لا أرى في قصة سجن تنزروفت مجرد خبر إداري عابر عن تحويل منشأة عسكرية إلى مؤسسة سجنية، ولا أستطيع أن أتعامل معها باعتبارها تفصيلاً تقنياً يخص وزارة العدل وإدارة السجون. بالنسبة إلي، القضية أكبر من جدران تُبنى وأسلاك شائكة تُمد في قلب الصحراء. إنها قصة أسئلة ثقيلة، وصمت رسمي أثقل، ورواية تحتاج إلى كثير من التفسير قبل أن تُطلب من الرأي العام أن يصدقها كما هي.
قيل إن المجلس الأعلى للأمن قرر تحويل منشأة عسكرية تابعة لحرس الحدود إلى سجن مخصص لما سمي «بارونات المخدرات». ثم بعد أيام قليلة فقط ظهر حديث رسمي عن اجتماع لمتابعة مدى تقدم الأشغال الخاصة بتحويل هذه المنشأة وعن ترتيبات نقلها إلى إشراف وزارة العدل. هنا أتوقف وأسأل: أي أشغال يمكن أن تتقدم بهذا الشكل في بضعة أيام؟ وكيف ينتقل المشروع بهذه السرعة من القرار إلى المتابعة التنفيذية؟ وهل نحن فعلاً أمام تحويل طارئ لمنشأة عسكرية، أم أمام مشروع قديم يجري اليوم تقديمه إلى الرأي العام بصيغة جديدة؟
أنا لا أملك حق اختراع الوقائع، ولا أريد أن أستبدل الدعاية الرسمية بدعاية مضادة. لكن من حقي أن ألاحظ التناقض، ومن حق الجزائريين قبل غيرهم أن يسألوا عن تاريخ المشروع الحقيقي، وعن ميزانيته، وعن الشركة أو الجهات التي تولت الأشغال، وعن سبب اختيار تنزروفت بالذات، وعن طبيعة السجناء الذين سيُنقلون إلى هذه البقعة المعزولة من الصحراء.
ثم إنني لا أفهم كيف يمكن اختزال المسألة في عبارة جذابة مثل «سجن بارونات المخدرات». من هم هؤلاء البارونات؟ أين ملفاتهم؟ ما حجم شبكاتهم؟ من يحميهم؟ من يمولهم؟ ومن يغسل أموالهم؟ وهل المقصود فعلاً رؤوس الشبكات الكبرى، أم أننا سنكتشف في النهاية أن كلمة «بارونات» ليست أكثر من غطاء لغوي لاحتجاز تجار ووسطاء وصغار مهربين، بينما تبقى الرؤوس الكبيرة بعيدة عن الضوء؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً صحفياً. فالدولة التي تقول إنها تخوض حرباً على المخدرات يجب أن تبدأ من أعلى الهرم لا من أسفله. حجز أطنان من المخدرات لا يكفي وحده لإقناع الناس بوجود معركة حقيقية. توقيف الناقلين لا يكفي. اعتقال المروجين لا يكفي. حتى بناء سجن شديد الحراسة لا يكفي. المعركة تبدأ عندما تصل التحقيقات إلى من يملك المال والنفوذ والقدرة على تحريك الشحنات الكبيرة عبر الموانئ والحدود.
لقد عرفت الجزائر خلال السنوات الماضية ملفات ثقيلة مرتبطة بالمخدرات، وكان من أبرزها ملف شحنة الكوكايين التي ضُبطت في ميناء وهران سنة 2018. تلك القضية لم تكن مجرد قضية مخدرات عادية، بل كشفت للرأي العام حجم التعقيد الذي يمكن أن يحيط بالجريمة المنظمة عندما تتداخل معها المصالح والنفوذ والعلاقات مع دوائر الدولة.
ومن هنا أرفض أن يُطلب مني أن أكتفي بصورة سجن في الصحراء وأن أعتبر أن القضية انتهت.
لا. القضية تبدأ هنا.
إذا كانت السلطات تتحدث عن «بارونات المخدرات»، فليُكشف للرأي العام من هم. وليُعلن عن حجم الأموال التي دارت في شبكاتهم. وليُشرح كيف تمكنوا من التحرك كل هذه السنوات. وليُكشف من سهّل لهم المرور ومن وفر لهم التغطية ومن غض الطرف عن أنشطتهم.
أما أن نُبنى سجناً في مكان معزول ثم نُطلب من الناس أن يصدقوا أن المشكلة حُلت، فذلك لا يقنعني.
والأكثر إثارة للأسئلة هو موقع تنزروفت نفسه. لماذا هذه الصحراء البعيدة؟ لماذا هذه العزلة القصوى؟ هل الهدف أمني محض؟ أم أن اختيار مكان بعيد جداً عن المدن وعن وسائل الإعلام وعن الرقابة العامة يخدم أيضاً رغبة في جعل بعض الملفات بعيدة عن الأنظار؟
أنا لا أملك دليلاً على أن هذا السجن سيستعمل لغايات أخرى غير المعلن عنها، ولذلك لا أقدم ذلك كحقيقة. لكنني أقول إن غياب الشفافية هو الذي يفتح الباب أمام الشكوك. كلما قلّ التفسير الرسمي، اتسعت مساحة التأويل.
وهناك أيضاً مسألة أخرى لا يجوز تجاهلها: الحديث عن «تحويل ثكنة» إلى سجن شديد الحراسة يبدو في حد ذاته غريباً من الناحية الهندسية. فالثكنة ليست سجناً. تصميمها مختلف، ووظيفتها مختلفة، وبنيتها الأمنية مختلفة. السجن يحتاج إلى أسوار ومراقبة وممرات أمنية وتجهيزات وإدارة متخصصة ونظام زيارات ومرافق صحية وقضائية ولوجستية. لهذا فإن رواية التحويل السريع تثير لدي مزيداً من الأسئلة حول ما إذا كانت المنشأة موجودة أصلاً في شكل آخر منذ سنوات.
وتدفعني هذه القضية أيضاً إلى ملف أوسع: من يسيطر فعلاً على اقتصاد التهريب في منطقة الساحل والصحراء؟
الحدود الطويلة، واتساع المجال الصحراوي، وضعف الرقابة في بعض المناطق، وانتشار شبكات الجريمة العابرة للحدود، كلها عوامل تجعل من المنطقة ممراً بالغ الحساسية للمخدرات والأسلحة والبشر والأموال غير المشروعة.
لكن هذه الشبكات لا تعيش في الفراغ. لا يمكن لشحنة كبيرة أن تتحرك كأنها شبح. لا يمكن لأموال ضخمة أن تختفي من دون قنوات. لا يمكن لشبكات ممتدة أن تعمل لسنوات من دون علاقات ومصالح وحماية بدرجات مختلفة.
وهنا تكمن المشكلة الكبرى: هل تصل التحقيقات في الجزائر إلى هذه الطبقات العليا؟
لا أريد أن أردد اتهامات جاهزة تقول إن كل جنرال تاجر مخدرات أو إن المؤسسة العسكرية كلها متورطة. مثل هذه الأحكام المطلقة ليست صحافة ولا تحليلاً، بل دعاية معاكسة لا تختلف كثيراً عن الدعاية التي تنتقدها.
لكنني في المقابل أرفض أيضاً أن يصبح الجيش أو كبار المسؤولين منطقة محرمة على الأسئلة. إذا ظهرت ادعاءات خطيرة، فيجب التحقيق فيها. وإذا كانت كاذبة، فليُكشف كذبها بأدلة. وإذا كان فيها جزء من الحقيقة، فيجب أن تطال المحاسبة الجميع مهما كانت رتبهم.
الدولة الجادة لا تخشى التحقيق.
والجيش الواثق من مؤسساته لا يحتاج إلى تحويل كل سؤال حول ضابط كبير إلى مؤامرة على الوطن.
والسلطة التي تريد إقناع مواطنيها بأنها تحارب الجريمة المنظمة لا تبني الثقة بالبيانات المقتضبة، بل بالشفافية.
هناك أيضاً اقتصاد موازٍ ضخم للعملة الصعبة في الجزائر، وسوق سوداء معروفة للجميع. وهذا لا يعني أن كل أموال السوق الموازية أموال مخدرات، لكن أي دولة تريد تفكيك شبكات الجريمة المنظمة مطالبة بتتبع الأموال بقدر ما تتبع الشحنات. المال هو الذاكرة الحقيقية للجريمة. ويمكن لمهرب أن يغير طريقه وأن يبدل مركبته وأن يستبدل رجاله، لكن الأموال تترك أثراً إذا كانت المؤسسات المالية والقضائية جادة في تتبعها.
لهذا أعود إلى سؤالي الأول: ماذا يعني فعلاً «سجن بارونات المخدرات»؟
هل نحن أمام خطوة حقيقية نحو ضرب رؤوس الشبكات الكبرى؟
أم أمام عنوان أمني مثير يخفي أكثر مما يكشف؟
هل سيُحتجز هناك أشخاص يملكون بالفعل نفوذاً وشبكات مالية ضخمة؟
أم سيصبح السجن مجرد مسرح آخر لاستعراض الحزم؟
المعيار عندي بسيط: ليست القضية في عدد الأبراج الأمنية ولا في سماكة الجدران ولا في بعد السجن عن العاصمة. القضية في الأسماء والملفات والأموال والمحاكمات والحقائق.
فإذا رأينا يوماً تحقيقات مستقلة تصل إلى أعلى المستويات، وإذا رأينا أحكاماً معللة وشفافة، وإذا كُشفت شبكات التمويل والحماية، فسأقول إن الدولة بدأت فعلاً حرباً على بارونات المخدرات.
أما إذا بقيت الأسماء مجهولة، والملفات مغلقة، والبيانات غامضة، ثم ظهر أمامنا سجن ضخم في عمق الصحراء، فسأظل أطرح السؤال الذي لا يبدو أن أحداً يريد الإجابة عنه:
من هم البارونات الحقيقيون الذين بُني لهم هذا السجن؟
ومن الذي يخشى أن نعرف أسماءهم؟
لأن أخطر ما في الجريمة المنظمة ليس من يحمل المخدرات عبر الحدود، بل من يملك القدرة على جعل الشبكة تعمل، وعلى تحويل المال، وعلى شراء الصمت، وعلى الإفلات من الضوء.
وبين جدار سجن في تنزروفت وأسئلة رأي عام لم يعد يقبل الروايات الجاهزة، ستظل الحقيقة هي السجين الأهم الذي ينبغي إطلاق سراحه.







0 التعليقات:
إرسال تعليق