الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، سبتمبر 11، 2026

يوم كان الاسبان الجوعى يقصدون المغرب بحثًا عن الخبز : عبده حقي


كلما استعدتُ بعض فصول العلاقة القديمة بين المغرب وإسبانيا، شعرت بأن ذاكرة البحر الأبيض المتوسط أكثر ثراءً وتعقيدًا مما توحي به خطابات الهجرة المعاصرة. فالمضيق الذي نراه اليوم بوابة يعبر منها بعض المغاربة والأفارقة نحو الشمال الأوروبي، كان في مراحل أخرى من التاريخ ممراً في الاتجاه المعاكس، يقصده إسبان بحثًا عن العمل والاستقرار والنجاة من ظروف سياسية واقتصادية قاسية.

أعود خصوصًا إلى النصف الأول من القرن العشرين، عندما كانت إسبانيا تعيش اضطرابات اجتماعية وسياسية عميقة انتهت بالحرب الأهلية التي اندلعت سنة 1936 واستمرت حتى سنة 1939. كانت سنوات دموية قسمت المجتمع الإسباني وتركت وراءها قتلى ومعتقلين ومنفيين ومهاجرين، ثم جاءت مرحلة حكم الجنرال فرانكو بما حملته من قمع سياسي وفقر وندرة في المواد الغذائية.

ولم يكن المغرب آنذاك دولة مستقلة بكامل سيادتها كما هو اليوم، فقد كان جزء كبير منه خاضعًا للحماية الفرنسية، بينما خضعت مناطق في الشمال والجنوب للنفوذ الإسباني، وتمتعت طنجة بوضع دولي خاص. ومع ذلك أصبحت المدن المغربية فضاءً استقر فيه آلاف الإسبان على امتداد عقود، بعضهم جاء في إطار الوجود الاستعماري، وبعضهم قدم للعمل والتجارة، بينما وجد آخرون في المغرب ملاذًا من الاضطرابات والحرب والفقر.

لطالما أثار انتباهي أن الذاكرة السياسية المعاصرة تتحدث بكثرة عن المهاجر المغربي في إسبانيا، لكنها قلما تستحضر الإسباني الذي عاش وعمل في المغرب. وكأن اتجاه التاريخ ثابت لا يتغير، وكأن الضفة الشمالية كانت دائمًا غنية والضفة الجنوبية كانت دائمًا فقيرة.

والحقيقة مختلفة.

طنجة وتطوان والعرائش والدار البيضاء ووجدة وغيرها عرفت حضورًا إسبانيًا واضحًا، وترك هذا الوجود آثاره في الحياة اليومية والثقافة واللغة والتجارة والعمران. وفي بعض أحياء شمال المغرب ظلت كلمات إسبانية ومظاهر اجتماعية وثقافية شاهدة على زمن كان الاختلاط بين المجتمعين أكثر كثافة مما نتخيله اليوم.

وأنا أستحضر ذلك الماضي، لا تراودني الرغبة في تحويله إلى وسيلة للتشفي من الإسبان أو لمقارنة بائسة بين فقر الأمس وهجرة اليوم. فالشعوب لا ينبغي أن تتبادل الإهانات بصفحات التاريخ. ما يعنيني هو الدرس الأعمق: الهجرة ليست جنسية ولا عِرقًا ولا قدرًا مكتوبًا على شعب بعينه.

الشعوب تهاجر عندما تضيق أمامها فرص العيش.

الإسباني هاجر في مرحلة معينة، والبرتغالي هاجر، والإيطالي هاجر، كما غادر ملايين الأوروبيين قارتهم خلال القرنين التاسع عشر والعشرين بحثًا عن مستقبل أفضل في الأمريكيتين وإفريقيا وأستراليا وغيرها.

وكان المغرب، في محطات معينة، جزءًا من هذا العالم الذي استقبل أوروبيين يبحثون عن العمل والاستقرار.

لذلك أشعر بشيء من المفارقة عندما أسمع اليوم بعض أصوات اليمين المتطرف الأوروبي تتحدث عن الهجرة وكأنها ظاهرة اخترعتها شعوب الجنوب، أو وكأن الأوروبي لم يحمل حقيبته يومًا ويغادر بلاده بسبب الجوع والبطالة والحرب والاضطهاد.

التاريخ يرد على هذا الغرور بهدوء.

فإسبانيا التي نعرفها اليوم، بما بلغته من تنمية وبنيات تحتية وانتماء إلى الاتحاد الأوروبي، مرت بسنوات كانت فيها الحياة اليومية شاقة للغاية. وبعد الحرب الأهلية خصوصًا عاشت ما عُرف في الذاكرة الإسبانية بـ«سنوات الجوع»، حيث عانت فئات واسعة من السكان من الندرة والفقر وصعوبة الحصول على أبسط ضروريات الحياة.

لهذا أرى أن الحديث عن الهجرة يجب أن يبدأ من الإنسان لا من الجنسية.

فذلك الإسباني الذي كان يبحث قبل عقود عن فرصة للحياة لم يكن أقل كرامة لأنه احتاج إلى الهجرة، كما أن المغربي الذي يسافر اليوم إلى إسبانيا للعمل ليس أقل كرامة لأنه يبحث عن مستقبل أفضل.

لكنني أعتقد أيضًا أن المغرب اليوم مطالب بأن يجعل من هذه الذاكرة حافزًا لبناء مستقبل مختلف لشبابه. فاستحضار هجرة الآخرين لا يعفينا من مواجهة أسباب هجرة أبنائنا. علينا أن نخلق فرص العمل، ونطور التعليم، ونوسع إمكانات الترقي الاجتماعي، ونمنح الشاب المغربي سببًا حقيقيًا لكي يؤمن بأن مستقبله يمكن أن يُبنى داخل وطنه.

فالوطن لا ينتصر بمنع شبابه من الرحيل فقط، وإنما بجعل البقاء فيه اختيارًا يستحق الحياة.

وأنا أستعيد العلاقات المغربية الإسبانية، أشعر بنوع خاص من الحنين إلى مدن كانت ملتقى حقيقيًا للحضارات. طنجة القديمة، على سبيل المثال، لم تكن مدينة ذات هوية واحدة مغلقة. كانت العربية والإسبانية والفرنسية والإنجليزية تتجاور في شوارعها، وكان المغربي والإسباني واليهودي والأوروبي يلتقون في الأسواق والمقاهي والموانئ.

لم يكن ذلك الماضي مثاليًا، فقد كان يحمل تناقضاته واستعماره وفوارقه الاجتماعية، لكن المدن كانت في الوقت نفسه مختبرًا إنسانيًا للتعايش والتبادل.

وما أحوجنا اليوم إلى استعادة روح ذلك التواصل بعيدًا عن الهيمنة والصراع.

فالمغرب وإسبانيا محكومان بالجغرافيا قبل السياسة. بضعة كيلومترات من البحر تفصل بين بلدين تجمعهما قرون من التاريخ، وتربط بينهما اليوم مصالح اقتصادية وأمنية واجتماعية وثقافية متشابكة.

لا يمكن لإسبانيا أن تتجاهل المغرب، ولا يستطيع المغرب أن يتعامل مع إسبانيا باعتبارها مجرد جار أوروبي عابر.

هناك تاريخ بيننا.

هناك الأندلس وذاكرتها، والهجرات المتبادلة، والحماية والاستعمار والمقاومة، والتجارة، واللغات، والعائلات التي امتدت روابطها بين الضفتين.

واليوم يعيش عدد كبير من المغاربة في إسبانيا ويساهمون في اقتصادها ومجتمعها، تمامًا كما ساهم أوروبيون وإسبان في مراحل سابقة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية داخل مدن مغربية.

وأجد في هذا كله معنى عميقًا لدوران التاريخ.

فالأوطان لا تظل فقيرة إلى الأبد، كما أنها لا تحتفظ بازدهارها إلى الأبد. موازين الاقتصاد والسياسة تتغير، واتجاهات الهجرة تتبدل، والأجيال تنتقل من ضفة إلى أخرى.

ربما يأتي يوم يصبح فيه التنقل بين المغرب وإسبانيا أمرًا عاديًا لا يرتبط بمشاهد القوارب والأسلاك الشائكة، بل بالجامعات والاستثمار والثقافة والعمل والسياحة والمشاريع المشتركة.

ذلك هو المستقبل الذي أتمنى أن نصل إليه.

أريد أن تصبح ذكرى الإسبان الذين عاشوا في المغرب، والمغاربة الذين يعيشون اليوم في إسبانيا، أساسًا لفهم أكثر إنسانية للعلاقة بين الضفتين.

وأريد أن نتذكر دائمًا أن المهاجر ليس رقمًا في تقرير أمني، ولا مشكلة ديموغرافية، ولا مادة في خطاب انتخابي. إنه إنسان اضطر أو اختار أن يحمل جزءًا من حياته ويسافر إلى مكان آخر.

لقد علمني تاريخ المغرب وإسبانيا درسًا بسيطًا لا يحتاج إلى كثير من النظريات:

لا توجد ضفة غنية إلى الأبد، ولا ضفة فقيرة إلى الأبد، ولا شعب مهاجر إلى الأبد.

يتغير اتجاه السفن، وتتبدل أحوال البلدان، لكن البحر يظل شاهدًا صامتًا على أجيال تعبره بحثًا عن الشيء نفسه: الخبز، والأمان، والكرامة، وحياة أفضل.

عبده حقي

 

0 التعليقات: