الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، سبتمبر 11، 2026

تاريخ الوسائط وتحولات السيادة على المعنى: عبده حقي


ارتبط تاريخ الإنسان بتاريخ الوسائط التي ابتكرها لكي يحفظ المعنى وينقله ويشاركه مع الآخرين، فالمعنى لم يكن يومًا مستقلاً عن الأداة التي تحمله، ولا محايدًا إزاء التقنية التي تمنحه شكله ومساره ومدى انتشاره. وكل انتقال من وسيط إلى آخر لم يكن مجرد تحسين تقني في وسائل التعبير، بل كان تحولًا عميقًا في علاقة الإنسان بالذاكرة والمعرفة والزمن والسلطة والتأويل. ومن هنا يمكن النظر إلى الخوارزمية اليوم باعتبارها حلقة جديدة في سلسلة تاريخية طويلة، غير أنها حلقة أكثر تعقيدًا لأنها لا تكتفي بحمل المعنى أو توزيعه، بل تدخل بصورة متزايدة في ترتيبه وتصنيفه وترشيحه واقتراحه.

في الثقافة الشفاهية كان المعنى يعيش أساسًا داخل الذاكرة البشرية. كانت الحكاية تنتقل من راوٍ إلى آخر، وكان الشعر يُحفظ ويُلقى، وكانت المعرفة مرتبطة بالحضور والصوت والجماعة. لهذا لم يكن النص الشفهي ثابتًا بصورة مطلقة، بل كان قابلًا للتغيير وإعادة الصياغة والإضافة والحذف، تبعًا للراوي والسياق والجمهور والزمان والمكان. وكانت الذاكرة، في هذا النظام، ليست مجرد مستودع للمعرفة، بل مؤسسة ثقافية مركزية تتحمل مسؤولية حفظ التراث وتداوله.

جاءت الكتابة لتحدث انقلابًا كبيرًا في شروط حفظ المعنى. فقد أصبح بالإمكان فصل الكلام عن صاحبه، وتحرير المعرفة جزئيًا من سلطة الذاكرة والحضور المباشر. لم يعد الإنسان مضطرًا إلى أن يكون موجودًا في المكان نفسه أو الزمن نفسه لكي يتلقى خطابًا ما، لأن الكتابة أتاحت للكلمات أن تعبر الأزمنة والأمكنة وأن تواجه قراء لم يعرفهم الكاتب ولم يتخيلهم أحيانًا. وبذلك تغيرت طبيعة العلاقة بين المؤلف والنص والمتلقي، وصار المعنى أكثر قابلية للحفظ والمراجعة والمقارنة والتأويل المتكرر.

لكن الكتابة نفسها لم تكن نهاية التحول. فقد أحدث اختراع الطباعة نقلة أخرى أكثر اتساعًا، لأنها غيرت ليس فقط طريقة تثبيت النص، بل أيضًا حجمه الاجتماعي ومدى انتشاره. فالنسخة المخطوطة كانت محدودة، وقد تختلف عن غيرها بفعل أخطاء النسخ أو إضافات الناسخ أو اختلاف مصادر النقل، بينما سمحت الطباعة بإنتاج أعداد كبيرة من النسخ المتطابقة نسبيًا، وهو ما أسهم في توحيد النصوص وتوسيع دائرة القراءة ونشوء جمهور أوسع للكتاب والصحيفة والمنشور.

ومع الطباعة بدأ المعنى يدخل بصورة أعمق إلى فضاء التداول الجماهيري. لم يعد النص ملكًا لدائرة ضيقة من العلماء والكتبة والنخب، بل أصبح قادرًا على الوصول إلى شرائح اجتماعية متزايدة. وقد رافق ذلك تحولات في التعليم والسياسة والدين والأدب، لأن اتساع القراءة لم يكن مجرد ظاهرة ثقافية، بل كان إعادة توزيع للقوة الرمزية داخل المجتمع. فمن يقرأ يستطيع أن يقارن، ومن يقارن يستطيع أن يشكك، ومن يشكك يمكنه أن ينتج معنى مختلفًا.

ثم جاءت الإذاعة لتضيف إلى تاريخ الوسائط عنصرًا جديدًا هو الحضور الصوتي المتزامن على نطاق واسع. أصبح صوت واحد قادرًا على الوصول في اللحظة نفسها إلى آلاف أو ملايين المستمعين. وهنا تغيرت العلاقة بين الحدث والجمهور، لأن المسافة الزمنية بين وقوع الحدث وتلقي أخباره بدأت تنكمش. لم يعد الجمهور ينتظر بالضرورة صحيفة اليوم التالي لكي يعرف ما جرى، بل صار بالإمكان أن يسمع الخبر أو الخطاب أو التعليق في زمن قريب جدًا من وقوعه.

ومع التلفزيون تعمقت هذه الثورة، لأن الصورة انضمت إلى الصوت، وأصبح الحدث يُشاهَد داخل البيت. لم يعد المتلقي يقرأ وصف الحرب أو المباراة أو التظاهرة أو الخطاب السياسي، بل أصبح يرى صورها ويتابع تفاصيلها، ولو من خلال عدسة منتقاة وزاوية تصوير محددة ومونتاج يخضع لخيارات المؤسسة الإعلامية. وهنا ظهرت بصورة أكثر وضوحًا قوة الوسيط في تشكيل الإدراك، إذ لم يعد السؤال مقتصرًا على ما وقع، بل أصبح يشمل أيضًا: ما الذي تم تصويره؟ وما الذي حُذف؟ ومن اختار زاوية العرض؟ وما الإطار الذي وُضع فيه الحدث؟

أما الشبكة الرقمية فقد دفعت هذا التحول إلى مستوى جديد تمامًا، لأنها جمعت خصائص الكتابة والصوت والصورة في فضاء واحد، وأضافت إليها التشعب والتفاعل والتحديث المستمر. فالنص الرقمي ليس بالضرورة خطيًا، والقارئ يستطيع الانتقال عبر الروابط من فكرة إلى أخرى، ومن خبر إلى وثيقة، ومن مقال إلى فيديو، ومن تعليق إلى نقاش موازٍ. كما أن المتلقي لم يعد في الموقع التقليدي نفسه؛ فهو لا يكتفي بالاستهلاك، بل يمكنه أن يعلق ويشارك ويعيد النشر ويقتطع ويعيد الصياغة وينتج محتوى مضادًا.

أصبح المعنى داخل الشبكة أكثر حركة وأقل استقرارًا. الخبر يمكن تحديثه مرات عديدة في اليوم، والمقال يمكن تعديله بعد نشره، والصورة يمكن اقتطاعها من سياقها، والمقطع يمكن أن ينتشر منفصلًا عن مادته الأصلية، والتعليق قد يصبح أكثر شهرة من النص الذي علق عليه. وهكذا لم تعد عملية إنتاج الدلالة تسير ببساطة من مؤلف إلى متلقٍ، بل أصبحت شبكة معقدة تتداخل فيها المؤسسات والمستخدمون والمنصات والبيانات والآلات.

في هذا السياق تحديدًا تظهر الخوارزمية باعتبارها وسيطًا من نوع مختلف. فهي لا تقوم فقط بنقل المحتوى من مكان إلى آخر، بل تساهم في تقرير ما الذي يظهر أولًا، وما الذي يُدفن في أسفل الصفحة، وما الذي يُقترح علينا بعد ذلك، وأي الأخبار تتكرر أمامنا، وأي الكتب أو الأغاني أو الأفلام أو الأشخاص تبدو لنا أكثر حضورًا من غيرها. ومعنى ذلك أن الخوارزمية بدأت تشارك في تنظيم مجال الرؤية نفسه.

ولا يعني ذلك أن الخوارزمية قطعت تمامًا مع تاريخ الوسائط السابقة، بل العكس هو الأقرب إلى الدقة؛ فهي تدخل إلى تاريخ كان متحركًا أصلًا. فالكتابة أعادت بناء علاقة الإنسان بالذاكرة، والطباعة أعادت بناء علاقة النص بالجمهور، والإذاعة والتلفزيون أعادا تشكيل العلاقة بين الحدث والتلقي، والشبكة أعادت صياغة الحدود بين الكاتب والقارئ والناشر، ثم جاءت الخوارزمية لتعيد طرح سؤال إضافي: من يقرر ما يستحق أن نراه ونقرأه ونسمعه؟

هنا تتغير طبيعة الوساطة نفسها. كان بإمكاننا في عصر الصحافة المطبوعة أن نشير إلى رئيس التحرير أو المؤسسة الناشرة بوصفهما المسؤولين عن ترتيب الأخبار واختيار العناوين، أما في المنصات الرقمية فإن جزءًا معتبرًا من هذا الاختيار يتم بواسطة أنظمة حسابية تعمل اعتمادًا على بيانات المستخدم وسلوكه السابق واحتمالات بقائه وتفاعله. ولذلك فإن ترتيب المعنى لم يعد قرارًا تحريريًا بشريًا صرفًا، بل أصبح نتاجًا لتفاعل بين البشر والبرمجيات والبيانات والمصالح الاقتصادية.

وهذا التحول يفرض علينا إعادة النظر في مفهوم الحرية الثقافية نفسها. فقد يعتقد الفرد أنه يتجول بحرية داخل فضاء رقمي مفتوح، بينما تكون اختياراته محاطة باقتراحات موجهة ومسارات محسوبة سلفًا بدرجات متفاوتة. لا يعني ذلك أن الإنسان فقد إرادته، لكنه يعني أن بيئة الاختيار أصبحت مصممة بطريقة أكثر خفاءً مما كانت عليه في الوسائط القديمة.

إن القضية الأساسية، إذن، ليست في أن الخوارزميات جاءت لكي تفسد تاريخًا سابقًا كان نقيًا ومحايدًا، لأن تاريخ الوسائط لم يعرف الحياد الكامل أصلًا. كل وسيط أعاد تشكيل المعنى بطريقته، وكل تقنية منحت بعض الأصوات قوة أكبر ودفعت بأصوات أخرى إلى الهامش، وكل مرحلة صنعت أشكالًا جديدة من الذاكرة والنسيان والحضور والغياب. الجديد اليوم هو أن هذه العمليات أصبحت أسرع وأكثر تخصيصًا وأكثر اعتمادًا على البيانات، كما أصبحت أقل وضوحًا بالنسبة إلى المستخدم العادي.

ولهذا فإن فهم العصر الخوارزمي لا يمكن أن يبدأ من الخوارزمية وحدها، بل من تاريخ طويل للوساطة الثقافية. إننا نحتاج إلى أن نرى الاستمرارية بقدر ما نرى القطيعة، وأن نفهم أن الإنسان كان دائمًا يعيد بناء علاقته بالدلالة كلما تغيرت أدواته في الكتابة والحفظ والنشر والتلقي.

فالخوارزمية لا تدخل عالمًا ساكنًا، بل تدخل تاريخًا لم يتوقف يومًا عن التحول. ومن الشفاهية إلى الكتابة، ومن المخطوط إلى الطباعة، ومن الإذاعة والتلفزيون إلى الشبكة، ظلت الوسائط تعيد رسم الطريق الذي يسلكه المعنى بين الإنسان والعالم. أما السؤال الذي يواجهنا اليوم فهو أشد تعقيدًا: ماذا يحدث عندما تصبح الأداة التي تنقل المعنى قادرة أيضًا على اختياره وترتيبه والتنبؤ بما قد نفضله منه؟

عند هذه النقطة يبدأ التحدي الحقيقي للعصر الخوارزمي؛ فالمسألة لم تعد مجرد حفظ المعنى أو نشره، بل أصبحت تتعلق بالحق في رؤيته وفحصه ومقارنته واختيار ما نريد أن نبني عليه فهمنا للعالم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى وعي نقدي جديد لا يكتفي باستخدام الوسائط، بل يسائل الطريقة التي تعيد بها هذه الوسائط تشكيل وعينا بما نعتبره مهمًا وحقيقيًا وجديرًا بالانتباه.

 

0 التعليقات: