الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أكتوبر 30، 2026

عيد الوحدة وتحول المغرب من الدفاع عن الصحراء إلى صناعة موقعه الإفريقي : عبده حقي


حين أستحضر الذكرى الأولى لعيد الوحدة، لا أتعامل معها باعتبارها مجرد إضافة جديدة إلى روزنامة الأعياد الوطنية المغربية، ولا أراها مناسبة احتفالية عابرة تنتهي بانتهاء المراسيم والخطب والصور الرسمية، بل أقرأها باعتبارها علامة سياسية ودبلوماسية على انتقال قضية الصحراء المغربية إلى مرحلة مختلفة في تاريخها الطويل، مرحلة لم يعد فيها المغرب يكتفي بالدفاع عن موقفه داخل المحافل الدولية، بل أصبح يعمل على تحويل هذا الموقف إلى واقع سياسي واقتصادي وإقليمي يتعزز سنة بعد أخرى.

لقد تقرر جعل يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا تحت اسم «عيد الوحدة»، في ارتباط مباشر بالتحول الذي شهده مسار قضية الصحراء وبقرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025. وهذا القرار لم يكن مجرد تمديد تقني لولاية بعثة المينورسو، وإنما نص على إجراء المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، واعتبر أن حكما ذاتيا حقيقيا يمكن أن يمثل أحد أكثر المخرجات قابلية للتطبيق في إطار حل سياسي نهائي ومتوافق عليه.

لهذا، أعتقد أن دلالة عيد الوحدة تتجاوز الاحتفاء بالتاريخ إلى الاحتفاء بتحول سياسي حقيقي. فالمغرب الذي كان، قبل عقود، يخصص جزءا كبيرا من مجهوده الدبلوماسي لشرح قضيته الوطنية ومواجهة أطروحات خصومه، أصبح اليوم يتحرك داخل بيئة دولية أكثر ميلا إلى التعامل مع مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا واقعيا للمفاوضات.

وأنا أقرأ هذا التحول من خلال مواقف دول مؤثرة لا يمكن اعتبارها مجرد أصوات هامشية في العلاقات الدولية. ففرنسا أعلنت أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان في إطار السيادة المغربية، وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل الإطار الذي ينبغي أن تحل داخله القضية. وبريطانيا أصبحت تعتبر المقترح المغربي للحكم الذاتي «الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وبراغماتية» للوصول إلى تسوية دائمة، بينما تصف ألمانيا المقترح بأنه أساس جدي وذي مصداقية للمفاوضات.

بالنسبة إلي، ليست المسألة هنا سباقا حسابيا لمعرفة عدد الدول التي غيرت مواقفها، بقدر ما هي مسألة نوعية المواقف وثقل الدول والمؤسسات التي أصبحت تنظر إلى الحكم الذاتي بمنظار مختلف. ففي يونيو 2026، عبرت مجموعة تضم أربعين دولة بمجلس حقوق الإنسان في جنيف عن دعمها لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وربطت حل النزاع بتنفيذ قرار مجلس الأمن 2797 والمسار السياسي القائم على مبادرة الحكم الذاتي.

وهنا أرى جوهر التحول: لقد انتقلت مبادرة الحكم الذاتي تدريجيا من كونها «مقترحا مغربيا» يحتاج المغرب إلى الدفاع عنه، إلى مرجعية أساسية داخل النقاش الدولي حول الحل السياسي. وهذا تحول دبلوماسي ينبغي قراءته بواقعية، بعيدا عن المبالغة كما بعيدا عن التقليل من قيمته.

لكنني أعتقد أيضا أن القوة الحقيقية للموقف المغربي لا يمكن أن تستند إلى الدبلوماسية وحدها. فالحدود والسيادة والوحدة الترابية لا تُبنى فقط داخل قاعات مجلس الأمن ووزارات الخارجية، وإنما تتجسد كذلك على الأرض من خلال التنمية والبنيات التحتية والاستثمار والتعليم والصحة وفرص الشغل وقدرة المواطن على رؤية أثر السياسات العمومية في حياته اليومية.

ومن هذه الزاوية تبدو لي الأقاليم الجنوبية اليوم مختلفة جذريا عما كانت عليه قبل عقود.

لقد مضى أكثر من عشر سنوات على إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية سنة 2015، وتشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى تحولات ديموغرافية واجتماعية واقتصادية مهمة عرفتها جهات الجنوب خلال هذه الفترة. كما تكشف الحسابات الجهوية عن تغير واضح في البنية الاقتصادية لجهة العيون الساقية الحمراء، مع حضور قوي للقطاعات الثانوية والخدماتية، بما يعكس انتقال المنطقة تدريجيا من اقتصاد يعتمد على وظائف تقليدية محدودة إلى اقتصاد أكثر تنوعا.

وأنا لا أرى في هذه التنمية مجرد سياسة اجتماعية موجهة إلى سكان منطقة بعينها، بل أعتبر أن الرهان المغربي أصبح أكبر بكثير: تحويل الصحراء إلى مجال جيو-اقتصادي يربط المغرب بعمقه الإفريقي.

وهنا تحديدا تتقاطع قضية الصحراء مع التحول الكبير الذي تعرفه السياسة الإفريقية للمملكة.

لقد كانت الصحراء لفترة طويلة تُقدَّم في الخطاب السياسي باعتبارها الحدود الجنوبية للمغرب، أما اليوم فإنها تتحول تدريجيا إلى بوابته الكبرى نحو إفريقيا الأطلسية والساحل وغرب القارة. ومن يتابع المشاريع والاستراتيجيات المغربية يدرك أن الداخلة والعيون لم تعودا تُفهمان فقط باعتبارهما مدينتين في أقصى الجنوب، بل باعتبارهما نقطتي ارتكاز محتملتين لشبكة أوسع من التجارة والطاقة والنقل والاستثمار والربط البحري.

وهذا التحول مهم جدا في نظري، لأنه يعني أن المغرب لم يعد يفكر في الصحراء بمنطق تثبيت السيادة فحسب، بل بمنطق صناعة الوظيفة الاقتصادية والجيوسياسية للمجال.

فعندما يطرح المغرب مبادرة تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، وعندما يدفع بمشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، وعندما يقود مسلسل الدول الإفريقية الأطلسية، فإنه يرسم في الواقع خريطة جديدة لعلاقاته بالقارة، تكون فيها الأقاليم الجنوبية أحد محاور الاتصال بين المغرب وعمقه الإفريقي.

وقد أصبح «مسلسل الدول الإفريقية الأطلسية» بالفعل إطارا مؤسساتيا قائما، له أمانة دائمة في الرباط ومجموعات عمل وبرنامج مشترك يشمل الحوار السياسي والأمن والاقتصاد الأزرق والربط البحري والطاقة وحماية البيئة. وفي يوليوز 2026 انعقد الاجتماع الوزاري السابع لهذا المسلسل في كوتونو برئاسة مشتركة بين المغرب والبنين، بما يعكس استمرار هذه الدينامية وتحولها من مجرد فكرة إلى آلية للتعاون الإفريقي.

كما حظيت المبادرات الأطلسية المغربية بإشادة دول خارج القارة نفسها. فقد رحبت اليابان في ماي 2026 بمبادرة الدول الإفريقية الأطلسية ومشروع أنبوب الغاز ومبادرة تمكين دول الساحل من الولوج إلى الأطلسي، ورأت فيها جهودا لدعم التكامل والاستقرار والتنمية في إفريقيا.

بالنسبة إلي، هنا يكمن واحد من أهم التحولات التي ينبغي الانتباه إليها ونحن نحتفي بعيد الوحدة: المغرب أصبح يسعى إلى تغيير طبيعة موقعه داخل إفريقيا.

لسنوات طويلة كان السؤال المطروح هو: كيف يدافع المغرب عن وحدته الترابية في القارة الإفريقية؟

أما السؤال الجديد فهو: ما الذي يمكن للمغرب أن يقدمه لإفريقيا؟

إنه انتقال من دبلوماسية الدفاع إلى دبلوماسية المبادرة.

ومن موقع المغرب الجغرافي، تصبح هذه الاستراتيجية مفهومة. المملكة توجد عند ملتقى المتوسط والأطلسي، وعلى تماس مباشر مع أوروبا، وفي الوقت نفسه تمتد استراتيجيا نحو غرب إفريقيا والساحل. ولذلك فإنها تستطيع، إذا نجحت في استكمال بنياتها ومشاريعها الكبرى، أن تلعب دور منصة بين أوروبا وإفريقيا والأطلسي.

لكن هذا الطموح لا ينبغي أن يجعلنا نغفل التحديات.

فأنا أعتقد أن أي خطاب يحتفي بالنجاحات ولا يطرح أسئلة المستقبل يتحول بسرعة إلى خطاب مناسبات. وإذا كنا نريد بالفعل أن يكون عيد الوحدة تعبيرا عن مغرب جديد، فعلينا أن نسأل أيضا: ما نصيب الشباب في الأقاليم الجنوبية من هذه الدينامية الاقتصادية؟ وكيف يمكن تحويل الاستثمارات الكبرى إلى فرص شغل مستدامة؟ وكيف نضمن ألا تتحول التنمية إلى مجرد طرق وموانئ ومبان، بل إلى رأسمال بشري وتعليم جيد واقتصاد معرفي ومقاولات محلية قادرة على المنافسة؟

المعركة الاقتصادية المقبلة في الصحراء ليست معركة الإسمنت وحده.

إنها معركة الإنسان.

وأعتقد أن المغرب كلما جعل سكان أقاليمه الجنوبية فاعلين مباشرين في التنمية وصنع القرار الجهوي والاستثمار والمقاولة والثقافة، أصبح مشروعه التنموي أكثر صلابة وقدرة على الاستمرار.

كما أنني لا أفصل مستقبل الصحراء عن مستقبل الاتحاد المغاربي المتعثر.

إنها مفارقة مؤلمة أن توجد في شمال إفريقيا شعوب متقاربة في التاريخ والجغرافيا والثقافة، بينما يظل مستوى التكامل الاقتصادي والسياسي بينها ضعيفا مقارنة بما تتيحه إمكاناتها. والنزاع حول الصحراء كان واحدا من أكبر العوائق أمام بناء فضاء مغاربي مندمج.

ومن هنا فإن أي تسوية سياسية دائمة يمكن أن تفتح الباب أمام إعادة التفكير في المنطقة بكاملها.

أنا لا أرى قوة المغرب في ضعف الجزائر، ولا أرى مستقبل المغاربيين في صراعات الاستنزاف المفتوحة إلى ما لا نهاية. فالجغرافيا لن تتغير، والحدود لن تنقل المغرب أو الجزائر أو موريتانيا أو تونس إلى قارة أخرى. ستظل شعوب المنطقة جيرانا، وسيكون عليها عاجلا أو آجلا أن تختار بين منطق الصراع الدائم ومنطق المصالح المشتركة.

لكن المغرب، في انتظار تحقق ذلك، اختار منذ سنوات أن يوسع مجاله الاستراتيجي جنوبا وغربا، وأن يبني شبكات سياسية واقتصادية إفريقية تستطيع العمل حتى في ظل استمرار الجمود المغاربي.

ومن هنا أفهم تعاظم الحضور المغربي في القارة.

إنه ليس مجرد نتيجة لقضية الصحراء، بل أصبح جزءا من رؤية أوسع تشمل الاستثمارات البنكية والتأمين والاتصالات والأسمدة والطاقة المتجددة والأمن الغذائي والتكوين الديني والتعاون التقني ومشاريع البنيات التحتية والتعاون جنوب–جنوب.

وفي هذا السياق تتحول الصحراء نفسها إلى جزء من هذه الشبكة الإفريقية، لا إلى هامش جغرافي للمملكة.

لهذا كله، حين أستحضر عيد الوحدة، أراه مناسبة للتفكير أكثر منه مناسبة للاكتفاء بالاحتفال.

الوحدة في القرن الحادي والعشرين لا تصنعها الخرائط وحدها.

تصنعها الطرق التي تصل المدن، والموانئ التي تربط القارات، والجامعات التي تصنع المعرفة، والاستثمارات التي توفر الشغل، والمؤسسات التي تمنح المواطن الثقة، والدبلوماسية التي تحول المواقف السياسية إلى شراكات مستدامة.

وفي تقديري فإن التحدي المغربي في المرحلة المقبلة لن يكون فقط إقناع مزيد من الدول بمقترح الحكم الذاتي، بل تحويل الزخم الدبلوماسي الحالي إلى تسوية سياسية مستقرة، بالتوازي مع جعل الأقاليم الجنوبية نموذجا تنمويا حقيقيا قادرا على إثبات نفسه بالأرقام والفرص ونوعية الحياة.

ذلك هو الامتحان الأصعب.

لقد تحقق تحول مهم على المستوى الدولي عندما أصبح مجلس الأمن نفسه يدعو إلى مفاوضات تتخذ مقترح الحكم الذاتي أساسا لها، ويشير إلى أن حكما ذاتيا حقيقيا يمكن أن يكون من أكثر المخرجات قابلية للتطبيق. لكن التاريخ يعلمنا أن المكاسب الدبلوماسية تصبح أكثر قوة حين تسندها حقائق اقتصادية واجتماعية يصعب تجاهلها.

لذلك فإنني أرى أن المعركة القادمة هي معركة التنمية والاندماج الإفريقي.

إذا أصبح ميناء الداخلة منصة حقيقية للتجارة الإفريقية، وإذا تحولت مشاريع الطاقة إلى سلاسل إنتاج وفرص عمل، وإذا وجدت دول الساحل منفذا اقتصاديا موثوقا إلى الأطلسي، وإذا أصبحت العيون والداخلة مركزين للأعمال والتعليم والبحث والابتكار والتبادل بين شمال القارة وغربها، فإن الجغرافيا السياسية نفسها ستتغير.

عندها لن تكون الصحراء مجرد قضية تناقش في الأمم المتحدة، بل ستصبح عقدة استراتيجية داخل الاقتصاد الإفريقي الأطلسي.

وهذا، في رأيي، هو المعنى الأعمق لعيد الوحدة بعد عامه الأول.

أن ننتقل من الدفاع عن الأرض إلى صناعة المستقبل فوقها.

أن يتحول المغرب من بلد يسعى إلى حماية موقعه في المنطقة إلى دولة تسعى إلى خلق فضاء جديد للتعاون من حولها.

وأن تصبح الأقاليم الجنوبية، بدل أن تكون عنوان نزاع استمر نصف قرن، عنوان مرحلة إفريقية جديدة قوامها الاستثمار والربط الأطلسي والتنمية المشتركة.

إن المغرب أمام فرصة تاريخية، لكن الفرص لا تتحول تلقائيا إلى انتصارات دائمة. إنها تحتاج إلى عمل اقتصادي متواصل، وعدالة مجالية، وحكامة جيدة، واستثمار في الإنسان، ودبلوماسية هادئة تعرف أن القوة الحقيقية للدول لا تقاس فقط بعدد المواقف التي تؤيدها، بل بقدرتها على جعل مشروعها مقنعا ومفيدا ومستداما.

ولهذا أحتفي بعيد الوحدة باعتباره وعدا بالمستقبل أكثر مما هو احتفاء بما تحقق.

فالسيادة الأقوى هي تلك التي يشعر المواطن بثمارها، والتنمية الأكثر إقناعا هي التي تصنع الأمل، والدبلوماسية الأنجح هي التي تحول الجغرافيا من مصدر للنزاع إلى مصدر للشراكة.

وعندما يصبح الجنوب المغربي جسرا إلى إفريقيا بدل أن يظل موضوعا لنزاع حول إفريقيا، سنكون أمام التحول الأكبر: من صحراء كانت في قلب الصراع المغاربي إلى صحراء تصبح في قلب المشروع الإفريقي للمغرب.

الكاتب المغربي عبده حقي



0 التعليقات: