الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، سبتمبر 09، 2026

مبارك ربيع في القاهرة.. تكريم مغربي في قلب الثقافة العربية: عبده حقي


يستعد المشهد الثقافي العربي للاحتفاء بأحد أبرز الأسماء التي أسهمت في ترسيخ حضور الرواية والقصة المغربية داخل الفضاء العربي، حيث يحل الأديب والأكاديمي المغربي مبارك ربيع بالقاهرة، بدعوة وتنظيم من مؤسسة «ديوان العرب»، للمشاركة في فعالية ثقافية تحتفي به بوصفه «رمزاً من رموز الثقافة العربية»، وذلك يوم 1 أكتوبر 2026 بمقر نقابة الصحفيين المصريين، بالتزامن مع الاحتفال بتوزيع جوائز الدورة الثانية عشرة من المسابقة التي تنظمها «ديوان العرب».

ولا يبدو هذا التكريم حدثاً بروتوكولياً عابراً في مسار كاتب مغربي راكم عقوداً من الكتابة والإبداع والبحث الأكاديمي، بقدر ما يحمل دلالة ثقافية تتجاوز الشخص المحتفى به إلى موقع الأدب المغربي نفسه داخل الخريطة الثقافية العربية. فمبارك ربيع ينتمي إلى جيل من المبدعين الذين ساهموا في منح السرد المغربي الحديث شخصيته وملامحه وخصوصيته، وفي جعله جزءاً أصيلاً من التحولات التي عرفتها الرواية العربية منذ النصف الثاني من القرن العشرين.

لقد ارتبط اسم مبارك ربيع بالكتابة التي تنطلق من الواقع المغربي العميق، من الإنسان وأسئلته وتحولاته وعلاقاته الاجتماعية والنفسية، لكنها لا تنغلق داخل حدود المكان المحلي، بل تجعل من التجربة المغربية نافذة لقراءة أسئلة الإنسان العربي بصورة أوسع. ولهذا استطاع أدبه أن يعبر من المحلي إلى العربي، وأن يجد مكانه لدى القارئ والناقد خارج المغرب، لأن القيمة الأدبية الحقيقية لا تقاس فقط بالمكان الذي تنطلق منه، وإنما بقدرتها على تحويل التفاصيل المحلية إلى معنى إنساني مشترك.

ويتميز مسار مبارك ربيع بأنه لم يفصل بين الأدب والمعرفة الأكاديمية، بل جمع بين الإبداع والبحث والتأمل في النفس والمجتمع والثقافة، وهو ما منح تجربته الأدبية عمقاً واضحاً. فالروائي لديه ليس مجرد راو للأحداث، وإنما باحث في الإنسان، في دوافعه وتناقضاته، وفي العلاقات الخفية التي تصنع مصيره. ومن هنا اكتسبت كتابته تلك القدرة على الإنصات إلى الشخصيات من الداخل، وعلى ربط السرد بالتحولات الاجتماعية والثقافية الكبرى.

ويأتي تكريمه في القاهرة ليحمل رمزية إضافية؛ فالعاصمة المصرية ظلت تاريخياً واحدة من أكبر العواصم المنتجة للثقافة العربية، وملتقى للأدباء والمفكرين والناشرين والإعلاميين من مختلف البلدان. وحين يُكرَّم كاتب مغربي في هذا الفضاء باعتباره رمزاً من رموز الثقافة العربية، فإن الأمر يعكس حقيقة أساسية مفادها أن الأدب المغربي لم يعد قابلاً للنظر إليه باعتباره أدباً هامشياً أو بعيداً عن المركز الثقافي العربي، بل أصبح جزءاً مركزياً من صناعة المعنى والإبداع داخل الثقافة العربية الحديثة.

كما أن هذا التكريم يعيد فتح سؤال بالغ الأهمية يتعلق بحضور الأدب المغربي في المشرق العربي. لقد عانت الثقافة المغربية طويلاً من ضعف التداول العربي، ليس بسبب قلة الإنتاج أو تواضع جودته، وإنما أحياناً بسبب مشكلات النشر والتوزيع وغياب الجسور الثقافية المستمرة بين المشرق والمغرب. لذلك فإن الاحتفاء بأسماء مغربية من حجم مبارك ربيع لا ينبغي أن يظل مناسبة فردية، وإنما يفترض أن يكون جزءاً من حركة عربية أوسع لإعادة اكتشاف المكتبة المغربية وتعريف الأجيال الجديدة برموزها وتجاربها.

ويكتسب حضور مبارك ربيع في حفل توزيع جوائز الدورة الثانية عشرة لمسابقة «ديوان العرب» معنى آخر، لأن تكريم الأديب المخضرم إلى جانب الاحتفاء بمبدعين جدد يخلق نوعاً من التواصل الرمزي بين الأجيال. فالثقافة لا تستمر بمجرد إنتاج الكتب، وإنما عبر انتقال الخبرة والذاكرة والقيم الإبداعية من جيل إلى آخر. وحين تجتمع في مكان واحد تجربة راكمت عقوداً من الكتابة مع أسماء جديدة تدخل فضاء الأدب، يصبح التكريم نفسه رسالة حول استمرارية الثقافة وتجددها.

إن تكريم مبارك ربيع هو أيضاً تكريم لجيل مغربي صنع الكثير من التحولات الأساسية في أدبنا الحديث، جيل كتب الرواية والقصة والبحث في مرحلة كانت فيها الثقافة المغربية تبحث عن لغتها الخاصة وعن موقعها بين التراث والحداثة، وبين المحلي والعربي والكوني. ولذلك فإن استحضار تجربة مبارك ربيع اليوم هو استحضار لجزء من تاريخ الأدب المغربي الحديث، وللأسئلة التي صاحبت بناء الرواية المغربية وتطورها وانفتاحها على قضايا المجتمع والإنسان.

ومن المهم أيضاً أن تنفتح مثل هذه المناسبات على إعادة قراءة أعمال الكاتب، لا أن تتوقف عند الاحتفاء الرمزي بالسيرة والمنجز. فالتكريم الحقيقي للمبدع يبدأ من إعادة تداول كتبه، ومن قراءة أعماله داخل الجامعات والمنتديات الثقافية، ومن مساءلة تجربته نقدياً وربطها بتحولات الرواية والقصة في المغرب والعالم العربي. فالكاتب الكبير لا يحتاج فقط إلى درع تكريمي أو كلمات إشادة، وإنما يحتاج إلى قراء جدد يعيدون اكتشاف ما كتبه ويضعونه داخل سياقات معرفية وأدبية متجددة.

إن القاهرة، وهي تستقبل مبارك ربيع في الأول من أكتوبر 2026، لن تكون في حقيقة الأمر بصدد الاحتفاء باسم فردي فقط، وإنما ستحتفي بجزء من الذاكرة الأدبية المغربية، وبجسر ثقافي ظل يصل المغرب بالمشرق رغم المسافات والاختلافات. فالأدب ظل دائماً أكثر قدرة من السياسة والجغرافيا على بناء فضاء عربي مشترك، والكتاب المبدعون هم الذين يمنحون هذا الفضاء روحه الحقيقية.

تكريم مبارك ربيع بصفته «رمزاً من رموز الثقافة العربية» هو اعتراف بمسار طويل من الكتابة والفكر، لكنه كذلك مناسبة لتذكيرنا بأن الرموز الثقافية لا تصنعها المناسبات وحدها، وإنما يصنعها الزمن، ويثبتها المنجز، ويحفظها القراء. ومبارك ربيع واحد من أولئك الأدباء الذين جعلوا من الكتابة مشروع عمر، ومن الأدب مساحة لفهم الإنسان والمجتمع وتحولات الوعي.

ولهذا سيكون يوم الأول من أكتوبر في القاهرة أكثر من موعد احتفالي؛ سيكون لحظة مغربية داخل قلب المشهد الثقافي العربي، ورسالة تؤكد أن الأدب المغربي، بأسمائه الكبرى وتجاربه المتنوعة، يملك مكانه الطبيعي داخل الذاكرة العربية المشتركة، وأن تكريم مبارك ربيع هو، في جزء منه، تكريم للكلمة المغربية حين تستطيع أن تعبر الحدود وتصبح جزءاً من الوجدان العربي الواسع.


0 التعليقات: