الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أكتوبر 09، 2026

تنظيم الدورة الـ18 لمهرجان فاس للثقافة الصوفية: إعداد عبده حقي


تستعد فاس، المدينة التي راكمت عبر قرون طويلة ذاكرة روحية وثقافية يصعب فصلها عن تاريخ المغرب نفسه، لاحتضان الدورة الثامنة عشرة من مهرجان فاس للثقافة الصوفية وحِكم العالم، من 17 إلى 24 أكتوبر 2026، تحت شعار شديد الدلالة والإيحاء: «الشعر الصوفي إكسير الشفاء». وأجدني أمام هذا الشعار تحديدًا لا أتعامل معه باعتباره مجرد عنوان فني لدورة جديدة من دورات مهرجان أصبح له موقعه داخل الخريطة الثقافية المغربية، وإنما أقرأ فيه اقتراحًا فكريًا وجماليًا يضع الشعر في مواجهة أسئلة القلق الإنساني المعاصر، ويستدعي التصوف لا باعتباره انسحابًا من الواقع، بل باعتباره بحثًا عن لغة أخرى لمداواة ما تعجز السياسة والتكنولوجيا والاستهلاك اليومي عن مداواته.

فاس ليست فضاءً محايدًا بالنسبة إلى مهرجان من هذا النوع. فالمدينة نفسها تبدو أحيانًا كأنها نص صوفي مفتوح؛ أزقتها العتيقة، مدارسها، زواياها، مساجدها، أصوات الحرفيين في أحيائها القديمة، وروائح الخشب والجلد والتوابل المنبعثة من أسواقها تمنح الزائر شعورًا بأن الماضي ما زال يتحرك داخل الحاضر. لذلك يبدو لي مهرجان الثقافة الصوفية أكثر انسجامًا مع فاس من كثير من التظاهرات التي يمكن نقلها بسهولة من مدينة إلى أخرى. هنا يصبح المكان جزءًا من المعنى، وتتحول المدينة من مجرد حاضنة للفعاليات إلى شريك رمزي في إنتاج التجربة الثقافية.

اختيار «الشعر الصوفي إكسير الشفاء» شعارًا للدورة الثامنة عشرة يضعنا أمام سؤال جوهري: هل يستطيع الشعر حقًا أن يشفي؟ بالطبع لا أتحدث هنا عن الشفاء بالمفهوم الطبي المباشر، وإنما عن ذلك الجانب الخفي في الإنسان الذي قد تجرحه الخسارات والحروب والوحدة والخوف وانكسار المعنى. فالإنسان لا يتألم بجسده فقط، وإنما قد يصاب أيضًا بتصدعات داخلية لا تكشفها أجهزة التحليل ولا تظهرها الأشعة. وقد عرف المتصوفة منذ قرون أن للكلمة وظيفة تتجاوز الإخبار والوصف، وأن الشعر قادر على أن يتحول إلى ممارسة روحية تستعيد للإنسان صلته بنفسه وبالعالم وبالمطلق.

من ابن عربي إلى جلال الدين الرومي، ومن ابن الفارض إلى الحلاج، ظل الشعر الصوفي يقوم على مفارقة عجيبة: الكلمات فيه تحاول الوصول إلى ما يتجاوز الكلمات. الشاعر الصوفي يكتب عن المحبة لكنه يقصد أفقًا أوسع من الحب البشري المعتاد، ويتحدث عن الخمر ولا يعني بالضرورة شرابًا ماديًا، ويكتب عن السفر وهو في كثير من الأحيان يقصد رحلة النفس في البحث عن حقيقتها. ولهذا بقي هذا الشعر حيًا رغم تبدل الأزمنة، لأنه لا يرتبط بواقعة تاريخية عابرة، بل بأسئلة عميقة تتكرر داخل الإنسان: من أنا؟ ماذا أفعل بهذا الخوف؟ لماذا أتألم؟ ما معنى الفقد؟ أين تنتهي الذات وأين يبدأ الآخر؟

وأعتقد أن العودة إلى هذه الأسئلة في سنة 2026 ليست ترفًا ثقافيًا. نحن نعيش وسط تدفق معلوماتي لا يتوقف، ونتعرض يوميًا لمئات الصور والإشعارات والأخبار العاجلة، حتى أصبح الإنسان أكثر اتصالًا بالشبكات وأقل اتصالًا بذاته. التكنولوجيا تمنحنا قدرات هائلة، لكنها لا تمنحنا بالضرورة طمأنينة أكبر. الذكاء الاصطناعي يتقدم، والخوارزميات تعرف كثيرًا عن عاداتنا واختياراتنا، لكن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالخوف والوحدة والموت والمحبة والمعنى لا تزال قائمة. وهنا أفهم لماذا يصبح الحديث عن «الشفاء» بواسطة الشعر الصوفي ذا راهنية خاصة.

إن الإكسير، في المخيال الإنساني القديم، مادة نادرة يُعتقد أنها قادرة على تحويل الأشياء ومنحها حياة أخرى. وحين يوصف الشعر الصوفي بأنه «إكسير الشفاء»، تصبح الكلمة نفسها أداة للتحويل: تحويل الحزن إلى تأمل، والجرح إلى معرفة، والاختلاف إلى إمكان للحوار، والوحدة إلى تجربة لاكتشاف الذات. الشعر لا يلغي الألم، لكنه قد يغيّر الطريقة التي نفهم بها هذا الألم، وربما كان هذا التحول في الفهم بداية كل شفاء روحي.

ما يثير اهتمامي أيضًا في مهرجان فاس للثقافة الصوفية أنه لا يحصر التصوف في حدود الإنشاد أو الطقس، وإنما يحاول تقديمه في فضاء أوسع يشمل الفكر والفلسفة والشعر والموسيقى والفنون والحوار بين الثقافات والحِكم الروحية المختلفة. البرنامج المعلن للدورة الثامنة عشرة يجمع بين الحفلات الموسيقية والإنشاد الصوفي والمحاضرات والندوات والموائد المستديرة والورشات والمعارض واللقاءات الفكرية والفنية، وهو ما يجعل المهرجان أقرب إلى مختبر ثقافي يناقش علاقة الروح بالعالم المعاصر.

هذه الصيغة مهمة، لأن أحد الأخطار التي تواجه الثقافة الصوفية اليوم هو اختزالها في الفرجة. قد تتحول الموسيقى الصوفية، مثل غيرها من التعبيرات التراثية، إلى منتج سياحي جميل لكنه منزوع من عمقه الفكري. لذلك أرى أن قيمة مهرجان من هذا النوع ترتبط بقدرته على الاحتفاظ بالتوازن بين جمال العرض وقوة السؤال. سماع القصيدة أو الإنشاد تجربة جمالية، لكن طرح الأسئلة المتعلقة بالمعنى والتسامح والعلاقة بالآخر يجعل التجربة أكثر عمقًا واستمرارًا.

كما يحمل مفهوم «الشفاء» بعدًا جماعيًا لا ينبغي تجاهله. العالم لا يعاني اليوم من جراح الأفراد فقط، بل من جراح المجتمعات أيضًا. الحروب تتواصل، وصور الضحايا تصل إلى شاشاتنا كل ساعة تقريبًا، وخطابات الكراهية تتوسع في الفضاء الرقمي، والاستقطاب الديني والثقافي والسياسي يجعل الحوار أكثر صعوبة. أمام هذا المشهد لا يستطيع الشعر أن يوقف حربًا ولا أن يوقع اتفاق سلام، لكنه يستطيع أن يحافظ على شيء أساسي: إنسانية الإنسان.

الشعر الصوفي تحديدًا يقوم على توسيع دائرة المحبة. الذات فيه لا تكتمل بإلغاء الآخر وإنما بالانفتاح عليه. وربما لهذا السبب يصبح حضور «حِكم العالم» إلى جانب الثقافة الصوفية في هوية المهرجان أمرًا ذا مغزى، لأن البحث الروحي الحقيقي لا ينبغي أن يتحول إلى جدار جديد يفصل البشر، بل إلى فضاء يسمح لهم باكتشاف ما يشتركون فيه رغم اختلاف لغاتهم ودياناتهم وثقافاتهم.

وأنا أتابع أخبار هذه الدورة، أفكر أيضًا في ما تستطيع فاس أن تقدمه للعالم إذا استثمرت أكثر في هويتها الثقافية والروحية. المدينة تملك رصيدًا استثنائيًا يؤهلها لأن تصبح إحدى العواصم الدولية للحوار الثقافي والروحي، لا خلال أيام المهرجانات فقط، بل على امتداد السنة. جامعة القرويين، المدينة القديمة، الزوايا، التراث الموسيقي والحرفي، الذاكرة الأندلسية والإفريقية والمتوسطية؛ كلها عناصر تمنح فاس قدرة نادرة على مخاطبة العالم من موقع تاريخي وثقافي أصيل.

غير أن نجاح مهرجان الثقافة الصوفية لا ينبغي أن يقاس بعدد الضيوف والحفلات فقط، بل أيضًا بمقدار ما يستطيع تركه داخل المدينة نفسها. أتمنى دائمًا أن تنتقل النقاشات الكبرى من قاعات اللقاءات إلى الجامعات والمدارس والفضاءات الشبابية، وأن يجد الشباب في التراث الصوفي مادة للتفكير والإبداع لا مجرد ذاكرة تخص الأجيال السابقة. فالثقافة التي لا تنتقل إلى الأجيال الجديدة تتحول تدريجيًا إلى متحف.

لهذا أرى في شعار «الشعر الصوفي إكسير الشفاء» أكثر من استعارة شاعرية جميلة. إنه دعوة إلى إعادة التفكير في الوظيفة التي يمكن أن يؤديها الأدب في حياتنا. لقد اعتدنا الحديث عن الشعر باعتباره فنًا جماليًا، لكن التاريخ الإنساني يكشف أنه كان دائمًا شيئًا آخر أيضًا: ذاكرةً ومواساةً واحتجاجًا وصلاةً وبحثًا عن معنى. قد لا يغير الشعر العالم بالقوة المباشرة، لكنه يغير الإنسان الذي ينظر إلى العالم، وهذه ليست وظيفة صغيرة.

في أكتوبر 2026 ستفتح فاس أبوابها مرة أخرى لأصوات الشعراء والمنشدين والباحثين والحكماء والفنانين القادمين من آفاق متعددة. وسيكون السؤال الأكثر أهمية بالنسبة إليّ أبعد من تفاصيل البرمجة والأسماء المشاركة: هل نستطيع فعلًا أن نستعيد قدرتنا على الإصغاء؟ فربما يبدأ الشفاء الذي يتحدث عنه المهرجان من هذه اللحظة البسيطة تحديدًا؛ أن نصمت قليلًا أمام ضجيج العالم، وأن نسمح للكلمة الجميلة بأن تعيد ترتيب شيء ما في أعماقنا.

بقلم: الكاتب المغربي عبده حقي


0 التعليقات: