الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أكتوبر 02، 2026

58.8 مليون هاتف و42 مليون اشتراك في الإنترنت: عبده حقي


كلما قرأت رقما جديدا عن اتساع استعمال الهاتف المحمول والإنترنت في المغرب، أشعر أنني لا أقرأ مجرد معطيات تقنية صادرة عن مؤسسة اقتصادية، بل أقرأ تحولا عميقا في المجتمع المغربي نفسه. فقد تجاوز عدد الاشتراكات في الهاتف المحمول 58.8 مليون اشتراك عند نهاية يونيو 2026، فيما اقترب عدد اشتراكات الإنترنت من 42 مليونا. وبلغ معدل انتشار الهاتف المحمول 157.9 في المائة، بينما وصل معدل انتشار الإنترنت إلى 112.6 في المائة. وهذه الأرقام، الصادرة عن مديرية الدراسات والتوقعات المالية، لا تعني طبعا أن بالمغرب 58.8 مليون شخص يمتلك كل واحد منهم هاتفا، وإنما تعكس تعدد الشرائح والاشتراكات لدى الأشخاص والمؤسسات.

بالنسبة إلي، تبدو هذه الأرقام أشبه بصورة مكبرة لمغرب جديد يتشكل أمام أعيننا. فالهاتف المحمول الذي كان قبل عقود قليلة علامة على الرفاه الاجتماعي تحول اليوم إلى امتداد شبه عضوي للإنسان المغربي. ننام والهاتف إلى جانبنا، ونستيقظ عليه، ونتابع من خلاله الأخبار والطقس والأسعار ومواعيد القطارات والطائرات، ونرسل الأموال، ونشتري التذاكر، ونتواصل مع أبنائنا وأصدقائنا في مختلف المدن والقارات. لقد أصبح الهاتف نافذتنا المحمولة على العالم.

أما الإنترنت، فإن وصول عدد الاشتراكات فيه إلى قرابة 42 مليونا يؤكد أن الاتصال الرقمي لم يعد نشاطا هامشيا في حياتنا. وقد ارتفع عدد الاشتراكات بنسبة 1.9 في المائة مقارنة بنهاية يونيو 2025، فيما انتقل معدل الانتشار من 86.2 في المائة سنة 2021 إلى 112.6 في المائة في يونيو 2026. وأنا أرى في هذه القفزة أكثر من مجرد توسع لسوق الاتصالات؛ إنها إعادة صياغة للعلاقة بين المواطن والمعلومة، وبين الإنسان والمدينة، وبين الفرد والمؤسسات.

لقد تغير معنى المسافة في المغرب. لم يعد المغربي الموجود في قرية نائية معزولا بالمعنى القديم للكلمة ما دام هاتفه يلتقط الشبكة. يستطيع أن يقرأ الصحيفة التي تصدر في الرباط أو الدار البيضاء، وأن يشاهد محاضرة في باريس أو نيويورك، وأن يتواصل مع قريب يعيش في كندا أو بلجيكا، وأن يتابع مباراة أو ندوة أو جلسة برلمانية أو برنامجا ثقافيا وهو جالس في منزله.

وبصفتي كاتبا، يهمني جانب آخر من هذا التحول. فأنا أنظر إلى 42 مليون اشتراك في الإنترنت باعتبارها، من زاوية ما، عشرات الملايين من النوافذ الممكنة للقراءة والكتابة والتعبير. الكاتب المغربي لم يعد رهين المطبعة والمكتبة والتوزيع الورقي وحدها. أصبح بإمكان مقال ينشر في فاس أن يُقرأ بعد ثوان في أستراليا، وبإمكان نص أدبي مكتوب بالعربية أن يصل عبر الترجمة الرقمية إلى قارئ لا يعرف كلمة واحدة من العربية.

ولكنني، في الوقت نفسه، لا أستطيع الاحتفال بالأرقام وحدها. فالسؤال الحقيقي بالنسبة إلي ليس: كم هاتفا لدينا؟ بل ماذا نفعل بكل هذه الهواتف؟ وليس: كم شخصا يستطيع الاتصال بالإنترنت؟ وإنما: ماذا ننتج داخل هذا الفضاء الهائل؟

فالرقمنة قد تكون بابا للمعرفة، وقد تتحول أيضا إلى مصنع هائل للتفاهة. يمكن للهاتف نفسه الذي يحمل مكتبات العالم أن يتحول إلى آلة لاستهلاك الساعات في محتويات فارغة. ويمكن للإنترنت الذي يمنحنا فرصة الوصول إلى الجامعات والكتب والمجلات العلمية أن يغرقنا في الشائعات والأخبار الزائفة والمحتويات السطحية.

 

وهنا أرى أن التحدي المغربي المقبل لن يكون توسيع الاتصال فقط، بل الانتقال من مجتمع «متصل» إلى مجتمع «رقمي» بالمعنى الحقيقي للكلمة. والفرق بين الاثنين كبير. المجتمع المتصل يمتلك الهواتف والإنترنت، أما المجتمع الرقمي فيمتلك المعرفة والمهارات والمحتوى والخدمات التي تجعل من التكنولوجيا أداة للإنتاج والتنمية.

أتمنى أن أرى هذه الملايين من الهواتف تتحول أكثر فأكثر إلى أدوات للتعلم والعمل والقراءة والإبداع. أتمنى أن يدخل الطفل المغربي إلى الإنترنت فلا يجد أمامه الترفيه فقط، بل يجد منصات تعليم مغربية قوية، ومكتبات رقمية مفتوحة، وموسوعات عربية موثوقة، ومتاحف افتراضية، ومحتويات علمية وثقافية مصنوعة بلغته ومن داخل بيئته.

كما أرى أن هذه الأرقام تضع مسؤولية كبيرة على المؤسسات الثقافية والإعلامية والجامعات والناشرين والكتاب. فإذا كان الجمهور قد انتقل بالفعل إلى الشاشة، فإن الثقافة مطالبة هي الأخرى بأن تذهب إليه هناك. لم يعد كافيا أن نشتكي من تراجع القراءة الورقية بينما يوجد أمامنا جمهور ضخم يمسك الهاتف ساعات طويلة كل يوم. المطلوب أن نبتكر أشكالا جديدة للكتاب والمقال والمجلة والبودكاست والفيديو الثقافي.

وثمة بعد اقتصادي لا يقل أهمية. عشرات الملايين من الاشتراكات تعني سوقا رقمية هائلة قادرة على خلق شركات وفرص عمل ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات. التجارة الإلكترونية، والبرمجيات، والألعاب الرقمية، والإشهار، والتعليم عن بعد، والخدمات المالية، وصناعة المحتوى، والذكاء الاصطناعي، كلها قطاعات يمكن لهذا الانتشار الواسع للإنترنت أن يمنحها قاعدة قوية للنمو.

لكن ذلك يفرض أيضا الانتباه إلى الفوارق الرقمية. امتلاك اتصال بالإنترنت لا يعني دائما امتلاك اتصال جيد أو سريع أو ميسور الكلفة. ولا تعني وفرة الهواتف أن الجميع يمتلك المهارات نفسها في استعمالها. ولذلك أعتقد أن العدالة الرقمية يجب أن تصبح جزءا من مفهوم العدالة الاجتماعية: بين المدينة والقرية، وبين الغني والفقير، وبين الشاب والمسن، وبين من يعرف كيف يستثمر التكنولوجيا ومن لا يزال يستهلكها فقط.

إن رقم 58.8 مليون اشتراك في الهاتف المحمول و42 مليون اشتراك في الإنترنت يجعلني أرى المغرب واقفا أمام فرصة تاريخية. لدينا البنية البشرية اللازمة لبناء مجتمع رقمي واسع، ولدينا جمهور متصل، ولدينا أجيال جديدة ولدت وهي تتعامل مع الشاشة كما تعاملت أجيالنا مع الورق والقلم.

لكن السؤال الذي سيحدد مستقبلنا ليس كم مليون هاتف نحمل في جيوبنا، بل كم فكرة ننتج بهذه الهواتف، وكم كتابا نقرأ، وكم معرفة نصنع، وكم خدمة نطور، وكم فرصة عمل نخلق.

فالنهضة الرقمية لا تبدأ عندما يمتلك كل مواطن هاتفا ذكيا، وإنما تبدأ عندما يصبح المواطن نفسه أكثر معرفة ووعيا وإنتاجا بفضل ذلك الهاتف.

بقلم الكاتب المغربي عبده حقي


0 التعليقات: