الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أكتوبر 12، 2026

عزيز السغروشني من خشبة المسرح إلى ذاكرة الوطن : عبده حقي


يرحل بعض الناس فتغيب أسماؤهم سريعًا عن الذاكرة، ويرحل آخرون فيتركون وراءهم فراغًا يشبه الباب المفتوح على زمن كامل. وعزيز السغروشني من هؤلاء الذين لا يمكن اختصارهم في خبر وفاة، ولا في سطر عابر يذكر أنه كان أول مدير مغربي للمسرح الوطني محمد الخامس. فالرجل ارتبط بمرحلة من تاريخ المغرب كانت فيها الثقافة تبحث عن ملامحها، وكان المسرح نفسه يبحث عن مكانه داخل مجتمع خارج لتوه من تجربة الاستعمار، يتلمس طريقه نحو بناء مؤسساته الوطنية، ويعيد ترتيب علاقته بلغته وتراثه وفنونه وصورته عن ذاته. لذلك يبدو رحيل السغروشني بالنسبة إليّ أشبه بانطفاء مصباح قديم في ممر طويل من ممرات الذاكرة الثقافية المغربية، مصباح لم يكن يلفت الانتباه كل يوم، لكنه كان حاضرًا في الخلفية، يضيء جزءًا من الطريق الذي سار فيه المسرح المغربي لاحقًا.

أتخيل المسرح الوطني محمد الخامس في سنواته الأولى، لا كما أراه اليوم ببنايته المعروفة وتاريخه المرسخ في الوعي الثقافي المغربي، بل كما كان في زمن التأسيس، زمن البدايات المفتوحة على القلق والطموح معًا. كانت الخشبة آنذاك أكثر من مساحة للعروض، وكانت الإدارة أكثر من مكتب وبرنامج موسم ثقافي. كانت كل حركة داخل المؤسسة تلامس سؤالًا أكبر: أي مسرح نريد؟ أي ثقافة نريد؟ أي صورة للمغرب يمكن أن تصنعها الخشبة؟ وأي جمهور ينبغي أن يتربى على الفن؟ في مثل هذا السياق دخل عزيز السغروشني إلى قلب المؤسسة، لا ليشغل منصبًا إداريًا وحسب، بل ليكون جزءًا من اللحظة التي كانت فيها الثقافة الوطنية نفسها تتشكل.

من الصعب اليوم أن نفصل الرجل عن المؤسسة التي ارتبط بها اسمه. فالمسرح الوطني محمد الخامس ليس مجرد بناية في الرباط، بل هو مكان عبرت منه أصوات ووجوه وأجيال، وتعانقت فوق خشبته تجارب مغربية وعربية ودولية، واحتكت فيه تصورات مختلفة للفن والمجتمع والجمال. خلف الستارة كانت تُصنع ذاكرة، وفي القاعة كان الجمهور يختبر علاقته بالعرض، أما في الإدارة فكانت قرارات صغيرة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها كانت تتحول مع الزمن إلى أجزاء من تاريخ ثقافي كامل. وعزيز السغروشني كان واحدًا من أولئك الذين عملوا في هذه المنطقة الهادئة التي لا تراها الأضواء كثيرًا، لكنها تصنع ما ستراه الأضواء لاحقًا.

ما يشدني في سيرة السغروشني ليس فقط أنه كان مديرًا لمؤسسة وطنية، بل أنه انتمى إلى جيل كان المثقف فيه أكثر التصاقًا بالفعل الثقافي اليومي. كان الكاتب يستطيع أن يكون منظمًا، والمسؤول الإداري يمكن أن يكون صاحب ذائقة، والمثقف قد يجد نفسه معنيًا بتفاصيل العرض والبرمجة والتواصل والفرقة والجمهور. لم تكن الحدود صارمة كما أصبحت في زمن التخصصات الدقيقة، ولهذا أجد في تلك المرحلة شيئًا من روح المغامرة، إذ كان بناء الثقافة يتم بأيدي رجال ونساء يعرفون أن المؤسسة لم تكتمل بعد، وأن عليهم أن يخلقوا تقاليدها وهم يعملون داخلها.

ومع رحيل عزيز السغروشني، يعود إليّ سؤال قديم يؤرقني كلما غاب أحد رواد الثقافة المغربية: ماذا نفعل بذاكرتنا؟ نحن نجيد أحيانًا كتابة التعازي، لكننا لا نجيد بالقدر نفسه كتابة التاريخ. نودع الأشخاص بكلمات المحبة والوفاء، ثم نترك أوراقهم وصورهم وشهاداتهم وبرامجهم وذكرياتهم موزعة بين الأدراج والبيوت والصدف. وبعد سنوات نعود لنبحث عن تفاصيل بسيطة فلا نجدها، فنكتشف أن جزءًا من تاريخنا الثقافي ضاع لأننا لم نفكر في حفظه في الوقت المناسب.

إن سيرة السغروشني تضع هذا السؤال أمامنا بقوة. فالرجل عاش مرحلة مبكرة من تاريخ المسرح الوطني، ولامس عن قرب تحولات الحياة الثقافية المغربية، وتعامل مع فنانين ومسرحيين ومثقفين عاصروا زمنًا مختلفًا تمامًا عن زمننا. كم من حكاية كانت تختزنها ذاكرته؟ كم من قرار اتخذ في كواليس المسرح ولم يُكتب؟ كم من مشروع بدأ بفكرة صغيرة في مكتب ثم صار حدثًا ثقافيًا؟ وكم من اسم صعد إلى الخشبة لأول مرة في زمن كان فيه السغروشني جزءًا من إدارة ذلك الفضاء؟ هذه الأسئلة لا تخص شخصًا واحدًا، بل تخص ذاكرة جيل بأكمله.

أشعر أحيانًا أن الثقافة المغربية خسرت الكثير لأنها تعاملت مع روادها كما لو أن الذاكرة ستتكفل وحدها بحفظهم. لكن الذاكرة البشرية خائنة، والمشهد الثقافي سريع التحول، والأجيال الجديدة تدخل المؤسسات دون أن تعرف دائمًا من مر منها قبلها. لذلك فإن تكريم عزيز السغروشني لا ينبغي أن يكون مجرد نعي أو كلمة وفاء عابرة، بل يمكن أن يتحول إلى مناسبة لاستعادة تاريخ المسرح الوطني محمد الخامس نفسه، عبر معرض أرشيفي، أو كتاب شهادات، أو ندوة توثق ما بقي من تلك المرحلة، أو مشروع رقمي يجمع الصور والوثائق والملصقات والبرامج التي صنعت ذاكرة المؤسسة.

إنني أؤمن أن المؤسسات العريقة لا تُقاس فقط بحجم بناياتها أو عدد عروضها، بل بقدرتها على حفظ أسماء من صنعوا تاريخها. المسرح الذي ينسى مديريه ورواده وفنانيه الأوائل يشبه خشبة بلا كواليس، نرى واجهتها ولا نعرف ما جرى خلفها. أما المسرح الذي يوثق تاريخه فإنه يمنح الأجيال الجديدة إحساسًا بالاستمرارية، ويجعل الحاضر امتدادًا لزمن سابق بدل أن يبدو منفصلًا عنه.

لقد كان عزيز السغروشني ينتمي إلى زمن كان فيه المسرح يحمل شيئًا من رهبة المشروع الوطني. كان الفن آنذاك جزءًا من بناء الإنسان الجديد، وكان المسرح مساحة لطرح الأسئلة الكبرى التي تشغل المجتمع، من الهوية واللغة إلى الحداثة والعدالة والتحول الاجتماعي. وربما لهذا السبب تبدو أسماء الجيل الأول أكثر التصاقًا بالمؤسسة، لأنهم لم يرثوا تقاليد جاهزة، بل ساهموا في صناعتها.

ورحيله اليوم يجعلني أفكر في المسافة الهائلة بين مغرب الستينيات ومغرب الحاضر، بين خشبة كانت تبحث عن جمهور وبين زمن صارت فيه الصورة الرقمية تنافس المسرح على الانتباه، وبين إدارة ثقافية كانت تتحرك في فضاء محدود وبين عالم تحكمه المنصات والشبكات والخوارزميات. ومع ذلك، يظل السؤال نفسه قائمًا: ما وظيفة المسرح؟ وما الذي نريده من المؤسسة الثقافية؟ وهل ما يزال المسرح قادرًا على أن يكون بيتًا للأسئلة الكبرى، لا مجرد قاعة للعرض؟

ربما يكون هذا أحد أجمل ما يمكن أن يتركه رحيل رجل مثل عزيز السغروشني: أن يدفعنا إلى التفكير في معنى المؤسسة نفسها. فالأشخاص يرحلون، لكن المؤسسات تبقى، والمؤسسات لا تكون وفية لتاريخها إلا إذا حافظت على أثر الذين مروا منها. ولهذا أتمنى أن يتحول اسم السغروشني إلى جزء حي من ذاكرة المسرح الوطني محمد الخامس، لا إلى مجرد فقرة في أرشيف قديم.

وداعًا عزيز السغروشني. ليس لأن الموت يسمح لنا بالكلمات الجميلة فقط، بل لأن رحيلك يعيد إلى الواجهة زمنًا كاملًا من تاريخ الثقافة المغربية، زمنًا تشكلت فيه الخشبة كما تشكلت الدولة، وبُنيت فيه المؤسسات كما بُنيت الأحلام. وربما لا يكون أفضل الوفاء للراحلين أن نحزن عليهم طويلًا، بل أن نحفظ ما تركوه، وأن نحول أسماءهم إلى ذاكرة قابلة للقراءة، وأن نمنح الأجيال المقبلة فرصة أن تعرف أن وراء كل مؤسسة كبيرة رجالًا ونساءً مروا منها بصمت، ثم تركوا فيها شيئًا من أرواحهم.

سيظل اسم عزيز السغروشني مرتبطًا بالمسرح الوطني محمد الخامس، وسيظل ذلك الارتباط واحدًا من الخيوط التي تصل حاضر المسرح المغربي بماضيه. ومع كل عرض جديد تضاء له الأنوار فوق الخشبة، يمكن للذاكرة أن تستعيد، ولو للحظة، أولئك الذين وقفوا في البدايات خلف الستار، يصنعون لهذا المسرح مستقبله قبل أن نعرف نحن أنه سيصبح جزءًا من ذاكرتنا الوطنية.



0 التعليقات: