شهدت عملية انتخاب ممثلي الصحافيين في المجلس الوطني للصحافة، يوم الثلاثاء، أجواء مشحونة في عدد من مكاتب التصويت، بعدما اصطدم مهنيون في الرباط والدار البيضاء باكتظاظ كبير وبطء واضح في سير الاقتراع، الأمر الذي حوّل ممارسة الحق الانتخابي بالنسبة إلى بعض الصحافيين إلى ساعات طويلة من الانتظار، ودفع عدداً منهم في النهاية إلى مغادرة المكان قبل الإدلاء بأصواتهم.
في الرباط، بدا منذ الساعات الأولى أن الفضاء المخصص للتصويت بالمعهد العالي للإعلام والاتصال لم يكن مهيأ بالقدر الكافي لاستيعاب التدفق الكبير للناخبين. فقد تجمعت أعداد مهمة من الصحافيات والصحافيين في انتظار الوصول إلى مكاتب الاقتراع، فيما ساهم بطء الإجراءات في رفع منسوب التوتر وحدوث احتكاكات واحتجاجات داخل المكان.
الصورة نفسها، وإن بتفاصيل مختلفة، تكررت في الدار البيضاء، حيث اضطر عدد كبير من المهنيين إلى الانتظام في طابور طويل داخل مقر المديرية الجهوية لقطاع التواصل. وامتد الانتظار بين الطوابق، في مشهد أثار تساؤلات لدى الحاضرين بشأن الاستعدادات التنظيمية التي سبقت هذا الاستحقاق المهني.
هذه الأوضاع دفعت النقابة الوطنية للصحافة المغربية إلى التدخل عبر بلاغ انتقدت فيه الظروف التي رافقت عملية الاقتراع، خصوصاً بمكتبي جهة الرباط سلا القنيطرة. وسجلت النقابة وجود اكتظاظ وصفته بالشديد وغير المسبوق، إلى جانب طوابير ممتدة وتدافع أربك ولوج الناخبين وسير عملية التصويت.
وبالنسبة إلى النقابة، فإن الأمر يتجاوز مجرد صعوبات لوجستيكية عابرة، لأن الانتخابات المهنية يفترض أن توفر للناخب ظروفاً تحفظ كرامته وتضمن له الوصول إلى صندوق الاقتراع بطريقة سلسة ومنظمة، بعيداً عن الضغط والفوضى وطول الانتظار.
كما اعتبرت أن المشاهد المسجلة تطرح أسئلة مشروعة حول حجم الاستعداد لهذا الموعد، ومدى قدرة الجهات المشرفة عليه على توقع عدد المشاركين وتدبير تدفقهم، خصوصاً أن أي تأخير مفرط أو عراقيل في الولوج يمكن أن تؤثر عملياً في قدرة بعض الناخبين على ممارسة حقهم.
وتشدد النقابة في موقفها على أن الجانب التنظيمي ليس مسألة ثانوية منفصلة عن نزاهة الانتخابات، بل يمثل أحد شروط مصداقيتها. فسلامة الاقتراع لا ترتبط بالصندوق وفرز الأصوات فقط، وإنما تبدأ منذ وصول الناخب إلى مكان التصويت، ومروره بالإجراءات المطلوبة، ثم دخوله إلى المعزل والإدلاء بصوته في ظروف تحفظ حريته وخصوصيته.
ومن هذا المنطلق، طالبت الجهات المكلفة بالإشراف على العملية بالتدخل لمعالجة الاكتظاظ وتسريع وتيرة التصويت، مع اتخاذ ما يلزم لضمان استفادة جميع الصحافيات والصحافيين من حقهم الانتخابي دون عوائق أو تمييز.
كما دعت إلى تحديد المسؤوليات المرتبطة بالاختلالات التي ظهرت خلال الاقتراع، وفتح نقاش مهني بشأنها بعد انتهاء العملية، حتى لا تتحول الصعوبات نفسها إلى مشهد متكرر في الاستحقاقات المقبلة.
فالانتخابات التي تخص مؤسسة يفترض فيها أن تمثل الصحافة وتنظم شؤونها لا يمكن اختزال نجاحها في إعلان النتائج فقط؛ إذ تظل الطريقة التي تُدار بها العملية جزءاً أساسياً من صورتها ومن الثقة التي يمنحها المهنيون للمؤسسات المنبثقة عنها.
الانتقادات لم تصدر عن النقابة وحدها، إذ عبّر عدد من المرشحين بدورهم عن تحفظاتهم بشأن ما جرى داخل بعض مكاتب الاقتراع، وتحدثوا في بيانات منفصلة عن مشاكل تنظيمية، إلى جانب ملاحظات تتعلق بمدى احترام سرية التصويت وحرية الناخب في الاختيار.
الصحافي ياسر المختوم، المرشح لعضوية المجلس، أثار في بيان له مسألة سرية الاقتراع داخل مكتب الرباط، معتبراً أن بعض الممارسات التي عاينها يمكن أن تمس بحرية الناخب وبسلامة العملية الانتخابية.
وطالب اللجنة المؤقتة المكلفة بتدبير الانتخابات بالتدخل لضمان التطبيق الصارم للقواعد المنظمة للتصويت، ومنع كل ما يمكن أن يؤثر في إرادة الناخبين أو ينتقص من مبدأ سرية الاقتراع، مع توفير شروط متكافئة لجميع المشاركين في العملية الانتخابية.
وفي الدار البيضاء، عبّر الصحافي نور الدين البيار، المرشح بدوره لعضوية المجلس، عن ملاحظات مماثلة بشأن سير العملية، مشيراً إلى صعوبات تنظيمية وطول مدة الانتظار، وإلى مغادرة بعض الصحافيين مكان الاقتراع بعد تعذر استمرارهم في الانتظار.
كما تحدث عن ممارسات قال إنها تستوجب الانتباه لأنها ترتبط بسرية الاختيار داخل فضاء التصويت. وبرأيه، فإن هذه المسائل لا ينبغي التعامل معها باعتبارها ملاحظات شكلية، لأن حرية الناخب وسرية صوته تشكلان جوهر أي عملية انتخابية ذات مصداقية.
وطالب البيار اللجنة المؤقتة المكلفة بتدبير شؤون قطاع الصحافة والنشر بمعالجة الاختلالات بشكل فوري، وإعادة تنظيم تدفق الناخبين، وضمان احترام المعازل المخصصة للتصويت، والتدخل ضد أي ممارسة يمكن أن تثير الشك في حرية اختيار الصحافيات والصحافيين.
ما حدث في الرباط والدار البيضاء يعيد في النهاية طرح سؤال يتجاوز النتائج والأسماء التي ستصل إلى المجلس: هل جرى توفير الشروط التنظيمية الكافية لاستحقاق مهني بهذا الحجم؟
فالصحافي الذي يقضي ساعات في طابور قبل الوصول إلى صندوق الاقتراع لا يحتاج إلى خطاب يشرح له أهمية المشاركة؛ بل يحتاج قبل ذلك إلى تنظيم يسمح له بأن يمارس حقه بصورة طبيعية. وإذا كانت المؤسسات الصحافية مطالبة بالدفاع عن الشفافية والمساءلة في المجتمع، فمن الطبيعي أن تصبح الانتخابات التي تفرز ممثليها هي الأخرى موضع مساءلة كلما ظهرت اختلالات في تنظيمها.
لهذا فإن ما سجلته النقابة وما أعلنه بعض المرشحين ينبغي ألا ينتهي بانتهاء يوم الاقتراع. فالنتائج ستحدد من يمثل الصحافيين داخل المجلس، أما تقييم ما جرى ميدانياً فيبقى ضرورياً لمعرفة مواضع الخلل وتصحيحها، حتى لا يصبح الازدحام وطول الانتظار والجدل حول سرية الاقتراع جزءاً مألوفاً من انتخابات يفترض أن تكون نموذجاً في التنظيم والشفافية.








0 التعليقات:
إرسال تعليق