ليست المشكلة الحقيقية في مصر اليوم أن صحفيًا حُكم عليه، أو أن موقعًا إلكترونيًا أُغلق، أو أن منصة مستقلة وجدت نفسها فجأة أمام ترسانة من الإجراءات القانونية والإدارية، بل إن المشكلة الأعمق تكمن في السؤال الذي يختبئ خلف كل هذه الوقائع: كيف تنظر الدولة إلى الحرية؟ هل تراها عنصر قوة داخل المجتمع، أم نافذة ينبغي تضييقها كلما اشتدت الأزمات؟ وهل الصحافة شريك في حماية الدولة من أخطائها، أم خصم ينبغي تحجيمه كلما خرج عن الرواية الرسمية؟
هذا، في تقديري، هو جوهر النقاش الذي ينبغي أن يبدأ منه كل حديث جدي عن حرية الصحافة في مصر. فالحوار لم يعد متعلقًا بموقع إلكتروني بعينه، ولا بصحفية بعينها، ولا حتى بقضية قضائية محددة، بل أصبح متعلقًا ببنية كاملة في العلاقة بين السلطة والمجال العام. هناك من يقول إن المسألة لا تتعدى تطبيق القانون، وإن المواقع والمنصات مطالبة بتسوية أوضاعها القانونية، والحصول على التراخيص المطلوبة، واحترام القواعد المنظمة للعمل الصحفي والإعلامي. وفي المقابل، هناك من يرى أن القانون نفسه يتحول أحيانًا إلى أداة انتقائية، تطبق بصرامة على أصوات مستقلة، بينما تمر مخالفات أخرى بلا مساءلة عندما يكون أصحابها أقرب إلى الخطاب الرسمي.
وهنا تبدأ المشكلة السياسية الحقيقية.
فالقانون لا يكتسب شرعيته فقط من كونه مكتوبًا في الجريدة الرسمية، وإنما من الطريقة التي يطبق بها. وإذا شعر المواطن بأن القانون يطارد جهة ويتسامح مع أخرى، أو يغلق منصة بينما يتجاهل منصات مماثلة لأنها أكثر قربًا من السلطة، فإن الضرر لا يصيب الصحافة وحدها، وإنما يصيب فكرة القانون ذاتها. فالعدالة الانتقائية أخطر على الدولة من النقد الصحفي، لأن الصحافة قد تجرح صورة الحكومة، أما ازدواجية تطبيق القانون فتجرح الثقة في الدولة نفسها.
أنا لا أؤمن بفكرة أن الحرية وصفة جاهزة مستوردة من الخارج، ولا بأن المجتمعات جميعها مطالبة باستنساخ نموذج واحد للديمقراطية أو الإعلام. لكل مجتمع تاريخه وثقافته وحساسياته ومخاوفه ومصالحه الوطنية. لكن اختلاف النماذج لا يعني أن تصبح الحرية مفهومًا مطاطيًا إلى الحد الذي يمكن معه تبرير أي تقييد، ولا أن يتحول الأمن القومي إلى عبارة سحرية تُغلق بها كل مساحة للنقد.
ثمة فرق جوهري بين تنظيم الحرية وإلغائها، وبين مواجهة الأخبار الكاذبة وإسكات الصحافة، وبين حماية الأمن القومي وحماية السلطة من الإحراج.
إن الدولة القوية لا تخاف من الصحافة القوية. بل لعل العكس هو الصحيح: الدولة التي تثق في مؤسساتها تسمح بأن تُنتقد مؤسساتها. والدولة التي تثق في شرعية قراراتها لا تحتاج إلى صناعة إجماع إعلامي مصطنع حولها. والصحافة المهنية، حتى عندما تكون مزعجة، تقوم بوظيفة لا يستطيع الإعلام الموالي القيام بها: إنها تكشف المناطق التي لا تريد السلطة أن تراها، وتضع الإصبع على مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات.
وهذا مهم بصورة خاصة في بلد بحجم مصر.
مصر ليست دولة هامشية في الإقليم، وليست جزيرة معزولة عن الاضطرابات المحيطة بها. إنها تواجه ضغوطًا اقتصادية كبيرة، وتحديات مرتبطة بالدين والأسعار ومستوى المعيشة، كما توجد حولها أزمات شديدة التعقيد في السودان وليبيا والبحر الأحمر وقطاع غزة، فضلًا عن ملف مياه النيل وسد النهضة وتشابكات شرق المتوسط. وقد ركز النقاش ذاته على أن هذا المحيط الإقليمي المضطرب يتزامن مع ضغوط اقتصادية داخلية متزايدة.
لكن هنا تحديدًا يبرز الخلاف في الرؤية.
هناك من يعتقد أن لحظة الأزمات تتطلب تقليل الأصوات، وتشديد الرقابة، وضبط المجال الإعلامي، ومنع ما يمكن أن يربك الجبهة الداخلية. وهذه رؤية معروفة في تاريخ الأنظمة السياسية؛ فكلما ازداد الخطر، ازداد الميل إلى المركزية، وكلما اشتدت الأزمة، ارتفع صوت من يقول إن الوقت ليس مناسبًا للنقد.
لكنني أرى المسألة بصورة مختلفة تمامًا.
كلما ازدادت الأزمات، ازدادت حاجة الدولة إلى الصحافة الحرة، لا العكس.
لأن الدولة عندما تواجه أزمة اقتصادية تحتاج إلى من يخبرها بالحقيقة عن آثار سياساتها، لا إلى من يطمئنها بأن كل شيء يسير على ما يرام. وعندما تواجه أزمة اجتماعية تحتاج إلى معرفة ما يشعر به المواطنون فعلًا، لا إلى استطلاعات رضا مصنوعة داخل غرف الإعلام. وعندما تواجه تهديدات إقليمية تحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة، وهذه الجبهة لا تبنى بالخوف، وإنما بالثقة.
والثقة لا تصنعها نشرات الأخبار، بل تصنعها العدالة والمشاركة والشفافية.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الظروف هو أن تتحول الصحافة إلى مجرد امتداد للعلاقات العامة الحكومية. فحين تتشابه العناوين، وتتطابق زوايا المعالجة، وتختفي الأسئلة الصعبة، وتصبح مساحة المعارضة شبه معدومة، لا يعود المجتمع أكثر استقرارًا، بل يصبح أقل قدرة على الإنذار المبكر.
المجتمعات تحتاج إلى أجهزة إنذار، والصحافة واحدة من أهمها.
حين تقول صحيفة مستقلة إن ثمة أزمة في الأسعار، فهي لا تصنع الأزمة. وحين يكشف صحفي فسادًا أو سوء إدارة، فهو لا يخلق الفساد. وحين تنتقد منصة مستقلة قرارًا اقتصاديًا، فإنها لا تهدد الدولة. الخطر يبدأ عندما يمنع الناس من الكلام، فتستمر الأخطاء بصمت إلى أن تصبح أكبر من قدرة المؤسسات على إصلاحها.
وفي هذا السياق يصبح الحديث عن «الأخبار الكاذبة» شديد الحساسية. فلا أحد يستطيع الدفاع عن التضليل، ولا عن التحريض على العنف، ولا عن نشر الأكاذيب المتعمدة. لكن عبارة «الأخبار الكاذبة» نفسها يمكن أن تصبح أداة خطرة إذا لم تكن محددة بمعايير قانونية دقيقة، وإذا اختلط فيها الخطأ الصحفي بالنقد السياسي، أو التحقيق الاستقصائي بالإضرار بالأمن القومي.
كل الحكومات تكره الأخبار الكاذبة، لكن بعض الحكومات تكره الأخبار الصحيحة أيضًا عندما تكون محرجة.
وهنا يجب أن يكون القضاء والقانون هما الفيصل، شريطة أن يكونا مستقلين، وأن تطبق القواعد نفسها على الجميع.
أما أن يصبح الترخيص بوابة سياسية غير معلنة، أو أن تقدم المؤسسات طلباتها مرارًا من دون جواب ثم تعاقب لاحقًا لأنها لا تحمل الترخيص، فحينها نكون أمام دائرة مغلقة يصعب الدفاع عنها أخلاقيًا، حتى لو أمكن الدفاع عنها إجرائيًا.
وهذا يقودني إلى مسألة أكثر عمقًا: إن الخوف من فتح المجال العام بحجة أن الإسلاميين أو قوى معينة قد تملأ الفراغ لا يمكن أن يكون مبررًا دائمًا لإغلاق السياسة.
لقد جُرّبت هذه الحجة طويلًا في أكثر من بلد عربي: إذا فتحنا المجال جاءت قوى متطرفة، وإذا سمحنا بالتعددية استغلها خصوم الدولة، وإذا تركنا الصحافة حرة عمّت الفوضى.
لكن ما الذي يحدث عندما يغلق المجال عشر سنوات أو عشرين سنة؟
تختفي القوى المدنية الحقيقية.
تضعف الأحزاب.
تجف النقابات.
يتراجع المجتمع المدني.
وينشأ جيل لا يرى أمامه سوى السلطة من جهة، والغضب غير المنظم من جهة أخرى.
عندها تصبح النتيجة عكس ما تريده الدولة تمامًا، لأن المجال المعتدل الذي كان يمكن أن يستوعب الخلاف يكون قد اختفى، وتصبح لحظة الانفجار، إن وقعت، مفتوحة أمام القوى الأكثر تنظيمًا وتطرفًا.
ولهذا فإن الحرية ليست مجرد مطلب أخلاقي لنخبة من الصحفيين والمثقفين. إنها جزء من هندسة الاستقرار السياسي طويل المدى.
ومن المفارقات أن بعض الأنظمة تنظر إلى الحرية باعتبارها خطرًا على الاستقرار، بينما يمكن أن يكون غياب الحرية نفسه أحد أخطر مصادر عدم الاستقرار.
الأزمة الأخرى تتمثل في ملكية الإعلام وتركيزه داخل دوائر محدودة. لا مشكلة من حيث المبدأ في وجود شركات كبرى أو رجال أعمال داخل المجال الإعلامي؛ فهذا يحدث في أعرق الديمقراطيات. لكن المشكلة تبدأ عندما يختفي التنوع الحقيقي في الملكية والخطاب، وعندما تصبح الصحف والقنوات الكبرى أقرب إلى نغمة واحدة.
الإعلام ليس مجرد صناعة تجارية، بل هو أحد مكونات المجال السياسي العام.
ولهذا فإن السؤال ليس فقط: هل تحقق هذه المؤسسات أرباحًا؟ بل: هل تتيح تعددًا؟ هل تفتح المجال للنقد؟ هل يسمع المواطن آراء متناقضة؟ هل يستطيع صحفي أن يسأل سؤالًا مزعجًا من دون أن يخشى أن يدفع ثمنه؟
يمكن أن تكون لديك عشرات القنوات ومئات المواقع، ومع ذلك تملك صوتًا واحدًا فقط.
التعدد العددي لا يعني التعدد السياسي.
وأعتقد أن هذه النقطة بالذات ينبغي أن تكون في صلب أي نقاش جدي حول مستقبل الإعلام المصري.
لا أتصور أن مصر يمكن أن تواجه أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية بواسطة الإعلام المطمئن وحده. ولا أعتقد أن ملايين المصريين الذين يواجهون غلاء الأسعار وضغوط الحياة يحتاجون إلى من يقول لهم إن الأمور ممتازة بقدر حاجتهم إلى من يناقش الحلول بصدق.
فالناس يعرفون واقعهم أكثر مما يعرفه الإعلام.
يعرف الموظف قيمة راتبه، ويعرف رب الأسرة سعر الطعام، ويعرف الشاب صعوبة العثور على عمل أو منزل، ويعرف التاجر حالة السوق. ولذلك فإن محاولة إقناع الناس بأن الواقع أفضل مما يشعرون به يوميًا لا تقنعهم، بل تقطع الصلة بينهم وبين الخطاب الرسمي.
ومن هنا يصبح الإعلام المستقل حاجة للدولة قبل أن يكون حاجة للمعارضة.
إنه يسمح للسلطة بأن ترى نفسها في مرآة ليست من صنعها.
وقد لا تعجبها الصورة، لكنها على الأقل صورة حقيقية.
ثمة أيضًا سؤال حول موقف القوى الغربية التي طالما ربطت مساعداتها بخطاب حقوق الإنسان والديمقراطية. وقد أشار الحوار إلى تراجع هذا الضغط في التعامل مع مصر، سواء بحكم المصالح الأمنية أو الإقليمية أو الاقتصادية. وهذه مسألة تكشف بدورها أحد تناقضات السياسة الدولية: فالدول الكبرى تتحدث كثيرًا عن القيم عندما لا تتعارض القيم مع المصالح، ثم تصبح أكثر مرونة عندما يتعلق الأمر بالهجرة أو الأمن أو الطاقة أو الاستقرار الإقليمي.
لكنني لا أعتقد أن مستقبل الحريات في مصر يجب أن ينتظر ضغطًا أمريكيًا أو أوروبيًا.
فالحرية التي تمنح بضغط الخارج يمكن أن تسحب عندما يتغير مزاج الخارج.
الحرية المستدامة يجب أن تصبح حاجة داخلية، تنبع من المجتمع والدولة معًا.
مصر ليست في حاجة إلى وصاية أجنبية لكي تعرف أن الصحفي لا ينبغي أن يسجن بسبب رأيه، وأن الناقد ليس عدوًا للدولة، وأن المجتمع المدني ليس مؤامرة، وأن السؤال الصحفي ليس جريمة.
هذه مسائل تخص المصريين قبل أن تخص أي منظمة دولية.
وأظن أن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس: هل كانت هذه المنصة مرخصة أم لا؟ بل: أي مصر نريد بعد عشر سنوات؟
هل نريد دولة ضخمة بمؤسسات قوية ومجتمع ضعيف؟
أم دولة قوية لأن مجتمعها قوي؟
هل نريد إعلامًا يحمي الحكومة من النقد، أم إعلامًا يحمي الدولة من أخطاء الحكومة؟
هناك فرق هائل بين الدولة والحكومة. الحكومات تتغير، أما الدولة فتبقى. ومن أخطر الأخطاء أن يصبح الدفاع عن قرار حكومي مرادفًا للدفاع عن الدولة، أو أن يصبح نقد السلطة مرادفًا للخيانة.
الدولة الحقيقية أكبر من كل رئيس، وأكبر من كل حكومة، وأكبر من كل جهاز.
وحين تصبح الصحافة جزءًا من منظومة المراقبة المجتمعية، فهي لا تهدد الدولة، بل تساعدها على تصحيح مسارها.
لقد جرب العالم العربي طويلًا فكرة أن الأمن يصنعه الصمت.
لكن الصمت لا يصنع أمنًا.
الصمت يخفي الأزمة فقط.
وربما لهذا فإن أكثر ما يقلقني ليس إغلاق موقع هنا أو توقيف صحفي هناك، رغم خطورة ذلك، وإنما ترسخ ثقافة تعتبر الاختلاف تهديدًا، والسؤال تشكيكًا، والنقد إساءة، والمعارضة فوضى.
هذه الثقافة، إذا استقرت، يمكن أن تكون أكثر خطورة من أي أزمة اقتصادية.
فالاقتصاد يمكن إصلاحه.
والعملة يمكن إنقاذها.
والديون يمكن إعادة هيكلتها.
لكن المجتمع الذي يتعلم الخوف من الكلام يحتاج إلى زمن طويل لكي يستعيد ثقته في نفسه.
ولذلك أرى أن اللحظة المصرية الراهنة تتطلب عكس ما تقترحه فلسفة الإغلاق: تحتاج إلى توسيع المجال العام، وإطلاق نقاش حقيقي حول قوانين الصحافة والنشر، وضمان استقلال القضاء، وتطبيق القواعد على الجميع، وحماية الصحافة المهنية، وإيجاد مساحة آمنة للرأي المعارض.
ليس المطلوب أن تتحول مصر غدًا إلى نسخة من فرنسا أو بريطانيا أو الولايات المتحدة. ولا ينبغي لها ذلك.
المطلوب فقط أن تكون مصر أكثر ثقة في المصريين.
أن تسمح لهم بأن يختلفوا.
أن تعترف بأن الوطنية ليست صوتًا واحدًا.
وأن تدرك أن أخطر خصوم الدولة ليس الصحفي الذي يسأل، بل المسؤول الذي يمنع السؤال.
فالدول لا تنهار لأن صحفيًا كتب مقالًا قاسيًا.
الدول تصبح أكثر هشاشة عندما لا يبقى فيها أحد قادرًا على قول إن الطريق خاطئ.
ولهذا فإنني، كلما سمعت الحجة القديمة القائلة إن الحرية قد تقود إلى الفوضى، أجد نفسي أطرح السؤال المقابل:
وماذا لو كان غياب الحرية هو الذي يقود إليها؟
إن الدولة القوية لا تحتاج إلى الخوف من الكلمة.
بل تحتاج إلى الكلمة لكي تعرف أين تقف، وإلى أين تتجه، وما الذي ينبغي عليها أن تغيره قبل أن يصبح التغيير أكثر كلفة.
وإذا كان المستقبل المصري يمر اليوم بين أزمات اقتصادية وضغوط إقليمية وتحديات اجتماعية متراكمة، فإن أفضل استثمار سياسي يمكن أن تقوم به الدولة ليس إضافة باب آخر إلى جدار الصمت، وإنما فتح نافذة.
فالنافذة لا تهدم البيت.
إنها فقط تسمح بدخول الهواء.







0 التعليقات:
إرسال تعليق