صدر حديثًا للكاتب المغربي عبده حقي كتاب فكري جديد بعنوان «أزمة المعنى في العصر الخوارزمي: الإنسان والحقيقة والتأويل من فائض المعلومات إلى ندرة الفهم»، وهو مؤلف بحثي وفلسفي يتناول التحولات العميقة التي أحدثتها الخوارزميات والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي التوليدي في علاقة الإنسان بالمعلومة والحقيقة والفهم وإنتاج المعنى.
ينطلق الكتاب من مفارقة مركزية ترى أن أزمة الإنسان المعاصر لم تعد مرتبطة أساسًا بندرة المعلومات أو صعوبة الوصول إليها، بقدر ما أصبحت مرتبطة بفيض هائل من البيانات والأخبار والتفسيرات والأجوبة التي تتدفق بوتيرة تفوق أحيانًا قدرة الفرد على التحقق منها وربطها بسياقاتها وتحويلها إلى معرفة مستقرة. ومن هذا المنطلق يطرح المؤلف سؤالًا جوهريًا: ماذا يحدث للمعنى عندما لا تعود الخوارزميات تكتفي بنقل المعلومات إلى الإنسان، بل تدخل في اختيار ما يظهر له وترتيبه وتخصيصه وتفسيره، ثم تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على توليد خطاب جديد عنه؟
يتوزع الكتاب على خمسة أبواب وخمسة عشر فصلًا، يبدأ أولها من مساءلة مفهوم المعنى نفسه والعودة إلى جذوره في اللغة والفكر والتأويل، قبل الانتقال إلى الأزمات التي عرفها المعنى قبل ظهور العصر الخوارزمي، ثم إلى التحول من المعلومة إلى «المحتوى» وإلى ظاهرة التضخم المعلوماتي والدلالي. ويؤكد المؤلف في هذا السياق أن الخوارزمية لم تخلق أزمة المعنى من الصفر، وإنما جاءت في سياق تاريخي طويل عرف تحولات في المرجعيات وسلطة المؤسسات والإعلام والشبكات الرقمية.
ويتناول الباب الثاني ما يسميه الكتاب «الشرط الخوارزمي للمعنى»، من خلال دراسة الخوارزمية بوصفها وسيطًا للعالم، وتحليل اقتصاد الانتباه وصناعة الأهمية، ثم التخصيص وما يمكن أن ينتج عنه من «فقاعات للمعنى». ويقترح عبده حقي في هذا الباب جملة من المفاهيم الإجرائية، من بينها «التأطير الخوارزمي للمعنى» و**«الواقع المرئي خوارزميًا»** و**«اقتصاد المعنى»**، انطلاقًا من فكرة مفادها أن الخوارزمية لا تحتاج إلى أن تنتج المعنى مباشرة لكي تؤثر فيه، إذ يكفي أن تشارك في تحديد ما يدخل إلى مجال الرؤية وما يتراجع خارجه.
ويشكل الباب الثالث أحد أهم محاور الكتاب، حيث ينتقل البحث من الخوارزمية التي ترتب المحتوى إلى الذكاء الاصطناعي الذي يصوغ الجواب، ويتوقف عند التحول من محرك البحث إلى ما يسميه المؤلف «الوسيط الذي يتكلم». ويناقش الكتاب السؤال الفلسفي الشائك حول قدرة الآلة على إنتاج المعنى، مع التمييز بين إنتاج خطاب ذي دلالة وبين امتلاك تجربة إنسانية معيشة للمعنى، قبل أن ينتقل إلى أزمة الحقيقة والهلوسة والاقتباسات المختلقة والصور والأصوات والفيديوهات المولدة.
وفي هذا السياق يقدم الكتاب مفهوم «الواقعية الاصطناعية»، ويعرّفها باعتبارها قدرة المحتوى المولد حسابيًا على اكتساب مظهر الواقعة أو الوثيقة أو الشهادة، رغم أن جينالوجيا إنتاجه اصطناعية ولا تتطابق مع الأصل الواقعي الذي يوحي به شكله. ويطرح المؤلف بذلك أسئلة جديدة حول الدليل والمصدر والوثيقة في مرحلة أصبحت فيها الطلاقة اللغوية والواقعية البصرية ممكنتين من دون أن تشكلا، في ذاتهما، ضمانًا للحقيقة.
أما الباب الرابع فيعيد مركز الاهتمام إلى الإنسان نفسه، متناولًا الانتقال من فائض المعلومات إلى ندرة الفهم، ثم «أزمة السؤال» وأزمة الذاكرة والانتباه. ويقترح المؤلف مفهوم «ندرة الفهم» للدلالة على التفاوت المتزايد بين كمية المعلومات المتاحة للفرد وقدرته على دمجها في بنى معرفية وسياقات وتفسيرات مستقرة قابلة للنقد، كما يناقش مفهوم «ضمور السؤال» باعتباره خطرًا محتملًا ينشأ عندما تصبح الأجوبة الجاهزة متاحة بسهولة إلى درجة يمكن معها أن يتراجع الجهد المبذول في بناء السؤال نفسه.
ومن أبرز العبارات التي يؤسس عليها الكتاب في هذا السياق: «أخطر ما قد تفعله الآلة ليس أن تقدم جوابًا خاطئًا، بل أن تجعل الإنسان أقل حاجة إلى إنتاج السؤال بنفسه»، وهي أطروحة لا يقدمها المؤلف باعتبارها حكمًا حتميًا على الذكاء الاصطناعي، بل بوصفها احتمالًا يستدعي إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الإنسان والأدوات التوليدية.
ويخصص الباب الخامس، الذي يشكل الخلاصة النظرية الأساسية للكتاب، لمفهوم «السيادة الدلالية»، باعتبارها قدرة الإنسان على فحص المعاني التي تقترحها الخوارزميات والمنصات والأنظمة التوليدية ومقارنتها ورفضها وإعادة بنائها داخل سياقه المعرفي والقيمي، من دون جعل الظهور أو الرواج أو التخصيص أو الطلاقة مصدرًا نهائيًا للحقيقة أو المعنى.
كما يدافع المؤلف عن مجموعة من الحقوق المعرفية الجديدة، من بينها الحق في الغموض، والحق في البطء، والحق في عدم التخصيص، والحق في المفاجأة، مؤكدًا أن ليست كل صعوبة عيبًا ينبغي أن تزيله التقنية، وأن بعض الغموض والاحتكاك المعرفي ضروريان لتكوين السؤال والفهم، وأن «المعنى يحتاج أحيانًا إلى زمن أطول مما تحتاج إليه المعلومة لكي تصل».
ويختتم الكتاب بمفهوم آخر هو «المواطنة الدلالية»، الذي يحيل إلى قدرة الفرد على المشاركة في المجال العام مع امتلاك كفايات التحقق وفهم الوساطة والتمييز بين الوقائع والتأويلات والمحتوى الاصطناعي، إضافة إلى الوعي بالمسؤولية التي يتحملها كل مستخدم عندما يشارك في جعل بعض المعاني أكثر ظهورًا وانتشارًا.
ويأتي «أزمة المعنى في العصر الخوارزمي» ضمن الاهتمام المتواصل للكاتب المغربي عبده حقي بالتحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي وأسئلة الكتابة والقراءة والنقد في البيئة الجديدة، مقدّمًا محاولة عربية لتجاوز الخطاب الذي ينحصر في المفاضلة بين الإنسان والآلة، باتجاه سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بالشروط التي يستطيع الإنسان من خلالها استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من دون التخلي عن حقه في السؤال والتحقق والتأويل والحكم وبناء المعنى.
وبهذا يضع الكتاب في صلب النقاش الثقافي الراهن سؤالًا يتجاوز التقنية إلى مستقبل الإنسان نفسه: إذا أصبحت الآلة قادرة على إنتاج مزيد من الأجوبة والمعاني المحتملة، فهل سيظل الإنسان قادرًا على اختيار ما يستحق فعلًا أن يعني له شيئًا؟







0 التعليقات:
إرسال تعليق