تشهد الساحة الثقافية والفنية العالمية خلال الأيام الأخيرة من أكتوبر ومطلع نوفمبر 2026 حراكًا لافتًا في السينما والموسيقى والمسرح والفنون التشكيلية والمعارض، في مشهد يكشف أن المؤسسات الثقافية الكبرى والمهرجانات والمتاحف والمسارح دخلت موسم الخريف بزخم استثنائي. فمن العالم العربي، حيث تتقاطع مهرجانات السينما العربية مع محاولات استعادة التراث الموسيقي وإطلاق تجارب تشكيلية جديدة، إلى أوروبا التي تتحول مدنها الكبرى إلى ورش مفتوحة للفن المعاصر والموسيقى التجريبية، وصولًا إلى الولايات المتحدة حيث تتجاور المهرجانات السينمائية وموسم برودواي ومعارض المتاحف الكبرى، يبدو أن الفن يستعيد حضوره الجماعي بعد سنوات هيمنت فيها الشاشة الرقمية على جزء كبير من الاستهلاك الثقافي.
العالم العربي: السينما في الواجهة
كان اختتام الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي في مصر من أبرز أحداث السينما العربية خلال الأيام الماضية. فقد انتهت دورة امتدت تسعة أيام وجمعت عشرات الأفلام العربية والعالمية، إلى جانب ورش ولقاءات مهنية ومنصات لدعم الإنتاج المشترك. ولم يكن الحدث مجرد مهرجان للعروض والسجاد الأحمر، بل أكد بصورة متزايدة تحول الجونة إلى فضاء للصناعة السينمائية العربية، خصوصًا من خلال برامج تطوير المشاريع وتمويل الأفلام التي أصبحت تنافس الأنشطة الاحتفالية التقليدية للمهرجانات.
وتصدر الفيلم المصري «خروج آمن» للمخرج محمد حماد قائمة أبرز الفائزين بعد حصوله على النجمة الذهبية لأفضل فيلم روائي طويل، فيما شهدت الدورة حضورًا فلسطينيًا قويًا من خلال الفيلم الوثائقي «المواطن أسامة»، الذي نال تقديرًا واسعًا وحصد جائزتين، من بينها جائزة أفضل فيلم وثائقي طويل. كما برز الفيلم العربي «البارح العين ما نامت» للمخرج راكان مياسي، بينما حظيت أعمال عربية قصيرة أخرى بجوائز وتنويهات، في مؤشر على استمرار صعود جيل سينمائي عربي يحاول الجمع بين القضايا السياسية والاجتماعية وبين التجريب الفني.
وكان للمغرب حضوره أيضًا في هذه الدورة، سواء من خلال المشاركة السينمائية أو من خلال الاحتفاء بالمخرج والممثل المغربي فوزي بنسعيدي، الذي قدم خلال المهرجان درسًا سينمائيًا حول بناء العالم داخل الفيلم. ويأتي ذلك ضمن مسار عربي يتجه بصورة واضحة نحو إعادة الاعتبار للمخرج بوصفه صاحب رؤية فنية متكاملة، لا مجرد منفذ لنص أو مشروع إنتاجي.
وفي الوقت نفسه، بدأت الاستعدادات المكثفة للدورة السابعة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي المقررة خلال نوفمبر، وسط توسع كبير في الجانب المهني المرتبط بصناعة السينما. وأعلنت فعاليات «أيام القاهرة لصناعة السينما» عن مشاركة عشرات الشركاء والمؤسسات من أكثر من عشر دول، ومشاريع سينمائية عربية في مراحل مختلفة من التطوير والإنتاج، إضافة إلى سوق للأفلام وبرامج دعم وجوائز متعددة. وهذا التحول يؤكد أن المهرجانات العربية لم تعد تكتفي بعرض الأفلام الجاهزة، بل أصبحت تسعى إلى الدخول في الحلقة الاقتصادية والإنتاجية للفيلم منذ لحظة الفكرة.
كما يترقب الوسط السينمائي العربي مهرجان الدوحة السينمائي خلال النصف الثاني من نوفمبر، بالتوازي مع الاستعدادات لمهرجان مراكش الدولي للفيلم، ما يجعل شهر نوفمبر واحدًا من أكثر الأشهر ازدحامًا في الخريطة السينمائية العربية.
الموسيقى العربية بين استعادة الذاكرة والبحث عن الجديد
في القاهرة، اختتمت الدورة الرابعة والثلاثون لمهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية بعد سلسلة من الحفلات والندوات التي امتدت من 20 إلى 30 أكتوبر. وقد حملت الدورة طابعًا خاصًا من خلال الاحتفاء بالموروث الغنائي العربي وإعادة تقديم أعمال كبار الملحنين والمطربين الذين شكلوا الذاكرة الموسيقية العربية خلال القرن العشرين.
وشهدت الدورة مشاركة أسماء من مصر وعدد من البلدان العربية، من بينها آمال ماهر، وليد توفيق، عمر خيرت، علي الحجار، محمد الحلو، مدحت صالح ويسرا محنوش، إلى جانب عدد كبير من فرق الموسيقى العربية ومطربي دار الأوبرا المصرية. كما امتدت الحفلات إلى الإسكندرية وبعض المسارح التابعة للمؤسسات الثقافية.
لكن الجانب الأكثر إثارة للنقاش في هذه الدورة تمثل في الاعتماد الكبير على تراث بليغ حمدي ومحمد الموجي ورياض السنباطي وسيد درويش ومحمد عبد الوهاب ومحمد فوزي وفريد الأطرش وغيرهم. وقد نجح هذا الخيار في استقطاب الجمهور، لكنه أعاد في الوقت نفسه طرح سؤال قديم ومتجدد: هل تستطيع المؤسسات الموسيقية العربية إنتاج جيل جديد من الألحان والأصوات والأعمال قادر على تكوين ذاكرة جماعية جديدة، أم أن نجاح الحفلات بات مرتبطًا بالعودة الدائمة إلى تراث القرن الماضي؟
هذه المفارقة بين الحنين والتجديد تبدو اليوم واحدة من أهم قضايا الموسيقى العربية. فالإقبال الكبير على إعادة توزيع الأغاني القديمة يؤكد قوة الذاكرة الفنية، لكنه يكشف أيضًا أن صناعة الأغنية المعاصرة ما تزال تبحث عن أعمال تتجاوز الاستهلاك السريع الذي تفرضه منصات البث ومواقع التواصل الاجتماعي.
الرياض: عندما يتحول العود إلى لوحة تشكيلية
وفي السعودية، برز خلال الأسابيع الأخيرة معرض «ربع تون» للفنان وعازف العود العراقي نصير شمة في مركز «فناء الأول» بالرياض، وهو معرض يجمع بطريقة غير مألوفة بين الموسيقى والفن التشكيلي.
يقوم المشروع على استخدام نشارة الخشب وبقايا المواد المتبقية من صناعة آلة العود وتحويلها إلى لوحات وأعمال بصرية ذات طبيعة تجريدية. وبهذا المعنى يصبح العود حاضرًا في المعرض من خلال مادته وذاكرته لا من خلال صوته فقط، بينما تتحول مخلفات صناعة الآلة إلى لغة تشكيلية جديدة.
يحمل هذا المشروع أهمية خاصة لأنه يتجاوز الفصل التقليدي بين الفنون. فالموسيقي هنا يتحول إلى فنان بصري، والصوت يصبح مادة لونية، والخشب الذي كان يفترض أن يتحول إلى آلة موسيقية يجد حياة أخرى داخل اللوحة. كما يقدم المعرض جلسات ولقاءات تربط الموسيقى بالذاكرة والمكان والهوية، وهو ما يجعله نموذجًا لاتجاه ثقافي عربي جديد يقوم على مزج الفنون بدل إبقائها داخل حدود منفصلة.
المسرح العربي… حضور يحتاج إلى مساحة أوسع
وعلى الرغم من أن السينما والموسيقى استحوذتا على جانب كبير من التغطية الثقافية خلال الأيام الماضية، فإن النشاط المسرحي العربي واصل حضوره من خلال العروض المحلية والمهرجانات والبرامج الثقافية المختلفة، خصوصًا في مصر والخليج وبلدان المغرب العربي.
لكن اللافت أن المسرح ما يزال أقل حضورًا إعلاميًا من السينما والموسيقى، رغم أنه يعيش تحولات مهمة تتعلق بتقنيات العرض والسينوغرافيا واستخدام الصورة الرقمية والمؤثرات البصرية. وتتجه بعض التجارب العربية الجديدة نحو مسرح متعدد الوسائط، يمزج الأداء الحي بالفيديو والصوت والتقنيات التفاعلية، وهو اتجاه يتقاطع مع ما يحدث في المسرح الأوروبي المعاصر.
ويظل التحدي الأكبر للمسرح العربي هو الخروج من دائرة المهرجانات والمناسبات المؤقتة نحو صناعة مسرحية مستمرة تستطيع بناء جمهور دائم، وهي قضية لا تتعلق بالإبداع وحده، بل بالبنيات الثقافية والتمويل وسياسات توزيع العروض.
أوروبا: القارة تتحول إلى معرض مفتوح
البندقية بين الفن والموسيقى
في أوروبا، حافظت البندقية خلال أكتوبر على موقعها كواحدة من أهم العواصم الفنية في العالم. فبالتوازي مع استمرار بينالي البندقية للفنون، الذي يمتد حتى أواخر نوفمبر، اختتمت المدينة الدورة السبعين للمهرجان الدولي للموسيقى المعاصرة.
وحمل المهرجان الموسيقي عنوانًا يدور حول فكرة «طفل الصوت»، وقدم برنامجًا شديد التنوع جمع الموسيقى الإلكترونية بالتجريب الصوتي والموسيقى الكلاسيكية والأعمال الأدائية والتركيبات الصوتية. وأصبحت المساحات التاريخية في البندقية، من الأرسنال إلى المسارح والقاعات غير التقليدية، جزءًا من التجربة الموسيقية نفسها.
وذهبت جائزة الأسد الذهبي عن مجمل المسار إلى الموسيقي الياباني التجريبي كيجي هاينو، فيما حصلت المؤلفة وعازفة الأورغن الكندية سارة دافاشي على الأسد الفضي، وهو اختيار يعكس اهتمام المهرجان بالأصوات التي تتحرك خارج القوالب الموسيقية التجارية.
كما ضم البرنامج أعمالًا عالمية أولى وتجارب تمزج الآلات التقليدية بالموسيقى الإلكترونية والتسجيلات الميدانية، ما جعل الدورة الحالية بمثابة مختبر لفكرة الاستماع نفسها أكثر منها مجرد سلسلة حفلات.
المعارض الأوروبية: عودة الأساتذة وقراءة جديدة للحداثة
أما في الفنون التشكيلية، فتعيش أوروبا موسمًا استثنائيًا من المعارض الكبرى. ففي ميلانو يحتضن القصر الملكي معرضًا واسعًا لعائلة بروغيل، إحدى أهم السلالات الفنية في تاريخ الرسم الأوروبي. ويضم المعرض أكثر من ثمانين لوحة ورسمًا ومطبوعًا، ويعيد تتبع الدور الذي لعبته هذه العائلة في تطور الأنواع الفنية الأوروبية، من رسم المناظر الطبيعية إلى الحياة اليومية.
وفي بودابست افتتح معرض واسع لبول غوغان ومحيطه الفني، يضم نحو مئة وخمسين عملًا، بينها عشرات الأعمال للفنان نفسه، ويركز على العلاقات التي ربطته بفناني عصره وبالمراحل المختلفة التي قادته من أوروبا إلى تاهيتي.
وفي ميونيخ يواصل معرض «برشلونة الحديثة: من غاودي إلى بيكاسو» استقطاب الجمهور من خلال أكثر من مئة وخمسين قطعة فنية ووثيقة، تحكي التحولات الثقافية التي شهدتها برشلونة خلال مرحلة أصبحت فيها العمارة والرسم والتصميم أدوات لإعادة اختراع المدينة الحديثة.
وفي فلورنسا، يستعيد معرض مخصص لأرتيميسيا جنتيليسكي سنواتها الأكثر تأثيرًا داخل البيئة الفلورنسية وعلاقتها بالبلاط والثقافة الفنية الإيطالية، بينما تستعيد مدن أوروبية أخرى أعمال رودان وبول سينياك وفنانين من مدارس الحداثة والتجريد.
هذه المعارض تكشف عن اتجاه أوروبي واضح: إعادة قراءة تاريخ الفن من منظور معاصر، بحيث لا يعود المعرض مجرد عرض للروائع القديمة، بل يصبح محاولة لفهم كيف تشكلت مفاهيم الحداثة والمدينة والهوية والجسد والسلطة داخل الفن.
أوروبا الشرقية والسينما الوثائقية
وفي السينما، شهدت عدة مدن أوروبية مهرجانات متزامنة خلال الأيام الماضية. فقد اختتمت لشبونة مهرجان «دوك لشبونة» للأفلام الوثائقية، الذي قدم قرابة مئتي فيلم من أكثر من خمسين دولة، بينها عشرات العروض العالمية والدولية الأولى.
كما احتضنت ألمانيا مهرجان لايبزيغ الدولي للأفلام الوثائقية والتحريك، فيما عرفت إسبانيا مهرجانات سينمائية في بلد الوليد ومايوركا، وتواصلت مهرجانات أخرى في بودابست وكييف وبلجيكا ولوكسمبورغ.
ويتضح من برامج هذه التظاهرات اتساع مكانة السينما الوثائقية في أوروبا. فالفيلم الوثائقي لم يعد هامشًا داخل صناعة السينما، بل أصبح واحدًا من أهم المجالات التي تناقش الحرب والهجرة والبيئة والذاكرة والتحولات السياسية والاجتماعية.
المسرح الأوروبي واستمرار الرهان على النص والفكرة
في المسرح الأوروبي، واصلت لندن المحافظة على حضور قوي للعروض الكلاسيكية والمعاصرة، مع الإعلان عن إنتاجات جديدة تعود إلى نصوص فلسفية وأدبية معروفة. ومن بين الأعمال التي أثارت الاهتمام إعلان تقديم «جلسة فرويد الأخيرة»، وهي مسرحية تتخيل حوارًا بين سيغموند فرويد والكاتب سي. إس. لويس عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية.
الفكرة المسرحية تضع شخصيتين فكريتين كبيرتين في مواجهة حول الإيمان والموت والحب والمعاناة، وهو نموذج يؤكد استمرار المسرح الأوروبي في استثمار الشخصيات التاريخية والفكرية لبناء أسئلة معاصرة.
كما تواصل المسارح الأوروبية توسيع استخدام الوسائط البصرية والصوتية والتقنيات الرقمية، بحيث بات المسرح فضاء هجينًا يلتقي فيه النص مع الفيلم والموسيقى والتركيب البصري.
أمريكا: السينما والمسرح والمتاحف في قلب موسم الخريف
مهرجانات السينما الأمريكية تدخل موسم الجوائز
تعيش الولايات المتحدة خلال هذه الفترة ذروة الموسم السينمائي الذي يسبق سباق الجوائز الكبرى. فقد اختتم مهرجان «AFI Fest» في لوس أنجلوس دورته الأربعين بعد عروض عالمية وأفلام روائية ووثائقية وقصيرة، بينما استضافت مدن أخرى مثل دنفر وأوستن وسافانا وهاواي مهرجانات متزامنة.
وفي ميامي انطلقت دورة جديدة من تظاهرة «GEMS» السينمائية ببرنامج هو الأكبر في تاريخها، يضم نحو خمسين فيلمًا من عدة دول، بينها أفلام تدخل مبكرًا في سباق الجوائز الأمريكية.
ويمثل هذا الموسم مرحلة حاسمة بالنسبة إلى الاستوديوهات والموزعين، لأن المهرجانات التي تقام بين أكتوبر ونوفمبر غالبًا ما تشكل بوابة العبور نحو الغولدن غلوب والأوسكار. ولهذا أصبحت هذه التظاهرات أقل شبهًا بالمهرجانات الصيفية الاحتفالية وأكثر ارتباطًا باستراتيجيات الترويج النقدي والصحفي.
برودواي: خريف مزدحم بالعروض الجديدة
وفي نيويورك، دخل برودواي موسم خريف حافلًا بإنتاجات جديدة وإعادات قراءة لنصوص قديمة. ومن أبرز الأحداث عودة مسرحية «A Few Good Men» إلى الخشبة، إضافة إلى المسرحية الموسيقية الجديدة «Wanted»، التي تستلهم قصة شقيقتين تحولتا إلى شخصيتين أسطوريتين في الذاكرة الشعبية الأمريكية.
كما شهد أكتوبر وصول نسخة جديدة من «The Fantasticks» إلى برودواي، وهو عمل ظل عقودًا من أشهر المسرحيات الموسيقية خارج برودواي، قبل أن يحصل أخيرًا على إنتاج فوق المسارح الكبرى.
ويستعد برودواي كذلك لاستقبال نسخة جديدة من «Much Ado About Nothing» لشكسبير، بمشاركة توم هيدلستون وهايلي أتويل بعد نجاح الإنتاج في لندن.
وفي سياق مختلف، عاد بيلي كريستال إلى المسرح بعرض فردي بعنوان «860»، يقوم على ذاكرة المنزل والعائلة والخسارة، مستلهمًا تجربته الشخصية بعد فقدان منزله في حرائق كاليفورنيا. ويكشف نجاح هذا النوع من العروض عن عودة واضحة للمسرح السيري الذي يحول التجربة الفردية إلى ذاكرة جماعية.
متاحف نيويورك تعيد ترتيب تاريخ الفن
وفي مجال الفنون التشكيلية، يواصل متحف الفن الحديث في نيويورك تطوير طريقة عرض مجموعاته الدائمة، ومن أبرز مستجداته تخصيص مساحة موسعة لأعمال فاسيلي كاندينسكي تحت عنوان يتعلق بالبعد الروحي في الفن، بما يسمح بإعادة قراءة دوره في ولادة التجريد الحديث.
أما متحف المتروبوليتان، فقد قدم أعمالًا جديدة نتجت عن برنامج إقامة فنية يربط الحرف التقليدية بالممارسات المعاصرة، حيث عمل فنانون وحرفيون على تقنيات الخشب والخزف والمعادن والزخرفة بهدف إعادة صياغة العلاقة بين الحرفة والتصميم والفن.
ويشهد المتحف في الوقت نفسه سلسلة معارض تتناول مدارس وشخصيات مختلفة من تاريخ الفن، وهو ما يعكس اتجاهًا أمريكيًا متزايدًا نحو إعادة النظر في مفهوم «المجموعة الدائمة»، بحيث تصبح المتاحف أقل ثباتًا وأكثر تغيرًا واستجابة للأسئلة المعاصرة المتعلقة بالهوية والتمثيل والتاريخ.
الفن العالمي بين الذاكرة والتكنولوجيا
وإذا كان هناك خيط مشترك يجمع الأخبار الثقافية والفنية خلال الأيام الأخيرة، فهو أن الفن العالمي يعيش حالة تفاوض واضحة بين الذاكرة والتكنولوجيا. الموسيقى العربية تستعيد كبار ملحني القرن الماضي، لكن الفنانين الشباب يعملون داخل بيئة رقمية مختلفة تمامًا. والمتاحف الأوروبية تعرض غوغان وبروغيل وأرتيميسيا جنتيليسكي، لكنها تعيد قراءة أعمالهم بعين الحاضر. والسينما العربية تتمسك بقضايا الواقع، لكنها في الوقت نفسه تدخل بقوة عالم التمويل المشترك والأسواق الدولية. أما المسرح، فيحافظ على النص والممثل والجمهور المباشر لكنه يتوسع في استخدام الصورة الرقمية والصوت الإلكتروني.
حتى المعارض التشكيلية لم تعد منفصلة عن الموسيقى والأداء. تجربة نصير شمة في الرياض، على سبيل المثال، تكشف كيف يمكن لبقايا آلة موسيقية أن تتحول إلى مادة تشكيلية، فيما يتحول الصوت في البندقية إلى تركيب معماري وفضاء قابل للمشاهدة لا للاستماع فقط.
هذا التداخل هو ربما أهم سمة للفنون خلال المرحلة الحالية. لقد أصبحت الحدود التقليدية بين السينما والموسيقى والمسرح والفن التشكيلي أقل وضوحًا. المخرج قد يعمل في المتحف، والفنان التشكيلي يستخدم الصوت والفيديو، والموسيقي يقدم عملًا بصريًا، والمسرح يستعير تقنيات السينما، بينما تدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي تدريجيًا إلى كل هذه المجالات.
الثقافة تعود إلى الفضاء العام
غير أن التحول الأكثر أهمية ربما يكمن في العودة الواضحة للجمهور إلى الفضاءات الثقافية الجماعية. عشرات الآلاف يزورون المعارض الكبرى، والمهرجانات السينمائية تتوسع بدل أن تنكمش، وبرودواي يطلق موسمًا جديدًا مكتظًا بالإنتاجات، ومهرجانات الموسيقى التجريبية تستقطب أجيالًا شابة تبحث عن التجربة المباشرة.
هذه العودة تؤكد أن العصر الرقمي لم يُلغِ الحاجة إلى المسرح أو قاعة السينما أو المتحف أو الحفل الموسيقي. لقد غير طرق الوصول إلى الفن والترويج له، لكنه لم يستطع استبدال تجربة التواجد الجسدي داخل فضاء ثقافي مشترك.
ومن القاهرة والرياض والجونة إلى البندقية وميلانو ولندن، ومن نيويورك إلى لوس أنجلوس وميامي، تبدو الخريطة الفنية في نهاية أكتوبر وبداية نوفمبر 2026 وكأنها تعيد تأكيد حقيقة قديمة: أن الإنسان، مهما توسعت حياته الرقمية، يظل في حاجة إلى الوقوف أمام لوحة أصلية، والجلوس في قاعة مظلمة لمشاهدة فيلم، والاستماع إلى موسيقى حية، ورؤية ممثل يتحرك أمامه فوق خشبة المسرح.







0 التعليقات:
إرسال تعليق