أقولها من البداية بلا مواربة: لا أرى في الحوثيين نموذجًا للمقاومة، ولا أرى في البوليساريو مشروعًا تحرريًا كما تحاول دعايتها أن تقدم نفسها. أرى في الحالتين خطابًا سياسيًا يضع السلاح في قلب المعادلة، ويمنحه سلطة تتجاوز المؤسسات والدول والحدود، ثم يطلب من العالم أن يتعامل مع نتائج القوة المسلحة باعتبارها حقائق سياسية واجبة الاحترام. وأنا أرفض هذا المنطق من أساسه، لأن الشرعية لا تصنعها الصواريخ، والسيادة لا تُكتسب بالطائرات المسيّرة، والمشاريع السياسية لا تصبح عادلة لمجرد أنها ترفع شعارات كبيرة وتحيط نفسها بترسانة من السلاح.
في حالة الحوثيين، لا أستطيع أن أنظر إلى جماعة تمتلك الصواريخ والطائرات المسيّرة وتفرض سلطتها العسكرية على جزء واسع من اليمن، ثم تتدخل في أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية، باعتبارها مجرد حركة احتجاج سياسي. لقد تجاوز الحوثيون منذ زمن حدود الاعتراض السياسي ودخلوا منطق القوة المسلحة التي تريد فرض شروطها على الداخل والخارج. وكلما أُطلقت صواريخ جديدة أو استُهدفت سفن أو منشآت، ازداد اقتناعي بأن خطاب "المقاومة" يتحول في كثير من الأحيان إلى ستار يمنح السلاح شرعية أخلاقية زائفة، بينما يدفع المدنيون والاقتصاد والمنطقة كلها الثمن.
أنا لا أشتري هذه اللغة. لا أعتقد أن مجرد رفع شعار فلسطين، أو مواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل، يمنح أي جماعة حق تحويل البحر الأحمر إلى ميدان عسكري مفتوح. القضية الفلسطينية أعدل من أن تُستخدم غطاءً لكل مشروع مسلح، ومعاناة الفلسطينيين أكبر من أن تصبح مادة دعائية في صراع النفوذ بين القوى الإقليمية. ولذلك فإنني أرفض أن يتحول التضامن مع فلسطين إلى صك براءة سياسي يمنع مساءلة الحوثيين عن أفعالهم وعن طبيعة مشروعهم وعن ارتباطاتهم الإقليمية.
والأمر نفسه، بالنسبة إلي، ينطبق على جبهة البوليساريو. أنا أرفض اللغة التي تحاول تقديمها باعتبارها حركة تحرر معزولة عن حسابات الجغرافيا السياسية، وكأنها تنظيم يعمل في فراغ لا علاقة له بالتنافس المغربي الجزائري ولا بمصالح القوى الإقليمية. إن جبهة تحتفظ بالسلاح منذ عقود، وتتمسك بخيار الانفصال، وتُبقي النزاع مفتوحًا جيلًا بعد جيل، لا يمكن أن تطلب مني أن أنظر إليها فقط من زاوية الشعارات التي ترفعها. من حقي أن أسأل عن كلفة مشروعها، وعن مستقبل السكان الذين تتحدث باسمهم، وعن المستفيد الحقيقي من استمرار هذا الصراع بلا نهاية.
أنا منحاز للمغرب، ولا أرى في ذلك شيئًا يستوجب الاعتذار. أنحاز لوحدة بلدي الترابية، وأعتبر أن استقراره وأمنه ليسا موضوعًا للمساومة. وأرى أن المشروع الانفصالي الذي تدافع عنه البوليساريو لم يعد، بالنسبة إلي، تعبيرًا عن حل واقعي بقدر ما أصبح جزءًا من أزمة إقليمية مزمنة تستنزف المغرب العربي كله. فما الذي أنتجه هذا المشروع بعد عقود غير الحدود المغلقة، والتوتر الدائم، وتجميد حلم الاتحاد المغاربي، وإهدار فرص اقتصادية وسياسية كان يمكن أن تغير وجه المنطقة؟
إن أكثر ما يثير استغرابي في خطاب البوليساريو هو محاولة تقديم الصراع وكأنه مواجهة بسيطة بين "شعب" و"دولة"، مع تجاهل كامل للعمق الإقليمي للنزاع وللدور الجزائري المعروف في دعمه سياسيًا ودبلوماسيًا. الجزائر ترفض أن تُوصف بالطرف المباشر، لكنني أجد صعوبة شديدة في فصل استمرار الجبهة عن البيئة السياسية والعسكرية والإقليمية التي وفرت لها شروط البقاء لعقود. لا أستطيع أن أقتنع بأن كل هذا الدعم يمكن اختزاله في مجرد "تضامن مبدئي"، بينما يدفع المغرب والمنطقة كلفة استراتيجية هائلة بسبب استمرار النزاع.
