تبدو أجندة معهد العالم العربي في باريس خلال شهر نوفمبر 2026 أشبه بخريطة ثقافية مصغرة للعالم العربي نفسه، بخلافاته وذاكراته وأسئلته المتشابكة، إذ لا تكتفي البرمجة بعرض الفنون والآداب بوصفها مواد للفرجة، بل تحاول أن تجعل منها منافذ لفهم المجتمع والتاريخ والسياسة والتحولات التي تعيشها المنطقة. وبين معرض يستعيد طقوس الزواج في المغرب والجزائر وتونس، وندوات عن ابن سينا وابن رشد، وأفلام عن فلسطين وغزة، وحضور لافت للسينما المغربية، ولقاء أدبي مع عبد الله الطايع، ثم انفتاح على ذاكرة الأندلس وقصر الحمراء، تتشكل خلال هذا الشهر واحدة من أكثر الأجندات تنوعًا في المؤسسة الباريسية.
«عاشت العروس!»... الزواج يتحول إلى مرآة للمجتمع المغاربي
يبقى معرض «عاشت العروس!» أحد المحاور المركزية في البرمجة الحالية للمعهد، وهو معرض يمتد إلى أواخر فبراير 2027 ويركز على تقاليد الزواج في الجزائر والمغرب وتونس. غير أن أهميته لا تنبع فقط من الملابس والحلي والطقوس الاحتفالية، بل من الطريقة التي يتحول بها الزواج إلى مدخل لقراءة المجتمع المغاربي وتحولاته.
فالعرس ليس هنا مجرد لحظة عائلية، بل مساحة تتقاطع فيها هوية المرأة، والعائلة، والذاكرة، والدين، والطبقة الاجتماعية، والموسيقى، والأزياء، والتحولات التي أحدثتها الحداثة والهجرة والمدن. ولهذا خصص المعهد بين 5 و7 نوفمبر محطة ثقافية موسعة تجمع السينما والأدب والنقاش والموسيقى حول هذا الموضوع.
تبدأ هذه المحطة بندوة تحت عنوان «الزواج في زمن الحرب»، وهي صيغة تكشف منذ البداية أن المعهد لا يتعامل مع الزواج بوصفه احتفالًا منفصلًا عن التاريخ. فحين تقع المجتمعات تحت الحرب أو النزوح أو الحصار، تصبح حتى أبسط الطقوس الإنسانية مهددة، ويتحول الزواج أحيانًا إلى فعل مقاومة للحياة في وجه الموت.
أغاني الأعراس بين الريف واليمن... حين تحفظ النساء الذاكرة
ومن أكثر الفقرات إثارة في هذا البرنامج لقاء مخصص لـ«أغاني الأعراس ومراثي الزواج»، حيث تنفتح النقاشات على التراث الموسيقي الشفهي من اليمن إلى الريف المغربي والأطلس.
في هذه التقاليد لم يكن الغناء مجرد خلفية للحفل، بل كان نوعًا من الأرشيف الاجتماعي الذي تحفظه النساء وتنقله الأجيال. ففي الأغنية يمكن أن نجد الفرح، لكننا نجد أيضًا الحزن على مغادرة العروس بيت أسرتها، والخوف من المستقبل، والحنين، والوداع، وأحيانًا الاحتجاج الرمزي على القيود الاجتماعية.
ويشارك في هذا اللقاء باحثون متخصصون في الموسيقى المغربية والعربية، من بينهم أسماء اشتغلت على الموسيقى اليهودية المغربية وعلى موسيقى الأطلس، ما يمنح الحدث أهمية خاصة بالنسبة إلى القارئ المغربي، لأنه يعيد الاعتبار إلى الذاكرة الموسيقية الشعبية بوصفها جزءًا من التاريخ الثقافي، وليس مجرد فولكلور للاستهلاك السياحي.
السينما تعيد قراءة الزواج والهامش الاجتماعي
وتتوسع هذه المحطة عبر سلسلة من العروض السينمائية التي تتناول موضوع الزواج من زوايا مختلفة. ففي السادس من نوفمبر يعرض فيلمان هما «تحت الأنقاض» و«ماشطات»، بينما يقدم في اليوم التالي الفيلم الوثائقي «قرية شيني» إلى جانب الفيلم الجزائري «مسخرة» للمخرج ليس سالم.
ويمنح هذا التنوع السينمائي موضوع الزواج بعدًا اجتماعيًا أوسع؛ إذ يظهر في بعض الأعمال بوصفه مساحة للصراع بين الفرد والمجتمع، وفي أعمال أخرى باعتباره مناسبة تكشف التفاوت الطبقي والتقاليد والقيود التي تحاصر الشباب والنساء.
إن انتقال المعرض من القاعات إلى السينما وإلى النقاش الأدبي يؤكد توجهًا واضحًا لدى معهد العالم العربي: تحويل المعرض إلى منصة ثقافية ممتدة، لا تنتهي بمجرد مشاهدة القطع والصور، بل تتفرع إلى سلسلة من الأسئلة والحوارات.
المغرب حاضر في برنامج أدبي عابر للحدود
في السابع من نوفمبر تحتضن المؤسسة لقاءً أدبيًا يجمع الكاتبة المغربية سميرة العياشي والكاتبة اللبنانية إيمان حميدان والكاتب الفرنسي من أصول تونسية رمزي الكافي.
إن الجمع بين هذه الأصوات الثلاثة يفتح المجال أمام نقاش حول العائلة والهجرة والانتماء والعلاقات الاجتماعية والذاكرة، وهي موضوعات أصبحت مركزية في الأدب العربي المكتوب داخل المنطقة وخارجها.
ويكتسب حضور سميرة العياشي أهمية خاصة لأنه يعكس استمرار حضور الأدب المغربي في المشهد الثقافي الفرنسي، ليس بوصفه أدبًا محليًا مترجمًا فحسب، بل باعتباره جزءًا من الأدب المتوسطي والفرنكوفوني والعابر للهويات.
ابن سينا يعود إلى باريس من بوابة الفلسفة
وفي الثالث من نوفمبر يواصل برنامج «فلسفة: مواعيد الفلسفة العربية» نشاطه من خلال لقاء حول التلقي المعاصر لفكرة النبوة عند ابن سينا.
لا يتعلق الأمر هنا باستعادة تاريخية جامدة لفيلسوف من الماضي، وإنما بالسؤال عن الطريقة التي يمكن بها قراءة الفكر السينوي اليوم، خصوصًا فيما يتعلق بالعلاقة بين العقل والوحي والخيال والمعرفة.
وتبرز أهمية مثل هذه اللقاءات في أنها تعيد وضع الفلسفة العربية والإسلامية ضمن تاريخ الفكر العالمي، بعد فترات طويلة كانت فيها تُقدّم أحيانًا باعتبارها مجرد حلقة انتقال بين الفلسفة اليونانية والفكر الأوروبي.
ومن خلال هذه السلسلة يحاول المعهد إعادة الاعتبار إلى الفلسفة العربية بوصفها تراثًا حيًا يمكن أن يشارك في النقاشات المعاصرة المتعلقة بالعقل والدين والإنسان والهوية.
غزة تدخل الأجندة من بوابة السينما الوثائقية
في الثامن من نوفمبر يحتضن معهد العالم العربي عرض الفيلم الوثائقي «داخل غزة» للمخرجة هيلين لام ترونغ، في حدث يسبق انعقاد منتدى باريس للسلام.
يأتي الفيلم في سياق أصبحت فيه الصورة القادمة من غزة أحد أكثر عناصر الذاكرة البصرية المعاصرة قوة وإيلامًا. لكن الفيلم الوثائقي، بخلاف التدفق السريع للصور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يمتلك فرصة مختلفة: فهو يستطيع التوقف عند التفاصيل والوجوه والسير الفردية التي تضيع عادة داخل الأخبار اليومية.
إن إدراج فيلم عن غزة في برنامج ثقافي وفني يحمل أيضًا دلالة تتجاوز السياسة المباشرة؛ إذ يعيد طرح السؤال حول وظيفة الثقافة في زمن الحرب: هل تكتفي بتوثيق المأساة أم تتحول إلى وسيلة لحماية الذاكرة من المحو؟
السينما المغربية تحضر بقوة عبر مهرجان مراكش للفيلم القصير
وتبرز المشاركة المغربية بوضوح أكبر منتصف الشهر، حين يحتضن المعهد بين 13 و15 نوفمبر مجموعة من عروض مهرجان مراكش للفيلم القصير.
ومن بين الأعمال المبرمجة الفيلم الوثائقي المغربي «دارهم» لسلمى بلغيثي، وفيلم «من أجلي» لانتصار الأزهري، إلى جانب أفلام من قطر والأردن ومصر وفلسطين.
ويكشف هذا التعاون عن تنامي موقع الفيلم القصير العربي في الفضاء الثقافي الدولي. فالفيلم القصير لم يعد مجرد محطة تدريبية قبل الانتقال إلى الفيلم الطويل، بل أصبح في السنوات الأخيرة مختبرًا حقيقيًا للتجريب السردي والبصري، وفضاءً لاكتشاف مخرجين شباب قبل انتقالهم إلى مشاريع أكبر.
كما أن انتقال مهرجان مراكش للفيلم القصير إلى باريس يمنح السينما المغربية الناشئة فرصة الوصول إلى جمهور مختلف، ويؤكد تحول المغرب تدريجيًا إلى أحد المراكز المهمة لتبادل التجارب السينمائية بين إفريقيا والعالم العربي وأوروبا.
الفكاهة العربية تدخل الفضاء الباريسي
في الثاني عشر من نوفمبر يقدم «IMA Comedy Club» أمسية جديدة في مدينة أرجنتوي، في امتداد لبرنامج اختار المعهد من خلاله أن يمنح فن الكوميديا مساحة داخل أجندته الثقافية.
وقد تبدو هذه الفقرة أقل «ثقلاً» من المعارض والندوات الفكرية، لكنها في الحقيقة تعكس تحولًا مهمًا في مفهوم الثقافة العربية داخل المؤسسات الأوروبية. فالثقافة لم تعد محصورة في التراث والمخطوطات والتاريخ، بل أصبحت تشمل أيضًا اللغة اليومية والسخرية والستاند آب والتجارب الاجتماعية الجديدة.
الفكاهة لدى الأجيال العربية والفرنسية من أصول عربية أصبحت وسيلة لطرح قضايا الهوية والعنصرية والهجرة والعائلة والاختلاف الثقافي، ولذلك فإن دخولها إلى فضاء مؤسسة ثقافية كبرى يؤكد اتساع مفهوم الثقافة العربية المعاصرة.
الخليج بين الحرب والتحولات الاجتماعية
من أكثر محاور البرنامج كثافة أيضًا سلسلة الندوات التي تناقش مستقبل دول الخليج في ظل التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الجديدة.
وتطرح اللقاءات أسئلة متعددة حول إعادة تشكيل موقع الخليج في العلاقات الدولية، وعلاقة أوروبا وفرنسا بالمنطقة، والتحولات السياسية داخل مجلس التعاون الخليجي، وتجدد الأجيال الشابة، وقضايا الديموغرافيا والمواطنة والهوية.
كما تبرز قضية الاقتصاد غير الرسمي بما يشمله من شبكات مالية وتحويلات وأسواق موازية وتجارة عابرة للحدود.
ولا تكتفي هذه النقاشات بالنظر إلى الخليج من زاوية النفط والثروة، بل تحاول فهم مجتمعاته بوصفها كيانات تمر بتحولات عميقة بفعل الاقتصاد الجديد والتكنولوجيا والهجرة والتوترات الإقليمية.
عبد الله الطايع... الكاتب المغربي يعود برواية جديدة
وفي 24 نوفمبر تستضيف مكتبة معهد العالم العربي الكاتب المغربي عبد الله الطايع لتقديم روايته الجديدة «واقفًا في أحلامك».
تدور الرواية حول شاب مغربي يدعى ماجد يصل إلى باريس في بداية الألفية الجديدة لدراسة الأدب الفرنسي في جامعة السوربون، لكنه يجد نفسه أمام حياة شديدة الهشاشة، بين ضيق السكن ومخاوف الإقامة والعمل المؤقت.
ويشكل هذا اللقاء محطة بارزة في البرنامج الأدبي لأن تجربة الطايع ارتبطت منذ سنوات بموضوعات الهجرة والهوية والطبقة الاجتماعية والاغتراب، وهي أسئلة تجعل كتابته تتجاوز السيرة الفردية نحو مساءلة العلاقات بين الجنوب والشمال، وبين الفرد ونظرة المجتمع إليه.
وتمثل استضافته في معهد العالم العربي أيضًا استمرارًا للحضور المغربي داخل الحياة الأدبية الفرنسية، وهو حضور أصبح متنوعًا بين العربية والفرنسية وبين الرواية والشعر والفكر.
«أسرار الحمراء»... رحلة إلى الأندلس في قلب باريس
لكن الحدث الأكبر في نهاية الشهر سيكون افتتاح معرض «أسرار الحمراء» يوم 24 نوفمبر، والذي يستمر حتى 16 مايو 2027.
المعرض يعيد بناء عالم قصر الحمراء في غرناطة في عصر الدولة النصرية، وخاصة في القرن الرابع عشر خلال حكم السلطان محمد الخامس، مستعينًا بالأعمال الفنية والتقنيات الغامرة.
ولا يركز العرض على العمارة وحدها، بل يذهب إلى تفاصيل الماء والهندسة والخط العربي والألوان والحدائق والاحتفالات والحياة السياسية والعسكرية داخل القصر.
وتحضر نافورة الأسود بوصفها إحدى العلامات المركزية للحمراء، إلى جانب الزخارف الهندسية التي تكشف عن العلاقة العميقة بين الرياضيات والفن الإسلامي.
كما يمنح المعرض أهمية كبيرة للنقوش العربية المنتشرة على جدران القصر، بما فيها الشعر والآيات والشعارات، وهي نقوش تجعل العمارة نفسها أشبه بكتاب مفتوح.
الأندلس ليست مجرد حنين
ما يجعل معرض الحمراء مهمًا هو أنه يحاول تجاوز الصورة السياحية الرومانسية للأندلس. فالقصر لم يكن مجرد فضاء للجمال والشعر والموسيقى، بل كان أيضًا مركز دولة تعيش تحت تهديد مستمر وسط صراعات عسكرية وسياسية.
ولهذا يعرض المعهد نماذج من الأسلحة ووسائل الحرب إلى جانب الحدائق والخطوط والزخارف، في محاولة لإعادة بناء التناقض الذي صنع تاريخ الأندلس: الجمال من جهة، والهشاشة السياسية من جهة أخرى.
ويظهر من خلال هذه المقاربة أن الأندلس لم تكن عالمًا مثاليًا خارج التاريخ، بل مجتمعًا حقيقيًا عرف التعايش والتبادل الثقافي كما عرف الحرب والصراع على السلطة.
ابن رشد بعد تسعة قرون... العقل في مواجهة الخوف
ومن قلب معرض الحمراء ينتقل البرنامج يوم 28 نوفمبر إلى الاحتفاء بمرور تسعمائة سنة على ميلاد ابن رشد.
ويخصص المعهد سلسلة من الندوات تتناول سيرته وإرثه الفلسفي وعلاقته بالفنون وتأثيره الممتد من الفكر العربي الإسلامي إلى أوروبا اللاتينية.
إن استعادة ابن رشد في باريس عام 2026 تتجاوز الاحتفال بشخصية تاريخية؛ ففكر الرجل ما زال حاضرًا في النقاش حول العقل والدين والحرية والتأويل.
وقد يكون هذا هو السبب في أن ابن رشد يعود في زمن يشهد تصاعد الاستقطاب والهويات المغلقة وخطابات الكراهية؛ فالرشدية تستدعي بصورة تلقائية فكرة الحوار بين المعرفة والعقيدة وبين الثقافات.
سعاد ماسي تختتم الشهر بالموسيقى والشعر
ويختتم هذا المسار في 28 نوفمبر بحفل للفنانة الجزائرية سعاد ماسي، التي تمثل منذ سنوات واحدة من أبرز الأصوات الموسيقية العربية العابرة للحدود.
تتقاطع في تجربتها الموسيقى الجزائرية والروك والفولك والشعر العربي والفارسي والفرنسي والأندلسي.
ويكتسب الحفل رمزية إضافية لأنه يأتي ضمن البرنامج الموازي لمعرض الحمراء والاحتفاء بابن رشد، خصوصًا أن سعاد ماسي خصصت في أعمالها الأخيرة أغنية مستوحاة من المفكر الأندلسي، تتأمل العلاقة بين الجهل والخوف والكراهية والعنف.
وهنا تصبح الموسيقى امتدادًا للفلسفة، ويصبح الحفل جزءًا من سؤال أكبر حول قدرة الثقافة على مقاومة الانغلاق.
من المغرب العربي إلى الأندلس... أجندة تبحث عن جسور جديدة
ما يلفت الانتباه في أجندة معهد العالم العربي خلال نوفمبر هو أن المؤسسة لا تقدم العالم العربي باعتباره كتلة ثقافية واحدة، بل بوصفه فضاء شديد التنوع تمتد داخله الأسئلة من المغرب إلى الخليج ومن فلسطين إلى الأندلس.
المغرب حاضر في طقوس الأعراس وفي السينما وفي الأدب وفي الموسيقى وفي التراث الأندلسي، وفلسطين تحضر من خلال السينما والذاكرة، والخليج يدخل من بوابة التحليل السياسي والاجتماعي، بينما يعود ابن سينا وابن رشد لربط الأسئلة الراهنة بتاريخ طويل من الفكر.
إنها أجندة تجعل من الثقافة فضاءً للحوار أكثر مما تجعلها واجهة للفرجة. فبين صورة العروس المغاربية، وطفل فلسطيني في فيلم قصير، وشاب مغربي مهاجر في رواية، ونقش عربي على جدار الحمراء، وصوت سعاد ماسي، تتشكل صورة لعالم عربي متعدد، متوتر، حي، ومفتوح على أسئلة المستقبل.
ولعل القيمة الكبرى في هذه البرمجة تكمن في أنها تضع الثقافة العربية داخل قلب باريس لا بوصفها أثرًا من الماضي فقط، وإنما باعتبارها ثقافة معاصرة تتجادل مع الحرب والهجرة والهوية والحب والفلسفة والذاكرة، وتعيد باستمرار تعريف نفسها أمام العالم.







0 التعليقات:
إرسال تعليق