الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، سبتمبر 09، 2026

تاسع 9 شتنبر اليوم العالمي لحماية التعليم من الهجمات ؟ عبده حقي


في التاسع من شتنبر من كل سنة، يتذكر العالم أن هناك أطفالًا يذهبون إلى المدرسة تحت القصف، ومدرسين يدخلون فصولهم وهم لا يعرفون إن كانوا سيخرجون منها أحياء، ومؤسسات تعليمية تحولت من فضاءات للمعرفة إلى خرائط محتملة للاستهداف العسكري. ويُسمّى هذا اليوم بـ«اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات»، لكنني أجدني مضطرًا إلى طرح سؤال أشد قسوة: ما معنى أن نخصص يومًا عالميًا لحماية التعليم، إذا ظل العالم عاجزًا عن حماية مدرسة واحدة عندما تشتعل الحرب؟

أنا لا أنظر إلى الاعتداء على مدرسة بوصفه مجرد انتهاك جانبي يقع ضمن فوضى النزاعات المسلحة، بل أراه اعتداءً مباشرًا على المستقبل. فالقنبلة التي تسقط على مؤسسة تعليمية لا تحطم الإسمنت والزجاج وحدهما، وإنما تحطم سنوات من التعلم، وذاكرة أطفال، وأمل أسر كاملة، وربما مستقبل مدينة أو جيل بكامله.

ما يفزعني أكثر هو أن صورة المدرسة نفسها قد تغيرت في مناطق عديدة من العالم. فبدل أن تكون المكان الذي يتعلم فيه الطفل الأبجدية والحساب والتاريخ، أصبحت في بعض مناطق النزاع مكانًا يخشى الناس الاقتراب منه، أو يتحول إلى ملجأ، أو ثكنة، أو مبنى مهدد بالقصف. وهنا يصبح السؤال الأخلاقي أكبر من مجرد القانون: أي حضارة هذه التي بلغ بها العنف حدًا جعل الطفل يحتاج إلى الشجاعة لكي يحمل محفظته؟

لقد كان العالم، لسنوات طويلة، يتحدث عن الحق في التعليم بوصفه أحد الحقوق الأساسية للإنسان، لكن الحروب الحديثة كشفت هشاشة هذا الخطاب. فما قيمة هذا الحق إذا كان الطفل لا يستطيع الوصول إلى مدرسته؟ وما قيمة النصوص الدولية إذا كان المعلم يخشى أن تتحول قاعة الدرس إلى قبر جماعي؟ وما قيمة المؤتمرات والقرارات إذا كانت المدارس تُقصف ثم يصدر المجتمع الدولي بعدها بيان إدانة بعبارات محفوظة؟

أشعر أحيانًا بأننا دخلنا زمنًا أصبحت فيه المأساة تُدار إعلاميًا أكثر مما تُمنع سياسيًا. نرى الصور، نحصي الضحايا، نقرأ البيانات، ثم ننتقل إلى خبر آخر. تتحول المدرسة المهدمة إلى صورة في نشرة الأخبار، والطفل المصاب إلى رقم في تقرير، والمدرس المقتول إلى هامش في بيان دولي. وبعد أيام، يواصل العالم حياته كأن شيئًا لم يقع.

لكن ما يقع خطير جدًا.

لأن استهداف التعليم ليس اعتداءً على الحاضر فقط، بل هو حرب على ما لم يولد بعد.

عندما نحرم طفلًا من المدرسة سنة أو سنتين أو خمس سنوات، فنحن لا ننتزع منه دروسًا مدرسية فحسب، بل ننتزع منه جزءًا من قدرته على بناء حياته. نضعه في طريق الفقر، والهشاشة، والعمالة المبكرة، والاستغلال، وربما التجنيد والعنف. وحين تتكرر هذه المأساة على عشرات الآلاف من الأطفال، فإننا لا نصنع أزمة تعليمية، بل نصنع أزمة اجتماعية قد تمتد آثارها لعقود.

لهذا أرفض النظر إلى المدرسة في الحرب باعتبارها مرفقًا يمكن تأجيله إلى أن ينتهي القتال. التعليم في زمن الحرب ليس ترفًا. إنه جزء من الحماية الإنسانية نفسها. فالطفل الذي يجد مدرسة آمنة يجد أيضًا بعض النظام وسط الفوضى، وبعض الأمل وسط الخوف، وبعض المعنى وسط الخراب.

المدرسة في مناطق النزاع قد تكون آخر مؤسسة تقول للطفل إن الحياة ما تزال ممكنة.

وقد تكون آخر جدار يفصل بينه وبين الاستغلال أو التجنيد أو الجريمة أو اليأس.

ولهذا فإن تدميرها لا يمكن التعامل معه كخسارة مادية قابلة للتعويض.

يمكن إعادة بناء الجدران، لكن من يعيد بناء ذاكرة طفل عاش القصف داخل مدرسته؟

يمكن شراء الطاولات والسبورات والكتب، لكن من يعوض سنوات الخوف؟

يمكن ترميم بناية، لكن من يرمم الثقة في العالم؟

هذا هو جوهر المأساة.

وأنا أرى أن المجتمع الدولي ما يزال يتعامل مع حماية التعليم بمنطق رد الفعل بدل الوقاية الحقيقية. نصدر القرارات بعد الهجوم، نحقق بعد التدمير، ونناقش المسؤولية بعد موت الأطفال. لكن حماية التعليم تقتضي أن تكون المدرسة خطًا أحمر فعليًا، لا مجرد شعار في المناسبات الدولية.

إذا كانت هناك قيمة حقيقية للقانون الدولي، فيجب أن تظهر عندما تصبح المدرسة تحت الخطر.

وإذا كانت هناك قيمة لمفهوم المسؤولية الدولية، فيجب أن تظهر عندما يتحول الأطفال إلى ضحايا لصراعات لا علاقة لهم بها.

وإذا كانت هناك قيمة للحديث عن حقوق الإنسان، فلتبدأ من حق طفل في أن يجلس داخل فصله من دون أن يخشى أن يسقط السقف فوق رأسه.

إن أكثر ما يثير غضبي هو أن الأطفال يدفعون ثمن قرارات لم يتخذوها. هم لا يعلنون الحروب، ولا يرسمون الحدود، ولا يتخذون القرارات العسكرية، ولا يفاوضون على المصالح الجيوسياسية، لكنهم أول من يدفع الثمن.

طفل في مكان آمن قد يقلق بشأن امتحان الغد.

أما طفل في منطقة نزاع فقد يقلق بشأن ما إذا كانت المدرسة ستبقى قائمة أصلًا.

هذا الفارق وحده كافٍ لكي نعيد النظر في كل ما نقوله عن العدالة الدولية.

وعندما تصبح التكنولوجيا الحديثة جزءًا من الحرب، يتعقد المشهد أكثر. فالطائرات المسيرة وأنظمة الاستهداف والخوارزميات العسكرية قد تجعل عملية القتل أكثر سرعة ودقة من الناحية التقنية، لكنها لا تجعلها أكثر أخلاقية بالضرورة. بل ربما تصبح المأساة أشد عندما يتحول القرار الذي قد يؤدي إلى مقتل أطفال أو تدمير مدرسة إلى نتيجة سلسلة إلكترونية سريعة.

أنا لا أريد عالمًا تصبح فيه التكنولوجيا أكثر ذكاء، بينما يصبح الإنسان أقل مسؤولية.

ولا أريد حضارة تستطيع تطوير أسلحة أكثر دقة، لكنها تعجز عن ضمان سلامة فصل دراسي.

فالاختبار الحقيقي للتقدم ليس في قدرة الإنسان على صناعة أدوات حرب أكثر تطورًا، وإنما في قدرته على منع استخدامها ضد الأبرياء.

لهذا فإن حماية التعليم من الهجمات يجب ألا تختزل في يوم عالمي واحد.

يجب أن تكون التزامًا دائمًا.

يجب أن تتحول المدارس إلى مناطق محمية فعليًا.

يجب منع استخدامها لأغراض عسكرية.

يجب التحقيق في كل اعتداء عليها.

ويجب ألا يفلت المسؤولون عن استهداف الأطفال والمدرسين من المحاسبة، أيًا كانت الجهة التي ينتمون إليها.

كما يجب أن يكون استمرار التعليم جزءًا من كل خطة إنسانية في مناطق الحرب، تمامًا مثل الغذاء والماء والدواء.

فالطفل لا يحتاج فقط إلى البقاء حيًا.

يحتاج أيضًا إلى مستقبل.

وفي رأيي، هذه هي الحقيقة التي يجب أن نقولها بوضوح في التاسع من شتنبر: العالم الذي لا يستطيع حماية المدرسة، لا يملك الحق الأخلاقي في الحديث عن المستقبل.

نستطيع أن نملأ المؤتمرات بالكلمات، وأن نصوغ أفضل الاتفاقيات، وأن نرفع الشعارات حول حقوق الطفل، لكن الامتحان الحقيقي يبقى بسيطًا جدًا: هل يستطيع طفل أن يدخل مدرسته ويعود مساءً إلى أسرته سالمًا؟

إذا لم نستطع ضمان ذلك، فإن كل خطابنا عن حقوق الإنسان يظل ناقصًا.

فالمدرسة ليست مجرد بناية.

هي وعد.

وعد بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.

وأن المعرفة يمكن أن تنتصر على العنف.

وأن الطفل يستطيع أن يصنع قدره بدل أن ترسمه له الحرب.

ولهذا، عندما تُقصف مدرسة، لا تسقط جدران فقط.

يسقط جزء من ضمير العالم.

وفي التاسع من شتنبر، لا أريد أن أكتفي بترديد عبارة «حماية التعليم من الهجمات».

أريد أن أقول شيئًا أوضح وأقسى:

من يقصف مدرسة لا يهاجم مبنى، بل يعلن الحرب على المستقبل. ومن يصمت عن ذلك، يشارك بطريقة أو بأخرى في جعل هذا المستقبل أكثر ظلمة.



0 التعليقات: