الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، سبتمبر 09، 2026

المقهى ملاذ المثقفين ورواد المسرح المغربي : عبده حقي


تُمثِّلُ المقاهي الثقافية في المغرب فضاءاتٍ تتجاوز وظيفتها التقليدية بوصفها أماكن لاحتساء القهوة أو تمضية أوقات الفراغ، حيث غدت عبر عقود طويلة مؤسساتٍ اجتماعية وثقافية لعبت دوراً محورياً في صناعة الوعي الفكري والأدبي والفني.

فمنذ البدايات الأولى للقرن العشرين، احتضنت هذه الفضاءات لقاءات الأدباء والمبدعين والفنانين والباحثين والطلبة، وشكّلت منصات مفتوحة للنقاش وتبادل الرؤى وصياغة المشاريع الثقافية.

وفي مدنٍ مغربية كبرى مثل الرباط والدار البيضاء وطنجة ومراكش وفاس، اضطلعت هذه المقاهي بوظيفة الصالونات الفكرية الشعبية، حيث تفاعلت التيارات الأدبية والفنية، وتولدت مشاريع ثقافية ومسرحية عديدة، كما نشأت داخلها علاقات إنسانية ومهنية أثرت بعمق في المشهد الثقافي المغربي وأسهمت في رسم ملامحه.

في هذا السياق تحتل مدينة فاس مكانة خاصة، بالنظر إلى رصيدها الحضاري والعلمي العريق، فقد عرفت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي نشاطاً لافتاً في مجالات المسرح والشعر والبحث الجامعي، وهو ما انعكس بصورة واضحة على فضاءاتها العمومية، ولا سيما مقاهي المدينة الجديدة التي تحولت إلى امتداد طبيعي للجامعة والخشبات المسرحية، حيث كانت الأفكار تُناقش خارج القاعات كما تُناقش داخلها.

وفي صدارة هذه الفضاءات الفكرية تبرز مقهى لاكوميدي، التي رسخت حضورها باعتبارها من أبرز المقاهي الثقافية والمسرحية في المغرب. فقد أنشأها المسرحي المغربي عز العرب الكغاط سنة 1984، مستوحياً فكرتها من مقهى يحمل الاسم ذاته في العاصمة باريس، ليهدي مدينة فاس فضاءً يجمع بين المقهى بمفهومه التقليدي والملتقى الثقافي بمفهومه الحديث.

ومنذ انطلاقتها، نحتت لها هوية مختلفة، إذ لم تُؤسس كمشروع تجاري صرف بقدر ما كانت غايتها أن تكون حاضنة للفنانين والمسرحيين والكتاب، حتى غدت مع مرور الأعوام إحدى العلامات الراسخة في الذاكرة الثقافية للعاصمة العلمية.

وقد ساعد موقعها القريب من المؤسسات الجامعية والنوادي الثقافية على استقطاب الباحثين والطلبة والمبدعين بشكل يومي. ولم تكن موائدها مجرد أماكن لتناول المشروبات، بل تحولت إلى منصات تُكتب فوقها مسودات النصوص المسرحية، وتُناقش عندها السيناريوهات، وتُبلور خلالها المشاريع الفنية، كما احتضنت اجتماعات الفرق المسرحية قبل العروض والمهرجانات. واحتضنت كذلك أمسيات شعرية، وندوات فكرية، وحفلات لتقديم الإصدارات الجديدة، وورشات للإبداع، إضافة إلى مواعيد كاستينغ لاختيار الممثلين للأعمال المسرحية والسينمائية.

وقد استقبل هذا الفضاء الثقافي نخبة من أبرز الأسماء في المسرح والفكر المغربي، فكان من زواره القارين والعابرين شخصيات وازنة من بينها الدكتور محمد الكغاط، وحسن المنيعي، والطيب الصديقي، وثريا جبران، والطيب العلج، وعبد الواحد عوزري، ومحمد البلهيسي، وعبد الحق الزروالي، وعبد الرحمن بن زيدان، فضلاً عن عدد كبير من الفنانين الشباب الذين وجدوا في هذا المكان مدرسة مفتوحة للتكوين العملي والاحتكاك بتجارب الرواد والاستفادة من خبراتهم.

ومع تعاقب السنوات، تجاوزت مقهى لاكوميدي كونها مجرد مقهى لتصبح شاهداً حياً على تاريخ المسرح المغربي. فقد ازدانت جدرانها بأرشيف صور لعروض مسرحية مغربية وعالمية، ولوحات فنية، وشواهد تكريمية، مما منحها طابعاً أقرب إلى متحف يوثق جانباً مهماً من الذاكرة الثقافية والفنية لمدينة فاس.

غير أن التحولات التي شهدها المغرب في العقود الأخيرة، سواء على المستوى الثقافي أو الإعلامي أو الرقمي، تركت آثارها الواضحة على هذه الفضاءات. فقد أدى انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتراجع برامج اللقاءات اليومية المباشرة، إلى جانب الضغوط الاقتصادية التي عرفها قطاع المقاهي، إلى انخفاض الإقبال على المقاهي الثقافية برمتها. ولم تسلم لاكوميدي بدورها من هذه التحولات، إذ خفت كثيرا وهجها الذي صنع مجدها خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وأصبحت تستقبل عدداً محدوداً من أوفيائها الذين يقصدونها لاستعادة ذكريات زمن ثقافي جميل مضى أكثر مما يبحثون فيها عن أنشطة ثقافية متجددة.

ومما لاشك فيه أن استمرار هذا المشهد تساؤلات عميقة بشأن مستقبل الذاكرة الثقافية المغربية، وحول ضرورة إعادة الاعتبار للمقاهي الثقافية باعتبارها جزءاً أصيلاً من التراث اللامادي للمدن المغربية. فهذه الأمكنة ليست مجرد فضاءات للجلوس المجاني أو الترفيه العابر، وإنما هي خزائن حية تحفظ مسارات الأفكار، وذكريات المبدعين، وحكايات الصداقات، وتجارب الإبداع. وإذا ما اندثرت، فلن نفقد بناياتٍ فقط، بل سنفقد صفحات كاملة من التاريخ الثقافي المغربي، وستغيب معها أصوات وحوارات صنعت جانباً مهماً من هوية المشهد الفكري، تماماً كما يخبو دفء فنجان قهوة تُرك على طاولة كانت بالأمس القريب تضج بالحياة والنقاش والإبداع.

عبده حقي من فاس

0 التعليقات: