الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أكتوبر 12، 2026

زوج لا يحتاج إلى غوغل… زوجته تعرف كل شيء! عبده حقي


كان الرجل يظن، مثل كثيرين غيره، أن غوغل هو آخر ما وصلت إليه البشرية في باب المعرفة، وأن هذا المحرك العجيب قادر على أن يجيب عن أي سؤال، من حالة الطقس إلى سقوط الإمبراطوريات، ومن وصفة الحريرة إلى أسباب اختفاء الديناصورات، غير أنه اكتشف بعد سنوات من الحياة الزوجية أن غوغل ليس سوى تلميذ متواضع أمام مؤسسة معرفية أكثر دقة، وأكثر سرعة، وأشد قدرة على استرجاع المعلومات في الوقت المناسب، وهي زوجته. فغوغل يحتاج إلى اتصال بالإنترنت، وإلى كلمات مفتاحية مرتبة بعناية، أما هي فلا تحتاج إلا إلى أن تنظر إليه ثانيتين لتعرف أنه فعل شيئًا، وأنه يحاول الآن إخفاءه، وأن تفسيره المنتظر سيكون ضعيفًا وغير مقنع.

كان غوغل يعرف الطرق والشوارع والخرائط، لكن زوجته كانت تعرف أين ذهب، ولماذا تأخر، ومن اتصل به، ولماذا تغيرت نبرة صوته وهو يقول: «كنت مشغولًا قليلًا». وكان غوغل قادرًا على استخراج خبر من أرشيف يعود إلى عشرين سنة، أما هي فكانت قادرة على استحضار جملة قالها في صيف قديم قبل سبع سنوات، في مساء يوم ثلاثاء، بعد الغداء مباشرة، مع تحديد المكان والملابسات ونبرة الصوت، ثم تقدمها له كوثيقة محفوظة في أرشيف سري لا يخضع لقانون التقادم. وكان يدهشه دائمًا أن الرجل قد ينسى عيد ميلاده هو شخصيًا، بينما لا تنسى زوجته عبارة عابرة قالها وهو يربط حذاءه سنة 2019.

ولم يكن الطقس أيضًا خارج اختصاصها؛ فغوغل يمنحه درجات الحرارة، ونسبة الرطوبة، واحتمال تساقط الأمطار، أما هي فكانت تمتلك نشرة جوية أكثر تعقيدًا داخل البيت. يكفي أن يسألها، بحذر العلماء وهم يقتربون من بركان نشط: «هل أنت غاضبة؟» فتجيبه بابتسامة هادئة: «لا، أبدًا». عندها فقط يدرك أن العاصفة بدأت بالفعل، وأن كلمة «أبدًا» لا تعني في القاموس الزوجي انعدام الغضب، بل تعني أن عليه أن يستعد لاضطراب جوي طويل، يتخلله برق من الذكريات القديمة ورعد من التفاصيل التي كان يعتقد أنها نُسيت منذ زمن.

وفي إحدى المرات، ظن أنه يستطيع الاستعانة بالتكنولوجيا لإنقاذ الموقف. فتح هاتفه، وكتب في غوغل: «أفضل طريقة للتعامل مع الزوجة الغاضبة». ظهرت أمامه مقالات في علم النفس، ودراسات في العلاقات الزوجية، ونصائح لخبراء لا يعرف إن كانوا متزوجين أصلًا أم لا. قرأ طويلًا، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم التفت إليها وهو يشعر أنه عاد من مؤتمر دولي متخصص في إدارة الأزمات، وقال بثقة: «وجدت الحل». رفعت عينيها إليه وقالت بهدوء: «هذا هو بالضبط ما قلته لك قبل ثلاثة أيام، لكنك لم تكن تستمع». عندها أغلق الهاتف، لأنه أدرك أن المشكلة ليست في نقص المعلومات، بل في أنه كان يدفع اشتراك الإنترنت ليبحث عن نصائح مجانية موجودة أمامه في غرفة الجلوس.

وكان الفرق بين غوغل وزوجته يتسع يومًا بعد يوم. غوغل يقدم له نتائج بحث مرتبة حسب الخوارزميات، أما زوجته فكانت تقدم له النتائج حسب درجة خطورتها على حياته اليومية. إذا نسي المفاتيح، عرفت مكانها. وإذا قال إنه لم يتناول شيئًا خارج البيت، كانت قادرة بطريقة مجهولة على اكتشاف رائحة المقهى في أنفاسه. وإذا زعم أن الطريق كان مزدحمًا، كانت تسأله ببساطة: «ومنذ متى أصبح الطريق من المقهى إلى البيت مزدحمًا لهذه الدرجة؟». وكان في تلك اللحظات يشعر أن الأقمار الصناعية نفسها قد سلمت لها تقريرًا سريًا.

الأكثر إثارة أن غوغل، رغم تقدمه الهائل، لا يمتلك تقنية النظرة الصامتة. وهذه، في رأيه، كانت ثغرة خطيرة في الذكاء الاصطناعي الحديث. فزوجته تستطيع أن تنظر إليه خمس ثوانٍ فقط دون أن تقول حرفًا واحدًا، فيبدأ عقله تلقائيًا في فحص ملفاته الداخلية: ماذا قال صباحًا؟ ماذا نسي؟ هل وعد بشيء؟ هل اشترى شيئًا دون أن يخبرها؟ هل رد على رسالة متأخرًا؟ هل كان ينبغي أن يلاحظ قصة الشعر الجديدة؟ ثم يصل بعد مراجعة شاملة لحياته منذ الطفولة إلى نتيجة واحدة: لا بد أنه مذنب في شيء ما، حتى لو لم يعرف بعد طبيعة الجريمة.

وكانت لديها أيضًا جملة أخرى أشد قوة من أي محرك بحث: «أنت أدرى بنفسك». هذه العبارة وحدها كانت كفيلة بتحويله من رجل مطمئن إلى لجنة تحقيق داخلية. إنها لا تحدد الاتهام، ولا تقدم الأدلة، ولا تشرح التهمة، لكنها تدفع المتهم إلى البحث بنفسه عن الجريمة. وكان يرى أن أجهزة التحقيق في العالم لو تعلمت استعمال هذه الجملة لانخفضت تكاليف الاستجواب إلى النصف.

أما ذاكرة زوجته فكانت فصلًا آخر من فصول الإعجاز المنزلي. ذاكرة الهاتف قد تمتلئ، والقرص الصلب قد يتعطل، وحساب غوغل قد يفقد بعض البيانات، لكن ذاكرتها لم تكن تعرف شيئًا اسمه «حذف». كل شيء محفوظ: الوعود القديمة، المواعيد المنسية، الهدايا المؤجلة، الكلمات التي قيلت في غير محلها، بل وحتى الاعتذارات السابقة يمكن استدعاؤها للمقارنة مع الاعتذار الجديد. وكان إذا حاول الاعتراض قائلاً: «لكن هذا حدث منذ سنوات»، ترد عليه بمنطق أرشيفي صارم: «وهل السنوات تمحو الحقيقة؟». فيشعر فجأة أنه لا يناقش زوجته، بل يقف أمام محكمة تاريخية.

ومع ذلك، كان يعرف في أعماقه أن هذه المعرفة الواسعة لم تكن كلها مصدر خوف، بل كانت أيضًا شكلًا من أشكال العناية اليومية. فهي التي تتذكر دواءه قبل أن يتذكره، وتعرف أين وضع نظارته، وتدرك أنه متعب قبل أن يعترف، وتفهم من صمته أحيانًا ما لا يفهمه هو من نفسه. وإذا قال إنه سيصل بعد خمس دقائق، لم تصدقه طبعًا، لكنها كانت تعرف أنه سيصل بعد نصف ساعة تقريبًا، وكأنها تمتلك نسخة أكثر واقعية من خرائط غوغل، تأخذ في الحسبان توقفه لشرب القهوة، وحديثه مع أحد الأصدقاء، ودخوله متجرًا «لدقيقة واحدة» تمتد في الواقع إلى ربع ساعة.

وذات يوم اشترى قميصًا أسود كتب عليه بالإنجليزية ما معناه: «أنا لا أحتاج إلى غوغل، زوجتي تعرف كل شيء». أعجبته العبارة كثيرًا، وارتدى القميص وهو يشعر أنه أعلن للعالم اكتشافه الفلسفي الكبير حول المعرفة الزوجية. قرأت زوجته العبارة، ثم نظرت إليه وسألته: «ومن الذي اشترى لك هذا القميص؟». أجاب بفخر: «وجدته على الإنترنت». فقالت: «لو سألتني، لاخترت لك مقاسًا أفضل». عندها انتهت التجربة العلمية، وسقطت نظريته كلها في أقل من عشر ثوانٍ، لأن الرجل الذي أراد السخرية من معرفة زوجته اكتشف أن زوجته تعرف حتى أن القميص ضيق عند البطن.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يقارن بينها وبين غوغل إلا من باب التسلية. غوغل يعرف ما يسأله الناس، أما زوجته فتعرف ما سيسأله قبل أن يسأله. غوغل يحتاج إلى سجل البحث حتى يعرف اهتماماته، أما هي فتعرف من حركة يده نحو جيبه أنه سيبحث عن الهاتف، ومن طريقة وقوفه قرب الباب أنه يريد الخروج، ومن سؤاله البريء «هل تحتاجين شيئًا من الخارج؟» أنها أمام محاولة دبلوماسية للحصول على إذن غير مباشر بالجلوس في المقهى.

وكان يعتقد أحيانًا أن الذكاء الاصطناعي سيغير العالم، ثم يعود إلى البيت فيكتشف أن بيته سبق العالم بسنوات طويلة. هناك نظام للتعرف على الوجوه، ونظام لاكتشاف الكذب، وأرشيف صوتي، وتحليل للنبرة، ومراقبة للمواعيد، وتوقع للسلوك، بل ونظام إنذار مبكر يعمل بمجرد سماع عبارة: «سأخرج قليلًا مع الأصدقاء». وكل هذا من دون اشتراك شهري، ومن دون شروط استخدام، وإن كان النظام، حسب تقديره، يفرض أحيانًا غرامات عاطفية عند المخالفة.

وكان أكثر ما يزعجه أن غوغل يمنحه دائمًا خيارًا في أسفل الصفحة: «حذف سجل البحث». أما في البيت فلا يوجد مثل هذا الخيار. كل ما قيل محفوظ، وكل ما حدث قابل للاستدعاء، وكل ملف مغلق يمكن فتحه فجأة أثناء نقاش حول موضوع لا علاقة له بالماضي إطلاقًا. فقد يبدأ الخلاف بسبب نافذة تُركت مفتوحة، ثم يجد نفسه بعد عشر دقائق يناقش واقعة حدثت عام 2017، ولا يعرف كيف انتقل الحوار من النافذة إلى ذلك اليوم المشؤوم.

ومع مرور السنوات، صار يتعامل مع الأمر بنوع من الحكمة الساخرة. لم يعد يسأل كثيرًا: «كيف عرفت؟»، لأن السؤال نفسه صار بلا معنى. إنها تعرف، وهذه حقيقة من حقائق الكون مثل دوران الأرض وتعاقب الفصول وارتفاع أسعار القهوة. صار فقط يحاول أن يقلل عدد المعلومات التي تستحق أن تُحفظ ضده، وإن كان قد أدرك متأخرًا أن هذا المشروع مستحيل، لأن حتى محاولته تجنب الأخطاء قد تتحول إلى دليل على أنه يخفي شيئًا.

وفي النهاية، توصل إلى خلاصة بسيطة: غوغل قد يعطيه مليون جواب في أقل من ثانية، لكن زوجته تستطيع أن تعطيه الجواب الذي لا يريد سماعه. غوغل يخبره بما يبحث عنه، أما هي فتخبره بما كان ينبغي أن يبحث عنه منذ البداية. غوغل يعرف العالم، لكنها تعرف الرجل الجالس أمامها بتناقضاته الصغيرة، وأعذاره المتكررة، وأماكن مفاتيحه، ومواعيد أدويته، وعدد المرات التي قال فيها «هذه آخر مرة».

ولهذا، كان يقول لأصدقائه ضاحكًا إن انقطاع الإنترنت لا يخيفه كثيرًا. المشكلة الحقيقية ستبدأ فقط إذا خرجت زوجته من البيت لساعات وتركت له ورقة صغيرة تقول فيها: «إذا احتجت إلى شيء، ابحث عنه في غوغل». عندها سيكتشف فجأة أن محرك البحث العالمي عاجز عن الإجابة عن أهم الأسئلة: أين وضعت هي فاتورة الكهرباء؟ أين توجد البطاريات؟ ما اسم الدواء؟ ماذا كان مطلوبًا منه أن يشتري؟ والأخطر من كل ذلك: ماذا فعل هذه المرة حتى تركت له تلك الورقة؟

وسيدرك أخيرًا أن زوجته لم تكن مجرد امرأة «تعرف كل شيء»، بل كانت نسخة منزلية متقدمة من محركات البحث، مزودة بذاكرة غير محدودة، وخوارزمية لاكتشاف الأعذار، ونظام استرجاع للملفات القديمة، وخاصية تنبيه تعمل قبل وقوع الخطأ أحيانًا. أما الفرق الجوهري بينها وبين غوغل فبقي واحدًا فقط: غوغل يسمح له بمسح سجل البحث، أما هي فلا تعترف أصلًا بوجود زر اسمه «حذف».

بقلم: عبده حقي




0 التعليقات: