربي الجزائري؟ بالتأكيد ليس الشعب المغربي، وليس الشعب الجزائري، وليس المغرب العربي الذي أصبح واحدًا من أكثر مشاريع الاندماج الإقليمي تعطلاً رغم الروابط التاريخية والبشرية والاقتصادية التي تجمع شعوبه. عندما تتحول كل واقعة أمنية إلى مادة لتغذية الشك المتبادل، تصبح الحدود السياسية جدارًا داخل الوعي نفسه، ويصبح المغربي مطالبًا بالنظر إلى الجزائري كخصم دائم، والجزائري إلى المغربي باعتباره تهديدًا مستمرًا. وهذه نتيجة لا أعتقد أنها تخدم مستقبل المنطقة.
من هنا فإن دفاعي عن المغرب في هذه القضية هو أيضًا دفاع عن حق المغاربة في ألا تتحول جنسيتهم إلى شبهة جاهزة. المغرب دولة لها مؤسساتها ومصالحها وتحالفاتها واختياراتها السياسية، ويمكن الاختلاف معها وانتقادها مثل أي دولة، لكن اتهامها ضمنيًا بالوقوف خلف أعمال تخريبية يحتاج إلى مستوى من الإثبات يتناسب مع خطورة الادعاء. العلاقات المتوترة ليست دليلاً، والخلاف حول الصحراء ليس دليلاً، ووجود مواطنين مغاربة في ملف أمني ليس دليلاً على تورط الدولة.
وأرى أن أفضل موقف مغربي هو الهدوء الواثق لا الدفاع المرتبك. لا ينبغي للمغرب أن يتصرف كما لو أنه مطالب بإثبات براءته من اتهام لم يقدم أصلاً دليلًا على مسؤوليته فيه. عبء الإثبات يقع على من يوجه الادعاء. وإذا كانت الجزائر تمتلك ملفًا قويًا، فإن الطريق الطبيعي هو القضاء والوثائق والأدلة القابلة للفحص، وليس الاكتفاء بعناوين مثيرة تستطيع أن تصنع أثرًا سياسيًا سريعًا قبل أن تتضح الوقائع.
كما أنني أطالب بضمان كامل حقوق الموقوفين المغاربة، بصرف النظر عن طبيعة الاتهامات. فمن تثبت عليه جريمة يتحمل مسؤوليته الشخصية، ومن لم تثبت إدانته يجب أن يستفيد من قرينة البراءة. وأرفض أن يدفع إنسان ثمن الصراع بين دولتين فقط لأنه يحمل جواز سفر إحداهما. القضاء العادل لا يعرف جنسية «مناسبة» للإدانة ولا جنسية «مناسبة» للبراءة.
المغرب ليس مطالبًا بأن يدخل كل مرة في معركة شعارات، بل بأن يتمسك بمنطق الدولة: أعطونا الوقائع، قدموا الأدلة، افصلوا بين الأشخاص والمؤسسات، وافتحوا المجال لمحاكمة عادلة. بهذا فقط يمكن إسقاط كل توظيف سياسي محتمل للملف.
أما أن يُقال للرأي العام إن واحدًا وستين مغربيًا كانوا على وشك تنفيذ أعمال تخريبية خطيرة ثم تظل طبيعة هذه الأعمال نفسها مجهولة في المعلومات المنشورة، فهنا يصبح من حقي، كمغربي وككاتب، أن أرفع علامة استفهام كبيرة. ليس لأن الجزائر لا يمكن أن تواجه تهديدات أمنية، وليس لأن المغربي لا يمكن أن يرتكب جريمة، وإنما لأن الادعاءات الاستثنائية تحتاج إلى أدلة تتناسب معها.
وسأظل في هذه القضية منحازًا إلى مبدأ واضح: لا تجعلوا المغرب متهمًا بالوكالة. حاكموا الأفراد على أفعالهم إن امتلكتم الدليل، واكشفوا الحقيقة للرأي العام، واحترموا حقوق الموقوفين، ولا توسعوا دائرة الاتهام من الأشخاص إلى بلد كامل إلا إذا كانت هناك وقائع صلبة يمكن عرضها والدفاع عنها أمام القضاء والرأي العام.
بقلم الكاتب المغربي عبده حقي








0 التعليقات:
إرسال تعليق