وأنا أرى أن أخطر ما في خطاب البوليساريو ليس فقط مطلب الانفصال، بل تحويله إلى عقيدة مغلقة لا تسمح بمناقشة البدائل الواقعية. أي صوت يتحدث عن الحكم الذاتي يُدان، وأي تحول دولي في اتجاه اعتبار المبادرة المغربية أساسًا جديًا للتسوية يُواجَه بخطاب التخوين أو الرفض المطلق، وكأن السياسة لا تعرف التطور ولا ميزان القوى ولا المتغيرات الدولية. بالنسبة إلي، هذا ليس خطابًا يبحث عن تسوية، بل خطاب يريد أن يظل النزاع نفسه مصدر وجوده السياسي.
أنا أعتقد أن المغرب قدم خلال السنوات الماضية تصورًا سياسيًا أكثر واقعية من استمرار الحرب المفتوحة أو انتظار استفتاء تحيط به تعقيدات سياسية وقانونية وديموغرافية هائلة. مبادرة الحكم الذاتي، في نظري، توفر أساسًا يمكن البناء عليه ضمن السيادة المغربية، وهي أقرب إلى منطق التسوية السياسية من مشروع التقسيم وإنتاج كيان جديد في منطقة يعصف بها الإرهاب والجريمة المنظمة وهشاشة الدول.
ولا أرى مستقبلًا آمنًا للمغرب العربي إذا استمر إنتاج كيانات ضعيفة تقوم هويتها السياسية كلها على الصراع مع جار أقوى وأكثر استقرارًا. المنطقة تحتاج إلى اندماج اقتصادي وأمني، لا إلى مزيد من الحدود والجدران والخصومات. وإذا كان المغرب والجزائر يمتلكان اليوم طاقات بشرية واقتصادية هائلة، فإن النزاع حول الصحراء حوّل جزءًا كبيرًا منها إلى صراع استنزاف طويل لا ينتصر فيه أحد فعليًا.
أما الحوثيون، فأرى في تجربتهم تحذيرًا واضحًا مما يحدث عندما يتحول التنظيم المسلح إلى سلطة موازية للدولة. تبدأ القصة بشعار سياسي أو مظلومية، ثم تأتي الأسلحة والصواريخ، ثم تصبح الجماعة دولة داخل الدولة، وبعد ذلك تجر البلاد كلها إلى صراع إقليمي أكبر من قدرتها على التحكم فيه. واليمن مثال مأساوي على الثمن الذي تدفعه المجتمعات عندما يصبح السلاح فوق السياسة.
وأرفض تمامًا محاولة تجميل هذا النموذج تحت عناوين البطولة أو المقاومة. من يحمل السلاح ويقرر الحرب والسلم خارج توافق وطني ومؤسسات دولة شرعية لا يمكن إعفاؤه من المسؤولية لأنه يرفع شعارًا جذابًا. هناك فرق هائل بين مقاومة احتلال وبين بناء سلطة مسلحة تفرض إرادتها على المجتمع وتدخل البلاد في صراعات مفتوحة.
ومن هذا المنطلق، فإنني أتعامل بحذر شديد مع أي تقارب محتمل بين شبكات النفوذ الإقليمي وبين تنظيمات مسلحة في شمال إفريقيا أو الشرق الأوسط. لا أحتاج إلى اختراع روابط غير مثبتة حتى أرى الخطر. مجرد وجود نموذج إقليمي يقوم على دعم جماعات مسلحة واستخدامها أوراق ضغط كافٍ كي يفرض على المغرب أقصى درجات اليقظة. وإذا ظهرت أدلة موثوقة على أي دعم عسكري أو تدريب أو نقل خبرات إلى البوليساريو، فيجب عرضها أمام الرأي العام والمؤسسات الدولية بلا تردد، لأن المسألة عندها لن تكون نزاعًا سياسيًا فقط، بل تهديدًا مباشرًا للأمن المغربي والإقليمي.
لكن قوة الموقف المغربي، في رأيي، تكمن في أنه لا يحتاج إلى المبالغة. لا أريد إعلامًا يصرخ أكثر مما يوثق، ولا خطابًا يختلق السيناريوهات لأنه يعتقد أن الوطنية تقاس بدرجة الغضب. الوطنية الحقيقية أن أعرف أين توجد الحقيقة وأدافع عنها بقوة، وأن أميز بين ما ثبت وما لم يثبت، لأن خصوم المغرب ينتظرون أي خطأ أو مبالغة كي يحولوها إلى سلاح مضاد.
أنا أريد خطابًا مغربيًا واثقًا، لا دفاعيًا ولا مرتبكًا. خطابًا يقول بوضوح إن المغرب لن يقبل المساس بوحدته الترابية، ولن يسمح بأن يتحول جنوبه إلى مجال مفتوح لمغامرات الانفصال، ولن يتعامل مع مشروع مسلح كما لو كان مجرد اختلاف سياسي عادي. وفي الوقت نفسه، أريده خطابًا ذكيًا يعرف أن العالم لا يقتنع بالانفعال بل بالوقائع والمصالح والاستقرار.
وأرى أن البوليساريو أخطأت استراتيجيًا حين ربطت مستقبلها بفكرة أن الزمن سيعمل ضد المغرب. ما حدث خلال السنوات الأخيرة يوحي بالعكس: المغرب عزز حضوره الإفريقي، ووسع علاقاته الدولية، واستثمر في أقاليمه الجنوبية، ونجح في جعل مقترح الحكم الذاتي حاضرًا بقوة في النقاش الدولي. وهذا لا يعني أن النزاع انتهى، لكنه يعني أن الخطاب القديم الذي كان يقدم الانفصال باعتباره النهاية الوحيدة الممكنة لم يعد قادرًا على تجاهل التحولات الجديدة.
أما الحوثيون، فمهما حاولوا تقديم أنفسهم باعتبارهم قوة إقليمية جديدة، فإن امتلاك الصواريخ ليس دليلًا على النجاح السياسي. القوة العسكرية قد تفرض الخوف، لكنها لا تبني دولة حديثة، ولا تخلق اقتصادًا مزدهرًا، ولا تمنح المجتمع استقرارًا دائمًا. التاريخ مليء بالحركات التي ظنت أن السلاح يستطيع تعويض الشرعية، ثم اكتشفت أن حكم الناس أصعب بكثير من السيطرة على الأرض.
لهذا فإن موقفي من الحوثيين والبوليساريو يتجاوز الخلاف السياسي. أنا أرفض منطق التنظيم المسلح الذي يجعل نفسه أكبر من الدولة، ويريد أن يفرض واقعه على الآخرين بقوة الأمر الواقع. أرفض أن يصبح السلاح طريقًا إلى الاعتراف، وأن تصبح الأزمات الإنسانية وسيلة لتسويق المشاريع السياسية، وأن يعيش الناس لعقود أسرى شعارات لم تحقق لهم لا سلامًا ولا تنمية ولا مستقبلًا.
وبصفتي مغربيًا، أقول بوضوح إن الوحدة الترابية بالنسبة إلي ليست تفصيلًا تفاوضيًا، وإن أي مشروع يهدف إلى تقسيم المغرب سيجدني في الجهة المقابلة. لا لأنني أرفض الحوار، بل لأنني أرى أن الحوار الحقيقي يجب أن يبحث عن تسوية قابلة للحياة، لا عن إعادة إنتاج الأزمة في شكل جديد. وأعتقد أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل اليوم أساسًا أكثر واقعية من مغامرة إنشاء دولة جديدة في منطقة هشة أمنيًا ومفتوحة على أخطار الساحل.
لقد سئمت المنطقة من الجماعات التي تحمل السلاح ثم تطلب من الشعوب أن تصفق لها باسم "القضية". وسئمت من القوى التي توظف النزاعات بدل حلها، ومن الأنظمة التي تجد في الخصومات الخارجية وسيلة لإطالة عمر أزماتها الداخلية. لا الحوثيون أنقذوا اليمن بالسلاح، ولا البوليساريو قربت المنطقة من السلام بإبقاء النزاع مفتوحًا، وما أراه أمامي هو سلسلة طويلة من الشعوب التي تدفع الثمن بينما تستمر القيادات في إعادة إنتاج الخطاب نفسه.
وأختم بما أؤمن به بلا تردد: المغرب ليس أرضًا بلا صاحب حتى يقرر الآخرون مستقبله، وليس دولة يمكن إخضاعها بالابتزاز السياسي أو العسكري. إنه دولة ذات مؤسسات ومصالح وأمن قومي وحق كامل في الدفاع عن وحدتها. والحوثيون ليسوا فوق النقد لأنهم يحملون شعارات المقاومة، والبوليساريو ليست فوق المساءلة لأنها ترفع شعار تقرير المصير. ففي السياسة لا تكفي الشعارات، وفي التاريخ لا تكفي البنادق، وفي النهاية لا يبقى سوى السؤال الأهم: ماذا قدمتم للناس غير الحرب والانتظار؟
أنا منحاز للمغرب، ومن هذا الموقع أقول إن مواجهة المشاريع المسلحة والانفصالية ليست حربًا على الشعوب، بل دفاع عن فكرة الدولة نفسها. وإذا كنا نريد مغربًا عربيًا مستقرًا، فلا بد أن تنتصر السياسة على السلاح، وأن تنتصر التسويات الواقعية على الأوهام الأيديولوجية، وأن يعرف الجميع أن زمن فرض الخرائط بالبندقية ينبغي أن ينتهي.







0 التعليقات:
إرسال تعليق