الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، سبتمبر 06، 2026

86 في المائة من المغاربة داخل الشبكة: عبده حقي


أعترف أن الرقم يثيرني ويقلقني في الوقت نفسه: 86 في المائة من المغاربة يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي. نحن لم نعد أمام مجرد أدوات للتسلية أو الدردشة، بل أمام عالم موازٍ دخل بيوتنا وجيوبنا وعقولنا، وأعاد تشكيل علاقتنا بالأخبار والسياسة والثقافة والشراء والصداقة وحتى بأنفسنا. واتساب يتصدر، وفيسبوك ما يزال حاضراً بقوة، ويوتيوب يصعد، وإنستغرام يلاحقه، وتيك توك يكتسح خصوصاً بين الشباب. لكنني لا أريد أن أحتفل بهذه الأرقام وكأنها دليل تلقائي على التقدم. سؤالي مختلف وأكثر إزعاجاً: هل أصبح المغربي أكثر اتصالاً بالعالم، أم أكثر خضوعاً للشاشة؟

في تقديري، الخطأ الأكبر الذي يمكن أن نرتكبه هو النظر إلى هذا التحول باعتباره مجرد نتيجة لانتشار الإنترنت والهواتف الذكية. صحيح أن الهاتف أصبح اليوم بوابتنا الدائمة إلى العالم، لكن المسألة أعمق من ذلك. نحن نعيش انتقالاً اجتماعياً وثقافياً حقيقياً من مجتمع كانت فيه العلاقات والمعلومات تمر أساساً عبر الفضاء الواقعي، إلى مجتمع أصبح جزء متزايد من حياته يحدث داخل منصات تملكها شركات عالمية وتديرها خوارزميات لا نعرف عنها إلا القليل.

أستطيع اليوم أن أقول إن واتساب لم يعد مجرد تطبيق. إنه يكاد يصبح مؤسسة اجتماعية غير رسمية. العائلة لها مجموعة، والعمل له مجموعة، والمدرسة لها مجموعة، والأصدقاء لهم مجموعاتهم، والحي والجمعية والتاجر والزبون جميعهم يلتقون هناك. رسائلنا ومواعيدنا وصورنا وأفراحنا وتعازينا ومشاكلنا المهنية والعائلية أصبحت تمر عبر شاشة صغيرة. وهذه سهولة لا يمكن إنكار فوائدها، لكنها تكشف أيضاً حجم اعتمادنا المتزايد على وسيط رقمي أصبح جزءاً من البنية اليومية للمجتمع.

أما التحول الأكثر إثارة بالنسبة إليّ فهو صعود الفيديو القصير. لقد بدأنا نغادر زمن القراءة إلى زمن المشاهدة، ومن زمن البحث عن المعلومة إلى زمن وصول المعلومة إلينا دون أن نطلبها. المستخدم يفتح تيك توك أو إنستغرام أو يوتيوب، فتبدأ الخوارزمية فوراً في تقديم ما تعتقد أنه سيجعله يبقى أطول أمام الشاشة. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: أنا لم أعد أختار دائماً ما أريد معرفته، بل هناك نظام رقمي يختار لي ما يعتقد أنني سأشاهده حتى النهاية.

وهذا يعني أن الخوارزمية لم تعد مجرد أداة تقنية، بل أصبحت شريكاً خفياً في تشكيل الانتباه والذوق والرأي. من يقرر أن هذا الفيديو يستحق أن يصل إلى مليون شخص بينما لا يصل تحليل عميق إلى بضعة آلاف؟ من يحدد ما يصبح قضية رأي عام، وما يختفي في الهامش؟ إنها أسئلة لا نطرحها بما يكفي.

أنا لا أنكر الجانب الإيجابي. بالعكس، أرى أن شبكات التواصل حققت شيئاً كان مستحيلاً تقريباً قبل عقدين: كسرت احتكار المنبر. الكاتب لم يعد يحتاج إلى صحيفة كي يصل إلى القارئ، والفنان لم يعد ينتظر شركة إنتاج، والمواطن لم يعد محتاجاً إلى كاميرا قناة تلفزيونية كي يوثق حدثاً، والتاجر الصغير يستطيع أن يصل إلى زبائنه من هاتفه. هذه ثورة حقيقية في إمكانات التعبير.

لكن كل ثورة تخلق سلطتها الجديدة.

أخشى أن نكون قد هربنا من احتكار الإعلام التقليدي لنقع في احتكار الخوارزميات. في الماضي كان رئيس التحرير يقرر ما الذي يستحق النشر، أما اليوم فقد أصبحت منظومات حسابية غير مرئية تحدد بصورة كبيرة ما الذي يستحق الظهور على شاشاتنا. والفارق أن رئيس التحرير يمكن مساءلته، أما الخوارزمية فلا نراها ولا نعرف منطقها كاملاً.

ثم هناك مشكلة أخرى أعتبرها أكثر خطورة: اقتصاد الانتباه. شركات التواصل لا تمنحنا هذه المنصات مجاناً بدافع العمل الخيري. السلعة الأساسية في هذا الاقتصاد هي وقتنا وانتباهنا وبياناتنا وسلوكنا. وكل دقيقة إضافية نقضيها أمام الشاشة لها قيمة اقتصادية.

لهذا أجد من السذاجة الاعتقاد أن التصفح المتواصل مجرد عادة بريئة. حين تنتقل من فيديو إلى آخر بلا توقف، أنت داخل منظومة صممت بعناية حتى تجعلك تستمر. وكلما زاد بقاؤك، زادت قيمة انتباهك بالنسبة إلى الإعلانات والمنصات.

وهنا أفهم لماذا تنتشر أحياناً الفضيحة أسرع من الفكرة، والإهانة أسرع من المقال، والإشاعة أسرع من التحقيق الصحفي. المحتوى الذي يستفز الخوف أو الغضب أو الفضول يملك قدرة أكبر على إيقاف إصبع المستخدم أثناء التمرير، وبالتالي يحصل غالباً على فرصة أكبر للانتشار.

وهكذا بدأنا نعيش مفارقة مؤلمة: لدينا أكبر كمية من المعلومات في التاريخ، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أننا أصبحنا أكثر معرفة.

يمكنني أن أشاهد خلال ساعة عشرات الأخبار والمقاطع والتعليقات، ثم أغلق هاتفي دون أن أكون قد فهمت موضوعاً واحداً بعمق.

وهذا يقودني إلى سؤال الثقافة. ما مصير القراءة الطويلة أمام هيمنة الفيديو القصير؟ ما مصير الرواية والمقال والتحليل الفكري حين يتعود الدماغ على الرسائل التي لا تتجاوز نصف دقيقة؟ أنا لا أعتقد أن الكتاب سيختفي، ولا أن الثقافة العميقة ستنتهي، لكنني أعتقد أننا سندخل في مواجهة صعبة بين زمنين: زمن يحتاج إلى التأمل، وزمن يريد الإجابة قبل أن ينتهي السؤال.

مع ذلك، هناك جانب ثقافي جميل لا ينبغي تجاهله. لقد منحت هذه المنصات للدارجة المغربية والأمازيغية والثقافات المحلية مساحة ظهور غير مسبوقة. حكايات وموسيقى وأمثال وطبخ وعادات وتقاليد كانت محصورة في مناطق معينة أصبحت تصل إلى ملايين الناس. وهذا في رأيي مكسب حقيقي، لأنه كسر مركزية الثقافة وأعطى الهامش حق الكلام.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الشهرة نفسها إلى معيار للقيمة.

لقد ظهر اقتصاد جديد هو اقتصاد المؤثرين. أصبح عدد المتابعين رأسمالاً، وعدد المشاهدات قوة تفاوضية، وأحياناً يتحول الشخص إلى علامة تجارية كاملة. وأنا لا أعترض على ذلك في حد ذاته، لكنني أرفض أن نقبل ضمنياً بأن من يملك مليون متابع يملك بالضرورة مليون حجة.

الانتشار ليس دليلاً على المعرفة، والإعجاب ليس شهادة كفاءة، والمشاهدة ليست تصويتاً على الحقيقة.

هذا الخلط بين الشهرة والمصداقية من أخطر ما أنتجته الثقافة الرقمية الجديدة.

ثم تأتي الأخبار الكاذبة. هنا أرى أننا أمام تحد وطني حقيقي. كل شخص أصبح ناشراً، وكل هاتف أصبح وسيلة إعلام. يمكن لرسالة مجهولة المصدر أن تنتقل عبر عشرات مجموعات واتساب خلال دقائق، ويمكن لصورة قديمة أن تقدم باعتبارها حدثاً وقع اليوم، ويمكن لفيديو مبتور أن يصنع أزمة كاملة.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى صناعة الصور والصوت والفيديو، سيصبح الأمر أكثر تعقيداً. لن يكون السؤال مستقبلاً فقط: هل هذا الخبر صحيح؟ بل ربما: هل هذا الشخص قال هذه الجملة أصلاً؟ هل هذا الفيديو حقيقي؟ هل هذا الصوت يعود فعلاً إلى صاحبه؟

لهذا أرى أن التربية الإعلامية يجب أن تتحول إلى جزء من التعليم نفسه. ينبغي أن نتعلم منذ المدرسة كيف نتحقق من المصدر، وكيف نميز بين الرأي والخبر، وبين الإعلان والمعلومة، وبين الصورة الأصلية والصورة المصنوعة.

ولا يقل الجانب النفسي أهمية. الإنسان اليوم يقارن يومياته العادية بأفضل لحظات الآخرين. هو يرى سفرهم ونجاحهم ومطاعمهم وهداياهم واحتفالاتهم، لكنه نادراً ما يرى مشاكلهم وخيباتهم ووحدتهم. والنتيجة أن شخصاً قد يعتقد أن الجميع يعيشون أفضل منه، بينما الحقيقة أن الجميع تقريباً يعرضون نسخة منتقاة من حياتهم.

أما الأسرة المغربية، فأصبحت أمام سؤال لم تعرفه الأجيال السابقة: كيف نربي طفلاً يحمل في جيبه نافذة مفتوحة على العالم كله؟ المنع وحده لن يحل المشكلة، والرقابة وحدها لن تكفي. المطلوب هو بناء مناعة رقمية، لا بناء جدار مستحيل حول الهاتف.

وأنا أعتقد أن السياسة نفسها ستتغير أكثر فأكثر تحت ضغط هذه الشبكات. الحملات الانتخابية والخطابات والشائعات والحشد والغضب ستنتقل كلها إلى المنصات. لكن الخطر هو أن تتحول السياسة إلى منافسة في المقاطع القصيرة والشعارات السريعة، وأن يصبح من يثير الانفعال أكثر قدرة على الانتشار من صاحب البرنامج الأكثر جدية.

لهذا كله، لا أستطيع أن أتعامل مع رقم 86 في المائة كخبر تقني عابر.

بالنسبة إليّ، نحن أمام سؤال حضاري.

المغرب يدخل بسرعة عصر المجتمع الخوارزمي، حيث تصبح الشاشة وسيطاً بين الإنسان والعالم، وحيث تتنافس الشركات والمنصات والمؤثرون والإعلانات والأحزاب والأخبار على الشيء نفسه: انتباه المواطن.

ولذلك فإن معركة المستقبل لن تكون حول من يملك الهاتف الأسرع أو الإنترنت الأقوى، بل حول من يملك القدرة على الاحتفاظ بعقله حراً وسط هذا التدفق.

السؤال لم يعد: هل نستعمل شبكات التواصل؟

لقد حُسم ذلك تقريباً.

السؤال الذي ينبغي أن يخيفنا جميعاً هو: هل ما زلنا نحن الذين نستخدمها، أم أنها أصبحت تعرف كيف تستخدمنا؟

بالنسبة إليّ، هنا تبدأ المعركة الحقيقية: معركة السيادة على الانتباه، وعلى الوعي، وعلى الحق في أن نختار بأنفسنا ما يستحق أن نراه وما يستحق أن نصدقه.


0 التعليقات: