الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، سبتمبر 06، 2026

نجيب محفوظ بعد عشرين عاماً على الرحيل: عبده حقي


بعد عشرين عاماً على رحيل نجيب محفوظ، ما يزال اسمه يحتفظ بمكانة استثنائية في الأدب العربي الحديث، ليس فقط لأنه أول أديب عربي حصل على جائزة نوبل للآداب، بل لأنه استطاع عبر مشروع روائي طويل ومتعدد الأشكال أن يحول تفاصيل الحياة المصرية اليومية إلى أسئلة إنسانية كبرى تتجاوز حدود المكان والزمان.

ولد نجيب محفوظ في القاهرة سنة 1911، ونشأ في أحيائها القديمة التي ستصبح لاحقاً جزءاً أصيلاً من عالمه الروائي. لم تكن القاهرة بالنسبة إليه مجرد مدينة أو خلفية للأحداث، بل تحولت في نصوصه إلى كائن حي يحمل ذاكرة المجتمع وتحولاته وتناقضاته. الأزقة والمقاهي والبيوت الشعبية والأسواق والحارات أصبحت فضاءات تتقاطع داخلها حياة البشر مع السياسة والدين والسلطة والفقر والحب والطموح والانكسار.

لقد امتلك محفوظ قدرة نادرة على التقاط نبض الإنسان العادي، ولذلك لم تكن شخصياته نماذج مثالية أو أبطالاً خارقين، بل أشخاصاً يعيشون داخل مجتمع متغير، يخطئون ويصيبون، يحبون ويكرهون، يحلمون وينهزمون، ويبحثون في النهاية عن معنى لحياتهم وسط عالم لا يمنحهم دائماً إجابات واضحة.

وتعد ثلاثيته الشهيرة، المكونة من «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية»، واحدة من أبرز المنجزات الروائية في الأدب العربي. فمن خلال تاريخ أسرة مصرية واحدة، استطاع محفوظ أن يقدم صورة واسعة عن المجتمع المصري وتحولاته السياسية والاجتماعية والثقافية، وأن يرصد الصراع بين الأجيال، وبين السلطة الأبوية والرغبة في التحرر، وبين القيم التقليدية وتغيرات العصر.

لكن تجربة نجيب محفوظ لم تتوقف عند الواقعية الاجتماعية، بل شهدت تحولات فنية وفكرية كبيرة. فقد اتجه في مراحل لاحقة إلى الرمز والفلسفة والتجريب، كما ظهر في أعمال مثل «أولاد حارتنا» و«اللص والكلاب» و«ثرثرة فوق النيل» و«ميرامار». ومن خلال هذه الروايات اتسعت أسئلته لتشمل قضايا الحرية والعدالة والإيمان والشك والسلطة والاغتراب والمصير الإنساني.

وهنا تكمن إحدى أهم خصوصيات مشروع محفوظ: لقد كان قادراً على تغيير أدواته الفنية من دون أن يتخلى عن جوهر اهتمامه بالإنسان. كان يبدل شكل الرواية، لكنه يحتفظ بالسؤال؛ يغير البناء السردي، لكنه يواصل البحث في علاقة الفرد بالمجتمع، وفي الصراع بين الرغبة والواقع، وبين الحرية والقيود.

وجاء حصوله على جائزة نوبل للآداب سنة 1988 ليشكل محطة تاريخية في مسار الأدب العربي. فقد كان أول كاتب عربي يحصل على هذه الجائزة، وأدى ذلك إلى توسيع دائرة الاهتمام العالمي بالرواية العربية، كما ساهم في ترجمة عدد كبير من أعماله إلى لغات مختلفة ووصولها إلى قراء لم يكونوا على معرفة واسعة بالأدب العربي.

غير أن القيمة الحقيقية لنجيب محفوظ لا تختزل في نوبل. فالجائزة كرست حضوراً أدبياً كان قد تأسس أصلاً عبر عقود من الكتابة والانضباط والبحث المستمر عن أشكال جديدة للتعبير. ولذلك ظل تأثيره واضحاً في أجيال من الروائيين العرب الذين رأوا في تجربته نموذجاً لإمكانية بناء رواية عربية محلية الجذور وعالمية الأفق في الوقت نفسه.

كما ساهمت السينما والتلفزيون في توسيع دائرة انتشار أعماله. فقد تحولت العديد من رواياته وقصصه إلى أفلام ومسلسلات، وأصبحت شخصياته جزءاً من الذاكرة الثقافية لدى جمهور واسع. وهذا الانتقال من الأدب إلى الشاشة منح عالمه الروائي حياة إضافية، وجعل كثيراً من نصوصه تتجاوز حدود القراء التقليديين للكتب.

وعلى المستوى الشخصي، عُرف نجيب محفوظ بانضباطه الصارم في الكتابة، وبقدرته على تحويل الإبداع إلى ممارسة يومية منتظمة. لم يكن ينتظر لحظة الإلهام العابر، بل تعامل مع الأدب بوصفه مشروع حياة طويل الأمد، يحتاج إلى الصبر والمثابرة والقراءة المستمرة والانتباه الدقيق لتحولات المجتمع.

لكن مسيرته لم تكن خالية من الجدل والصدام. فقد أثارت بعض أعماله نقاشات فكرية ودينية واسعة، وبلغ الأمر حد تعرضه لمحاولة اغتيال سنة 1994، وهي محاولة تركت آثاراً جسدية كبيرة عليه وأثرت في قدرته على الكتابة. ومع ذلك، ظل حاضراً في المشهد الثقافي، واستمر اسمه مرتبطاً بحرية الإبداع وبحق الكاتب في طرح الأسئلة الصعبة.

رحل نجيب محفوظ في 30 أغسطس 2006، لكن رحيله لم ينه حضوره. فالكاتب الكبير لا يُقاس فقط بتاريخ وفاته، بل بقدرة نصوصه على البقاء حية بعده. وبعد عشرين عاماً، ما تزال رواياته تُقرأ وتُناقش وتُدرّس وتُترجم، وما تزال شخصياته قادرة على إثارة القارئ لأنها تحمل أسئلة لم تفقد راهنيتها.

بل إن بعض القضايا التي تناولها محفوظ تبدو اليوم أكثر حضوراً من أي وقت مضى: العلاقة بين الفرد والسلطة، أزمة القيم، الصراع بين الأجيال، التحولات الاجتماعية السريعة، الشعور بالاغتراب، التفاوت الطبقي، البحث عن العدالة، والخوف من المستقبل. ولذلك فإن العودة إلى محفوظ ليست مجرد استعادة لاسم كبير من الماضي، بل هي أيضاً قراءة للحاضر من خلال أدب استطاع أن يلتقط جوهر الإنسان العربي في لحظات التحول.

بعد عشرين عاماً على رحيله، لا يحتاج نجيب محفوظ إلى مناسبة تذكارية كي يعود إلى الواجهة، لأنه لم يغادرها أصلاً. لقد بقي حاضراً في المكتبات والجامعات والسينما والذاكرة الجماعية، والأهم أنه بقي حاضراً في أسئلة القراء.

إن الاحتفاء الحقيقي بنجيب محفوظ لا يكون فقط بتعداد جوائزه أو استعادة سيرته، بل بإعادة قراءة أعماله بعيداً عن القداسة الثقافية الجاهزة، وبالنظر إليه ككاتب ما يزال قادراً على محاورتنا وإزعاج يقيننا وفتح الأسئلة أمامنا. فقد رحل الرجل، لكن الحارة التي كتب عنها ما تزال حية، وما تزال شخصياته تمشي بيننا بأحلامها وهزائمها وتناقضاتها، فيما يواصل الأدب الذي تركه رحلته الطويلة نحو أجيال جديدة من القراء.


0 التعليقات: