الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، سبتمبر 11، 2026

سيكولوجيا المال في المجتمع المغربي: عبده حقي


كلما تأملت علاقتنا نحن المغاربة بالمال، أجد أن قاموسنا الشعبي يكشف عن تناقض نفسي واجتماعي لافت؛ فنحن نقول باستخفاف «لفلوس وسخ الدنيا»، لكننا نقضي جزءًا كبيرًا من حياتنا في البحث عنها، ونقول عن شخص ميسور «عندو زبالة دلفلوس»، ونستعمل تعبيرات ساخرة من قبيل «بوكو حبة» للدلالة على الكثرة والوفرة، وكأننا نحاول بالفكاهة أن نخفف من سلطة شيء نحتاج إليه ونخشاه ونرغب فيه في الوقت نفسه. لذلك لا أرى المال في المجتمع المغربي مجرد وسيلة للتبادل أو رقم في الحساب البنكي، بل أراه ظاهرة نفسية واجتماعية تتداخل فيها ذاكرة الفقر، والخوف من المستقبل، والرغبة في الوجاهة، وضغط الأسرة، ونظرة الآخرين.

تبدأ علاقتنا بالمال منذ الطفولة. كثير منا سمع عبارات مثل «خبي القرش الأبيض لنهارك الكحل»، و«دير حسابك»، و«الدنيا ما فيها أمان». وهي عبارات تبدو نصائح بسيطة، لكنها تزرع في الذاكرة تصورًا بأن المستقبل يحمل دائمًا خطرًا ما، وأن المال ينبغي أن يبقى قريبًا لحظة الطوارئ. ولا أستغرب أن نجد مغاربة تحسنت أوضاعهم المادية، ومع ذلك ما زالوا يعيشون نفسيًا تحت وطأة الخوف من الفقر. فالإنسان قد يخرج من الفقر، لكن الفقر لا يخرج دائمًا بسرعة من ذاكرته. وقد يتحول هذا الخوف عند شخص إلى حرص شديد على الادخار، بينما يتحول عند آخر إلى استهلاك مفرط، كأنه يريد الانتقام من سنوات الحرمان بشراء كل ما حُرم منه.

والمثير أن الخطاب الشعبي الذي يقلل من شأن المال يتعايش مع واقع يمنحه أهمية كبيرة. نقول «الصحة هي كلشي ولفلوس ماشي كلشي»، وهذا صحيح من الناحية الإنسانية، لكننا نعرف أيضًا أن المال يوفر علاجًا أفضل وسكنًا أريح وتعليمًا جيدًا وحماية من كثير من متاعب الحياة. لذلك أرى أن عبارة «لفلوس وسخ الدنيا» ليست رفضًا حقيقيًا للمال بقدر ما هي محاولة أخلاقية لوضع حدود لسلطته، أو ربما وسيلة نفسية لمواساة أنفسنا عندما نفتقده.

أما عبارة «عندو زبالة دلفلوس» فهي تكشف جانبًا آخر من المخيال المغربي، حيث يتحول الثري إلى شخصية استثنائية تحيط بها المبالغات والتخمينات. نعرف أحيانًا حجم ثروة الشخص من خلال سيارته ومنزله وملابسه وسفره، لا من خلال حساباته الحقيقية. وهنا يتحول المال إلى ما يمكن تسميته بالرأسمال الرمزي؛ أي أن قيمة الممتلكات لا تكمن فقط في استعمالها، بل فيما تقوله عن صاحبها. فالسيارة قد تقول: لقد نجحت. والمنزل الفخم قد يقول: لقد صعدت اجتماعيًا. والهاتف الباهظ قد يقول: أنا قادر على شراء ما لا يستطيع الآخرون شراءه.

وهنا أعتقد أن «نظرة الناس» تلعب دورًا بالغًا في إنفاقنا. كم من أسرة تحملت فوق طاقتها من أجل حفل زفاف حتى «ما يقولوش علينا»؟ وكم من شخص اقتنى سيارة تفوق قدرته المالية لأنه لا يريد أن يبدو أقل من زملائه؟ وكم من بيت امتلأ بأشياء لا يحتاجها أصحابه لأن المجتمع حول الاستهلاك إلى شهادة نجاح؟ نحن لا نشتري دائمًا السلعة نفسها، بل نشتري أحيانًا الصورة التي نريد أن يراها الآخرون عنا. وهذا ما يجعل بعض الناس يعيشون حياة أكبر من دخلهم، ثم يقضون سنوات في أداء ثمن صورة استمرت دقائق في أعين الآخرين.

وتبدو هذه الظاهرة بوضوح في الأعراس المغربية. قد تنفق أسرة متوسطة الدخل مدخرات سنوات، وربما تستدين، من أجل ليلة واحدة. فالمسألة لا تتعلق بالفرح وحده، بل بحضور المجتمع كله في ذهن الأسرة: القاعة، والطعام، والملابس، وعدد المدعوين، والتصوير، والزينة. وبعد انتهاء الحفل يبدأ العروسان أحيانًا حياتهما الجديدة بديون حفلة أقيمت أصلًا للاحتفال بمستقبلهما. إنها مفارقة تلخص جانبًا من سيكولوجيا المال لدينا: نقترض من المستقبل لكي نبدو ناجحين في الحاضر.

وأجد الظاهرة نفسها في علاقتنا بالسيارة والعقار. فالبيت عند المغربي ليس مجرد سقف، بل أمان وكرامة واستقرار وميراث للأبناء، ولهذا يظل امتلاك «الدار» حلمًا مركزيًا حتى لو اقتضى أداء قرض عشرين أو خمسة وعشرين عامًا. أما السيارة فقد تحولت لدى البعض من وسيلة للنقل إلى بطاقة هوية اجتماعية متحركة، بحيث يصبح نوعها وسعرها جزءًا من الصورة التي يريد صاحبها تقديمها عن نفسه.

وتزداد تعقيدات المال داخل الأسرة، لأن الثقافة المغربية تقوم على التضامن، وهي قيمة أعتز بها، لكن التضامن قد ينقلب أحيانًا إلى ضغط مالي. فالابن الذي يحصل على وظيفة يشعر بأنه مطالب بالمساهمة في مصاريف البيت، والمهاجر قد يُنظر إليه كأنه يعيش وسط «زبالة دلفلوس»، والموظف الذي تحسن دخله يبدأ في تلقي طلبات القروض والمساعدات. وإذا حاول وضع حدود لذلك قد يسمع: «منين ولات عندو لفلوس تبدل». وهكذا قد يصبح المال مقياسًا للمحبة والوفاء، مع أن الحب لا ينبغي أن يقاس بعدد التحويلات المالية.

ثم جاءت مواقع التواصل الاجتماعي لتزيد علاقتنا بالمال اضطرابًا. في السابق كنت أقارن نفسي بجاري أو زميلي، أما اليوم فأقارن نفسي كل صباح بمئات الأشخاص. أرى السفر والسيارات والمطاعم والفنادق والملابس الفاخرة، لكنني لا أرى القروض والديون والقلق الذي قد يوجد خلف الصور. أرى نتيجة منتقاة بعناية ولا أرى بقية الحياة. وبذلك يمكن لإنسان يعيش حياة مستقرة أن يشعر فجأة بأنه فقير، ليس لأنه فقد شيئًا، بل لأنه شاهد شخصًا يملك أكثر منه.

ومع ذلك، أرى في الثقافة المغربية قدرة كبيرة على مقاومة الضغط المالي بالسخرية. فنحن نحول الأزمة إلى نكتة، ونضحك على الراتب الذي «ما كيكملش الشهر»، ونقول إن الحساب البنكي «فيه غير الريح»، ونستعمل تعبيرات مثل «بوكو حبة» ونمزج العربية والدارجة والفرنسية لكي نجعل الواقع أخف وطأة. وحتى عبارة «دبر راسك» تختصر مدرسة مغربية كاملة في إدارة الأزمات بموارد محدودة.

لهذا أرى أننا بحاجة إلى تربية مالية حديثة تكمل حكمتنا الشعبية. نحتاج إلى أن نعلم أبناءنا الفرق بين الحاجة والرغبة، وبين الكرم والتبذير، وبين الادخار والبخل، وبين القرض المنتج والقرض الذي يمول مجرد الاستعراض. والأهم أن نتخلص من الفكرة التي تربط قيمة الإنسان بما يملك.

فالمشكلة في نظري ليست في المال، ولا في الرغبة في امتلاكه. المال يوفر الاستقلال والكرامة والأمان، ويمكنه أن يحسن حياة الإنسان بصورة كبيرة. المشكلة تبدأ عندما ينتقل الدرهم من الجيب إلى ميزان القيمة الإنسانية، فأصبح أحترم الغني لأنه غني، وأحتقر الفقير لأنه فقير، وأشتري ما لا أحتاج إليه لأقنع الآخرين بأنني ناجح. عندها فقط أفهم المعنى الحقيقي لعبارة «لفلوس وسخ الدنيا»: ليس لأن المال وسخ في ذاته، بل لأن علاقتنا به قد تتسخ بالخوف والتفاخر والحسد والجشع. أما المال الذي يبقى وسيلة للعيش الكريم والعمل والعطاء والاستقلال، فهو مجرد مال؛ نحن الذين نقرر إن كان سيخدم حياتنا أم سيتحول إلى سيد خفي يحكمها.

عبده حقي

 

0 التعليقات: