الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أكتوبر 06، 2026

العدالة أم الانتقام؟ سؤال نيتشه الذي لا يزال يطاردنا: عبده حقي


كلما عدت إلى كتاب «هكذا تكلم زرادشت» لفريدريك نيتشه، شعرت أنني لا أقرأ كتابًا فلسفيًا بالمعنى المدرسي للكلمة، بقدر ما أدخل مختبرًا نفسيًا شديد القسوة، يضع الإنسان أمام دوافعه الخفية، ويجبره على النظر إلى ما يحاول عادة أن يستره خلف الكلمات اللامعة والشعارات الأخلاقية النبيلة. ومن أكثر الفصول التي تستوقفني في هذا الكتاب فصل «العناكب»، لأن نيتشه لا يناقش فيه المساواة باعتبارها مفهومًا سياسيًا أو اجتماعيًا فحسب، بل يحفر أعمق من ذلك، فيسأل عن الدافع النفسي الذي قد يختبئ أحيانًا وراء المطالبة بالعدل والمساواة.

أجد في صورة العنكبوت التي اختارها نيتشه واحدة من أكثر استعاراته إثارة. فالعنكبوت لا يخرج إلى العلن معلنًا عن نفسه، بل يختبئ في زاوية معتمة، ينسج خيوطه بهدوء وينتظر. وإذا أردنا أن نعرف مكانه فما علينا إلا أن نلمس الشبكة حتى يتحرك. وهكذا يفعل زرادشت مع بعض دعاة المساواة: إنه لا يكتفي بالاستماع إلى الكلمات التي ينطقون بها، بل يلمس النسيج الأخلاقي الذي يحيطون به أنفسهم، كأنه يريد أن يرى ما إذا كانت كلمات العدالة والفضيلة والحرية تخفي وراءها مشاعر أخرى من الحسد أو العجز أو الانتقام.

وأنا أقرأ هذا الفصل، لا أفهم نيتشه باعتباره خصمًا لكل عدالة أو مساواة، وإنما باعتباره مفكرًا يشك في سهولة الشعارات. إنه يطلب مني ألا أطمئن إلى الكلمات بمجرد أن تكون جميلة، وألا أعتقد أن كل من يتحدث عن العدل تحركه بالضرورة محبة العدل. فقد يكون الإنسان مقتنعًا بأنه يدافع عن مبدأ أخلاقي، بينما تكمن في أعماقه رغبة أخرى لا يراها أو لا يريد الاعتراف بها. وقد يتحول الحقد إلى «غيرة على المبادئ»، والحسد إلى «دفاع عن المساواة»، والرغبة في إذلال الخصم إلى «تطبيق للعدالة».

وهنا أصل إلى السؤال الذي أراه جوهر هذا الفصل: هل أريد إزالة الظلم حقًا، أم أريد فقط أن أرى من أكرهه ساقطًا؟ هل أسعى إلى الارتفاع بنفسي، أم أنني عاجز عن الصعود فأطالب بإنزال الآخرين إلى مستواي؟ إن الفارق بين الموقفين بالغ الدقة والخطورة. يمكنني أن أرغب في أن أصبح أفضل من شخص متفوق عليّ، وهذا طموح مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما لا أعود أرغب في أن أصبح مثله أو أتجاوزه، بل أكتفي بتمني أن يفقد هو ما يملكه. هنا يتحول الطموح إلى حسد، ويتحول الصراع من بناء الذات إلى تدمير الآخر.

لهذا أرى أن نيتشه يضع الانتقام في قلب تحليله. فالإنسان الذي يقضي حياته وهو ينتظر سقوط عدوه يظل في الحقيقة أسيرًا له. قد يتصور أنه يكرهه لأنه قوي ومستقل، لكنه يكتشف أنه يحمل خصمه معه في نومه ويقظته، وأن نجاحه نفسه صار مشروطًا بأن يراه الآخر. إنه لا يفرح بما أنجز بقدر ما يفرح بفشل خصمه. وهكذا يتحول العدو الخارجي إلى ساكن دائم في الرأس، ويصبح الانتقام نوعًا من العبودية النفسية.

تثيرني هنا مفارقة قاسية: قد يخرج الإنسان من سجن فعلي، لكنه لا يخرج من سجن الكراهية. قد يسقط النظام الذي كان يكرهه، وقد يختفي الشخص الذي كان يعاديه، لكن العاطفة التي تشكلت داخله تستمر، وتبحث عن موضوع جديد. بهذا المعنى، لا يصبح الانتقام حادثًا مؤقتًا، بل قد يتحول إلى طريقة في رؤية العالم.

ولا أستطيع أن أقرأ حديث نيتشه عن العناكب من دون أن أتذكر التاريخ السياسي الحديث. كم من ثورة بدأت باسم العدالة وانتهت إلى السجون والمحاكمات والتصفيات؟ كم من حركة رفعت شعار تحرير الإنسان، ثم أعادت إنتاج الاستبداد نفسه الذي كانت تلعنه؟ هنا أجد سؤال نيتشه شديد الراهنية: هل يعارض الإنسان السلطة لأنه يرفض الاستبداد حقًا، أم لأنه ليس هو صاحب السلطة؟

هذا السؤال يزعجني أكثر من أي اتهام مباشر، لأنه لا يسمح لي بأن أقسم العالم ببساطة إلى ظالم ومظلوم، وطاغية وثائر، وشرير وفاضل. فالإنسان الذي يقف اليوم في موقع المعارضة قد يصبح غدًا حاكمًا، وحينئذ فقط نكتشف هل كان يؤمن فعلًا بالحرية أم كان يريد الكرسي لنفسه. وكم من خطاب سياسي يبدو نقيًا وهو بعيد عن السلطة، ثم تتغير لغته وسلوكاته بمجرد الاقتراب منها.

ولهذا أفهم وصف نيتشه لبعض دعاة المساواة بـ«الكهنة». فالمساواة في نظره قد تتحول أحيانًا من وسيلة لمقاومة الظلم إلى عقيدة مغلقة لا تقبل النقاش. وعندما يصبح أي تفاوت جريمة في ذاته، يصبح التفوق موضع شبهة، والنجاح تهمة، والاختلاف خطرًا ينبغي القضاء عليه. هنا ينتقل مفهوم المساواة من ضمان الحقوق والكرامة إلى تسوية البشر جميعًا في قدراتهم وطموحاتهم ونتائجهم.

وأنا لا أستطيع أن أساوي بين هذين المعنيين. فأنا أؤمن أن الناس يجب أن يكونوا متساوين في الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية وأمام القانون، لكنني لا أعتقد أنهم متساوون في القدرات أو المواهب أو الطموحات أو الشجاعة أو الإبداع. هذا ليس انتقاصًا من أحد، بل اعتراف باختلاف البشر. الناس لا يولدون بنسخة واحدة من الذكاء والإرادة والخيال، ولا يسيرون جميعًا في الطريق نفسه ولا بالسرعة نفسها.

من هنا أفهم عبارة نيتشه القاسية عن «اللامساواة» باعتبارها رفضًا لتحويل المجتمع إلى مضمار سباق يُمنع فيه المتسابق الأسرع من التقدم حتى يبقى الجميع على الخط نفسه. بالنسبة إليّ، العدالة الحقيقية لا تعني أن أوقف السريع، بل أن أساعد البطيء على تحسين قدرته، وأن أفتح الطريق لمن يريد أن يجرب مسارًا آخر، وأن أحمي حق الجميع في الانطلاق دون أن أفرض عليهم نتيجة واحدة.

إن الحياة عند نيتشه ليست سطحًا مستويًا، بل جبل. فيها صعود وهبوط ومقاومة وتحدٍّ. وهو لا يريد للإنسان أن يظل كما هو، بل أن يتجاوز نفسه. وهذا من أكثر الأفكار التي تستوقفني في فلسفته: التفوق الحقيقي ليس أن أكون أعلى من الآخرين فقط، بل أن أكون أعلى من نسختي السابقة. أن أكون اليوم أشجع مما كنت بالأمس، وأكثر معرفة، وأكثر قدرة على الخلق، وأقل خضوعًا لخوفي وكسلي وترددي.

أجد هذا المعنى قريبًا من صورة الرياضي الذي لا يكتفي بما حققه، بل يحاول كسر رقمه السابق. خصمه الأساسي هو نفسه. وإذا غاب التحدي تمامًا تجمد. لذلك يستخدم نيتشه لغة الصراع والمجالدة والحرب، لكنها ليست في كل مرة دعوة حرفية إلى العنف، بل كثيرًا ما تكون استعارة للمنافسة الفكرية والإبداعية والنفسية. فالفكرة تحتاج إلى فكرة تعارضها كي تختبر قوتها، والعالم يحتاج إلى تنوع التجارب حتى لا يتحول إلى مستنقع من التشابه.

حتى الجمال نفسه يقوم على الاختلاف. اللوحة التي لا تحتوي إلا لونًا واحدًا تفقد الكثير من قدرتها على الإيحاء، والموسيقى بلا صعود وهبوط وتفاوت في النبرات تتحول إلى رتابة. والعمارة تستمد جمالها من العلاقة بين الضوء والظل، والارتفاع والانخفاض، والفراغ والامتلاء. لهذا أفهم أن نيتشه يرى في الاختلاف شرطًا للحياة، لا عيبًا ينبغي محوه.

لكن أجمل لحظة في فصل «العناكب»، بالنسبة إليّ، تأتي عندما ينقلب التحليل على صاحبه. بعد أن هاجم زرادشت العناكب وحذر من سم الانتقام، تلسعه العنكبوت نفسها. فجأة يشعر هو الآخر بالرغبة في الانتقام. هنا تنهار المسافة المريحة بين الفيلسوف وخصومه، وبين الواعظ والمذنب، وبين «نحن» و«هم».

هذه اللحظة شديدة العمق في نظري، لأنها تقول لي إن الإنسان الذي يحذر الآخرين من الانتقام ليس محصنًا ضده. يمكنني أن أتهم الآخرين بالحقد حتى أتحول أنا نفسي إلى حاقد عليهم. يمكنني أن أدافع عن التسامح بعنف يجعلني نقيض ما أدعو إليه. ويمكنني أن أكره المتعصبين إلى درجة أتحول معها إلى متعصب ضدهم.

عندها يطلب زرادشت من رفاقه أن يقيدوه كي لا يستسلم لسم العنكبوت. أرى في هذا المشهد اعترافًا نادرًا بضعف الإنسان أمام غضبه. فالإنسان وهو هادئ يضع المبادئ بسهولة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يشعر بالإهانة أو الظلم أو الخيانة. آنذاك يصبح الانتقام مغريًا، ويكفي أحيانًا أن نغير اسمه حتى نقبله: لا نسميه انتقامًا، بل «استردادًا للحق»، ولا نسمي الشماتة كراهية، بل «جزاءً عادلًا».

لهذا أصبح فصل «العناكب» عندي أكثر من مجرد هجوم على المساواة أو على تيار سياسي معين. إنه درس في الشك داخل النفس. يدعوني إلى أن أتوقف كلما غضبت باسم قضية كبرى وأسأل: ما الذي يحركني فعلًا؟ هل أريد إصلاح الخطأ أم أريد رؤية المخطئ محطمًا؟ هل أدافع عن المظلوم أم أبحث عن ذريعة لمعاقبة من أكره؟ هل أريد الحرية للجميع، أم أريدها فقط حتى أصل إلى المكان الذي يوجد فيه خصمي ثم أحرمها منه؟

والأصعب من كل ذلك أن الإنسان ليس دائمًا واعيًا بدوافعه. فقد يكذب على الآخرين، لكنه قد يكذب كذلك على نفسه ثم يصدق روايته الخاصة. ومن هنا أرى في نيتشه واحدًا من المفكرين الذين فتحوا الباب مبكرًا أمام الشك في سيادة الوعي على النفس. الإنسان ليس شفافًا أمام نفسه كما يعتقد، وقد تكون خلف كلماته المعلنة طبقات من الخوف والحسد والرغبة في السيطرة والانتقام لا يراها بوضوح.

لهذا لا أخرج من فصل «العناكب» وأنا أفكر فقط في السياسيين أو الثوار أو رجال الدين أو الإيديولوجيات، بل أعود إلى نفسي. فالعنكبوت ليس دائمًا شخصًا خارجيًا أستطيع أن أشير إليه بإصبعي. قد يكون شعورًا صغيرًا في داخلي، وقد تكون شبكته مصنوعة من أفضل الكلمات التي أحبها: العدالة، الحرية، الكرامة، الحق.

أتعلم من زرادشت أن السؤال الأخلاقي الحقيقي لا يبدأ من العبارة التي أنطق بها، بل من الدافع الذي يجعلني أنطق بها. لا يكفي أن أقول إنني مع العدالة؛ عليّ أن أفتش عما إذا كنت أريد عدالة تحرر الإنسان أم انتقامًا يرتدي ثيابها. ولا يكفي أن أقول إنني ضد الاستبداد؛ عليّ أن أسأل نفسي ماذا سأفعل لو أصبحت السلطة في يدي.

وهنا تكمن، في تقديري، قوة نيتشه وخطورته معًا. إنه لا يمنحني راحة أخلاقية سهلة، ولا يسمح لي بأن أرى الشر دائمًا في الطرف الآخر. إنه يدفعني إلى الاقتراب من الشبكة ولمسها، ثم انتظار العنكبوت الذي قد يظهر منها. والمفاجأة الأكثر قسوة أنني قد أكتشف، في بعض اللحظات، أن العنكبوت لم يكن يسكن بيت الآخرين وحدهم، بل كان ينسج بصمت في زاوية من نفسي.



0 التعليقات: