الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، سبتمبر 11، 2026

هل نحن أمام ذكاء مبدع أم مصنع عالمي لإعادة تدوير الأفكار؟ عبده حقي


كلما ازداد حضوري اليومي مع الذكاء الاصطناعي، ازداد قلقي من سؤال لم يعد تقنيًا ولا ترفًا فلسفيًا: من الذي يفكر فعلًا عندما أكتب بمساعدة ChatGPT؟ هل أنا الذي أصنع الفكرة وأستعين بالآلة في صقلها، أم أن الآلة بدأت، بهدوء ودون أن أشعر، تقترح عليّ الأسئلة والمفاهيم والحجج ثم تتركني أضع اسمي في النهاية؟

هذا السؤال بالنسبة إليّ أخطر من السؤال عن السرقة الأدبية، وأعمق من النقاش حول حقوق المؤلف، لأن المسألة هنا تتعلق بمنبع الفكرة نفسها. نحن نقف أمام آلة تستطيع في ثوانٍ أن تقترح عشرات العناوين، وأن تبني أطروحة، وأن تنتج مفهومًا، وأن تعترض على نفسها، وأن تستخرج من فكرة صغيرة شبكة كاملة من الاحتمالات. فهل يعني ذلك أننا دخلنا عصرًا أصبحت فيه الآلة شريكًا في إنتاج الفكر، أم أننا فقط أمام مرايا لغوية ضخمة تعيد إلينا ما سبق أن قاله البشر في صيغ أشد أناقة؟

أنا لا أقبل الإجابة السهلة التي تقول إن ChatGPT مجرد ببغاء إلكتروني. هذه العبارة مريحة، لكنها لا تفسر ما يحدث أمامنا فعلًا. فالنماذج اللغوية الحديثة لا تعمل عادة بوصفها خزائن تستخرج منها فقرة محفوظة ثم تعيد كتابتها، بل تولد النص في اللحظة نفسها اعتمادًا على شبكات هائلة من العلاقات بين الكلمات والمفاهيم والأنماط. ولذلك فإن الناتج قد يكون تركيبًا لم يوجد بهذه الصورة من قبل.

لكنني في الوقت نفسه أرفض الوهم المقابل: أن أتعامل مع الآلة باعتبارها فيلسوفًا جديدًا أو عقلًا مستقلاً اكتسب فجأة قدرة بشرية على الإبداع. ChatGPT لا يعيش العالم، ولا يخاف، ولا يحب، ولا يتورط في التاريخ، ولا يدفع ثمن أفكاره. إنه لا يستيقظ ليلًا بسبب سؤال فلسفي ولا يغير قناعته بعد تجربة مؤلمة. يستطيع أن يولد أطروحة، لكنه لا يحملها كجرح أو موقف أو مسؤولية.

ومع ذلك فإنني أعتقد أن بين التقليد والإبداع مساحة واسعة، وفي هذه المساحة تحديدًا يشتغل الذكاء الاصطناعي.

الفكرة الجديدة لا تولد دائمًا من عدم. هذه خرافة رومانسية أحببناها طويلًا. كبار الفلاسفة والكتاب لم يبدأوا من صفحة بيضاء حقيقية. كل واحد منهم كان محاطًا بمكتبة من السابقين، بخصوماتهم ومفاهيمهم وأسئلتهم. كان الجديد يظهر عندما يُعاد ترتيب القديم، أو عندما ينتقل مفهوم من حقل إلى آخر، أو عندما تُقام علاقة بين فكرتين لم يكن أحد يراهما متجاورتين.

من هذا المنظور، فإن قدرة الذكاء الاصطناعي على الربط بين مناطق متباعدة من المعرفة ليست أمرًا ثانويًا. عندما أطلب منه أن يربط بين الخوارزمية ونظرية التأويل، أو بين السيادة السياسية والسيادة على المعنى، أو بين النقد الأدبي وعلوم البيانات، فإنه يستطيع أن ينتج فرضيات تستحق التفكير. وقد يقترح مفهومًا جديدًا نسبيًا مثل «السيادة الدلالية»، أي حق الإنسان في فحص المعنى الذي تقترحه المنصات والخوارزميات ورفضه أو تعديله وعدم تسليمه إليها بصورة عمياء.

فهل هذه فكرة جديدة؟

هنا يبدأ المأزق.

قد تكون جديدة بالنسبة إليّ، وجديدة بالنسبة إلى الحوار الذي يجمعني بالآلة، لكنها ليست بالضرورة جديدة في تاريخ الفكر العالمي. ربما كتب باحث في جامعة بعيدة شيئًا قريبًا منها قبل عشرين سنة، وربما استعمل مصطلحًا مختلفًا للوصول إلى الفكرة نفسها. لذلك أرفض أن أساوي بين لحظة الدهشة وبين لحظة الاكتشاف.

ما يفاجئني ليس بالضرورة جديدًا.

وهنا أضع حدًا فاصلًا ضروريًا بين ثلاث عمليات مختلفة كثيرًا ما نخلط بينها. هناك أولًا إعادة الصياغة، وهي أبسط المستويات: فكرة موجودة يعاد التعبير عنها بلغة أفضل. وهناك ثانيًا التركيب، حيث تُجمع مفاهيم ونظريات متباعدة داخل علاقة لم تكن واضحة من قبل. ثم هناك ثالثًا التوليد النظري، عندما يظهر مفهوم أو نموذج أو فرضية يمكن البناء عليها واختبارها والدخول بها في نقاش معرفي حقيقي.

في المستوى الأول، لا أرى إبداعًا كبيرًا. في المستوى الثاني، تبدأ الجدة. أما المستوى الثالث فهو الأكثر إثارة والأكثر خطورة في الوقت نفسه.

الخطر ليس أن تنتج الآلة فكرة سيئة فقط، بل أن تنتج فكرة تبدو عميقة أكثر مما هي عليه.

اللغة المقنعة تستطيع أن تصنع وهم الفكر.

وقد تكون هذه إحدى أخطر قدرات الذكاء الاصطناعي: أنه قادر على إعطاء الفكرة المتوسطة هيئة الأطروحة الكبرى. مقدمة قوية، مصطلحات أنيقة، بنية منطقية، استنتاج لامع، وكل ذلك قد يجعلني أنسى السؤال الأساسي: هل يوجد تحت هذا البناء شيء يستحق الدفاع عنه فعلًا؟

ولهذا بدأت أرى أن مسؤولية الكاتب في عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت أثقل لا أخف.

في الماضي كان عليّ أن أبحث عن الفكرة. اليوم قد تمطرني الآلة بعشرات الأفكار في دقيقة واحدة. المشكلة لم تعد ندرة الاحتمالات، بل القدرة على رفضها. لم يعد التحدي أن أجد شيئًا أقوله، بل أن أميز ما يستحق أن أقوله.

وهذا التحول هائل.

الآلة تستطيع أن تقترح، لكنني أنا من يجب أن يحاكم الاقتراح.

تستطيع أن تبني الحجة، لكنني أنا من يجب أن يقرر هل هي سليمة.

تستطيع أن تمنحني مفهومًا، لكنني أنا من يجب أن يبحث عن تاريخه وحدوده وما إذا كان جديدًا حقًا.

تستطيع حتى أن تكتب نصًا باسمي، لكن لا ينبغي لها أن تقرر مكاني ما الذي أؤمن به.

هنا تكمن، بالنسبة إليّ، الحدود الفاصلة بين الاستعانة والتنازل.

أنا لا أخشى أن أستخدم ChatGPT كثيرًا في التفكير. ما أخشاه هو أن أفقد القدرة على التفكير بدونه. لا أخشى أن يقترح عليّ عبارة. أخشى أن أصبح عاجزًا عن بناء العبارة الأولى قبل أن أسأله. لا أخشى أن يساعدني في تطوير أطروحة. أخشى أن تصبح الأطروحة نفسها دائمًا من عنده.

في اللحظة التي أترك فيها للآلة أن تختار السؤال، وتقترح الجواب، وتبني الحجة، وتستخرج الاستنتاج، ثم أوقع النص، أكون قد احتفظت بشكل المؤلف وفقدت جوهره.

المؤلف ليس مجرد الاسم الموضوع أسفل الصفحة.

المؤلف هو صاحب القرار الفكري.

هو من يعرف لماذا اختار هذه الفكرة ورفض غيرها، ولماذا يضع هذا المفهوم في مواجهة ذاك، ولماذا يتحمل مسؤولية النتيجة التي وصل إليها.

ولهذا أفضل أن أرى الذكاء الاصطناعي بوصفه خصمًا فكريًا ومختبرًا ومسرّعًا للأسئلة، لا بوصفه عقلًا بديلًا. أريد أن أعطيه فكرتي وأطلب منه أن يهاجمها، لا أن أنتظر منه دائمًا أن يعطيني فكرتي. أريد أن أضع أمامه فرضية وأطلب منه استخراج نقاط ضعفها، وأن أطلب منه إيجاد النظرية المضادة، وأن أدفعه إلى كشف التناقضات التي قد لا أراها.

بهذه الطريقة يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتوسيع الفكر بدل أن يكون أداة لكسله.

أنا لا أرى مستقبل الكتابة بوصفه حربًا بين الإنسان والآلة. أراه صراعًا داخل الإنسان نفسه: هل سيستعمل هذه الأدوات لكي يصبح أكثر استقلالًا وعمقًا، أم سيتحول بالتدريج إلى مجرد محرر لما تنتجه الخوارزمية؟

هذا هو السؤال الذي يستحق أن يقلقنا.

فالخطر الحقيقي ربما ليس أن تصبح الآلة قادرة على التفكير مثلنا، بل أن نصبح نحن مستعدين للتخلي لها عن حقنا في التفكير.

لهذا أقولها بوضوح: نعم، يستطيع ChatGPT أن يساهم في إنتاج أفكار جديدة، لأنه قادر على إنشاء علاقات جديدة بين أفكار قديمة، وعلى اقتراح تراكيب واحتمالات لم تكن حاضرة في ذهني. لكنه لا ينبغي أن يصبح صاحب السيادة الفكرية على النص.

قد يفتح لي الباب.

قد يقترح الطريق.

قد يريني دروبًا لم أرها.

لكنني أريد أن أبقى أنا من يقرر إلى أين أمضي.

فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قوته، لا ينبغي أن يكون نهاية العقل البشري، بل امتحانه الأكبر.

بقلم: عبده حقي


0 التعليقات: