الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، سبتمبر 08، 2026

عبده حقي والأدب الرقمي العربي: ماذا تكشف الأرشيفات عن سؤال الريادة ؟


يبدو سؤال الريادة بسيطاً في ظاهره: هل كانت مدونة الكاتب المغربي عبده حقي أول مدونة عربية متخصصة في الأدب الرقمي؟ غير أن البحث في أرشيف الإنترنت العربي بين نهاية التسعينيات وبداية العقد الثاني من الألفية يكشف مشهداً أكثر تعقيداً، تتداخل فيه المواقع الشخصية والمجلات الإلكترونية والمنتديات والمدونات والمبادرات الجماعية، وتضيع داخله أحياناً الحدود بين من كان الأول في الإبداع الرقمي، ومن كان الأول في التنظير له، ومن حوله إلى مشروع نشر إلكتروني مستمر.

المؤكد تاريخياً أن الأدب الرقمي العربي لم يبدأ سنة 2011، تاريخ ظهور مدونة عبده حقي الشخصية بصيغتها المعروفة حالياً، فقد كانت هناك قبل ذلك بسنوات تجارب عربية أسست مبكراً لعلاقة الأدب بالشبكة والحاسوب والنص المترابط، لكن المفاجأة التي يكشفها التتبع التاريخي هي أن حضور عبده حقي نفسه في هذا الحقل أقدم من مدونته الشخصية بسنوات، وأن تجربته تعود، بصورة موثقة، إلى سنة 2008 على الأقل.

في أي محاولة لكتابة تاريخ عربي للأدب الرقمي لا يمكن تجاوز اسم الكاتب الأردني محمد سناجلة، الذي ارتبطت تجربته منذ مطلع الألفية بما عرف لاحقاً بـ«الرواية الرقمية». فقد نشر «ظلال الواحد» عبر الإنترنت سنة 2001، وهي من الأعمال المؤسسة لهذا اللون الجديد من السرد العربي، ثم واصل مشروعه بالتنظير لمفهوم «الواقعية الرقمية».

هذه التجربة تمنح سناجلة موقعاً ريادياً واضحاً في مجال الإبداع الأدبي الرقمي، لكنها لا تعني بالضرورة أنه كان صاحب أول مدونة عربية متخصصة في الأدب الرقمي، لأن نشر العمل الرقمي أو إنشاء موقع لكاتب شيء، وتأسيس مدونة دورية متخصصة شيء آخر.

وهنا يبدأ السؤال في التحول من «من كتب أول نص رقمي؟» إلى «من أنشأ فضاءً تدوينياً جعل الأدب الرقمي موضوعاً دائماً؟».

للمغرب بدوره موقع متقدم في هذا التاريخ. فقد كان الناقد سعيد يقطين من أوائل الباحثين العرب الذين اشتغلوا نظرياً على النص المترابط وتحولات الكتابة في البيئة الرقمية، قبل أن يصدر كتابه «من النص إلى النص المترابط» سنة 2005، ثم «النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية» سنة 2008.

كما أن الباحث والمترجم المغربي محمد أسليم أنشأ موقعه الشخصي في يناير 2002، وكان من الأسماء التي تابعت مبكراً علاقة الثقافة والكتاب والإنترنت، واشتغلت على نقل بعض الأدبيات المرتبطة بالرقمية إلى القارئ العربي.

ومع ذلك، كانت هذه التجارب أقرب إلى المواقع الشخصية أو المشاريع الفكرية الإلكترونية منها إلى المدونات التي تجعل الأدب الرقمي اختصاصاً مركزياً ودائماً.

جاء تأسيس اتحاد كتاب الإنترنت العرب سنة 2005 ليؤكد أن قضية الكتابة الإلكترونية بدأت تتحول من مغامرات فردية إلى مشروع ثقافي عربي منظم. فقد ناقش الاتحاد قضايا الكتابة الرقمية والنشر الإلكتروني والثقافة الشبكية، واحتضن كتاباً ومثقفين من بلدان عربية متعددة.

وفي الفترة نفسها ظهرت مواقع ثقافية إلكترونية مثل «دروب» في تونس وغيرها من الفضاءات العربية التي ناقشت الإبداع والإنترنت وتحولات الكتابة.

لكن معظم هذه المبادرات لم تكن «مدونات متخصصة في الأدب الرقمي» بالمعنى الحصري للكلمة، بل كانت منصات ثقافية واسعة تجمع الأدب والنقد والفكر والثقافة الرقمية.

وهذا التفصيل مهم، لأنه يمنع الخلط بين وجود الأدب الرقمي داخل موقع ثقافي وبين قيام مشروع تدويني يجعل الثقافة الرقمية والأدب الإلكتروني جزءاً مركزياً من هويته.

البحث في الأرشيف يكشف أن عبده حقي كان يكتب عن الأدب الرقمي قبل تأسيس مدونته الشخصية بسنوات. ففي فبراير 2008 نشر مقالاً بعنوان «ما مفهوم النص في الأدب الرقمي؟»، ثم كتب في يوليوز من السنة نفسها عن «تحولات الكتاب في زمن النت».

هذه التواريخ مهمة لأنها تكشف أن اهتمامه بالموضوع لم يبدأ متأخراً مع موجة الذكاء الاصطناعي الحالية، ولم يكن مجرد تحول ظرفي فرضته التكنولوجيا الجديدة، بل يعود إلى المرحلة التي كان فيها مفهوم الأدب الرقمي نفسه لا يزال يبحث عن موقع واضح في النقد العربي.

غير أن المحطة الأبرز جاءت في 8 أكتوبر 2008، عندما أطلق عبده حقي «مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة»، تحت شعار يقوم على الانخراط في ثقافة رقمية مغربية تواكب تحولات العصر.

وهنا تحديداً تتغير صورة البحث.

فالمشروع لم يكن مجرد صفحة شخصية أو موقع ثابت لنشر أعمال صاحبه، بل فضاءً إلكترونياً جماعياً استضاف النصوص والدراسات والنقاشات المتعلقة بالثقافة الرقمية والنشر الإلكتروني وتحولات الأدب في الشبكة، إلى جانب مواد أدبية وثقافية أخرى.

وقد اعتمدت المجلة على بيئة تدوينية، واستمرت سنوات في نشر مواد متعددة، بينها بحوث ودراسات مرتبطة مباشرة بالأدب الرقمي.

هنا يجب أن يكون الحكم الصحفي والثقافي حذراً.

لا توجد، وفق ما تسمح به الأرشيفات المتاحة حالياً، وثيقة حاسمة تمكننا من القول إن مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة كانت أول مدونة عربية متخصصة حصراً في الأدب الرقمي.

فالمنصة لم تقتصر على الأدب الرقمي وحده، بل نشرت الشعر والقصة والنقد والفكر والإعلام والثقافة المغربية والعربية، إلى جانب قضايا الكتابة الرقمية.

لكن في المقابل، لم يكشف البحث حتى الآن عن مدونة عربية أقدم منها تجمع بصورة واضحة ومنتظمة بين النشر التدويني والثقافة الرقمية والأدب الرقمي ضمن مشروع مستمر ومعلن.

وهذا يجعل تجربة أكتوبر 2008 مرشحاً قوياً لموقع ريادي داخل تاريخ التدوين الثقافي الرقمي العربي، حتى وإن كان من غير العلمي منحها صفة «الأولى عربياً» بصورة قطعية.

أما مدونة عبده حقي الشخصية المعروفة اليوم، والتي يعود أرشيفها إلى نحو سنة 2011، فهي امتداد لمسار بدأ قبلها، وليست نقطة البداية.

وهذه ملاحظة تغير الطريقة التي ينبغي أن تقرأ بها التجربة؛ فبدلاً من النظر إلى 2011 باعتبارها سنة دخول عبده حقي إلى عالم الأدب الرقمي، يصبح من الأدق النظر إليها باعتبارها مرحلة جديدة داخل مشروع كان قد بدأ في الكتابة عن النص الرقمي سنة 2008، ثم انتقل إلى تأسيس منصة جماعية في أكتوبر من السنة نفسها.

وبذلك يصبح تاريخ التجربة مرتبطاً بثلاث حلقات مترابطة: الكتابة المبكرة حول الأدب الرقمي، ثم تأسيس فضاء إلكتروني جماعي، ثم بناء المدونة الشخصية التي واصلت نشر الدراسات والترجمات والمتابعات.

الخطأ الذي يقع فيه بعض التأريخ للثقافة الرقمية هو البحث دائماً عن «الأول» وكأن تاريخ الأفكار سباق رياضي لا يحتمل سوى فائز واحد.

فمحمد سناجلة يمتلك ريادة قوية في الرواية الرقمية العربية، وسعيد يقطين يحتل موقعاً مؤسساً في التنظير العربي للنص المترابط، ومحمد أسليم من الأسماء المبكرة في الحضور الإلكتروني والترجمة والتفكير في الثقافة الرقمية، فيما أسهم اتحاد كتاب الإنترنت العرب في بناء شبكة عربية للكتابة الإلكترونية.

وسط هذه الخريطة، تظهر تجربة عبده حقي بوصفها ذات طبيعة مختلفة نسبياً؛ فهي تجمع بين الكتابة النظرية والتدوين والتأسيس لمنصة رقمية والاستمرارية في متابعة الأدب الرقمي.

ولهذا فإن قوة التجربة لا تحتاج إلى المبالغة في إعلانها «الأولى عربياً»، بقدر ما تحتاج إلى وضعها في موقعها التاريخي الصحيح.

ربما تكون النتيجة الأهم التي يكشفها البحث هي ضرورة الانتباه إلى تاريخ 8 أكتوبر 2008 في التأريخ للثقافة الرقمية المغربية.

ففي هذا اليوم انطلق مشروع «مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة»، في مرحلة كان فيها الحديث العربي عن الأدب الرقمي لا يزال محدوداً نسبياً، وكان الانتقال من الورق إلى الشبكة يثير أسئلة حادة حول هوية الكاتب والنص والكتاب والنشر.

وإذا تعذر إلى الآن إثبات أن هذه المجلة كانت أول مدونة عربية متخصصة حصراً في الأدب الرقمي، فإن المتاح من الوثائق يسمح باعتبارها واحدة من أقدم التجارب العربية الموثقة التي جعلت الثقافة الرقمية والأدب الرقمي والنشر الإلكتروني محاور ثابتة داخل فضاء تدويني مستمر.

وهذه صيغة أكثر دقة تاريخياً وأقوى ثقافياً من لقب قد يسهل إطلاقه ويصعب إثباته.

تسمح الأرشيفات المتاحة اليوم بوضع عبده حقي ضمن الجيل العربي المبكر الذي اشتغل على التحولات الرقمية للأدب قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي موضوعاً يومياً في وسائل الإعلام والمنصات الاجتماعية.

فالمسار الممتد من كتاباته سنة 2008، إلى مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة، ثم مدونته الشخصية وما راكمته لاحقاً من مقالات وترجمات ودراسات، يجعل تجربته جزءاً من ذاكرة الأدب الرقمي العربي، لا مجرد مدونة ثقافية ظهرت مع الموجات التكنولوجية الحديثة.

والصيغة التاريخية الأكثر قابلية للدفاع عنها اليوم هي القول:

إن تجربة عبده حقي منذ سنة 2008 تمثل واحدة من أقدم التجارب العربية الموثقة التي انتقلت بالاهتمام بالأدب الرقمي من المقال الفردي إلى مشروع تدويني وثقافي مستمر، وإن «مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة» تعد من أبرز المرشحين للريادة العربية المبكرة في مجال المدونات التي جعلت الثقافة والأدب الرقميين جزءاً مركزياً من هويتها.

أما الحسم بأنها «أول مدونة عربية متخصصة في الأدب الرقمي»، فيظل رهين العثور على أرشيفات أقدم أو استكمال البحث داخل ما تبقى من منصات عربية اختفت خلال العقد الأول من الألفية.

فالإنترنت يملك ذاكرة هائلة، لكنه يملك أيضاً مساحة واسعة للنسيان، وفي تلك المساحة المفقودة تحديداً تختبئ بعض فصول تاريخ الثقافة العربية الرقمية.

ومهما يكن الحكم النهائي حول لقب «الأول»، فإن ما تكشفه الوثائق يكفي لتأكيد أمر أكثر رسوخاً: عبده حقي لم يلتحق متأخراً بالأدب الرقمي، بل كان من الذين طرقوا أبوابه عربياً في مرحلة مبكرة، وحولوا الاهتمام به إلى ممارسة تدوينية وثقافية متواصلة.

0 التعليقات: